على خلاف اتفاق «الهدنة» في شباط الماضي، الذي انتهى مفعوله دون نعي رسمي من الراعيين الأميركي والروسي، انتهى «اتفاق جنيف» الأخير على عدة مراحل، اختتمت بإغلاق القنوات الديبلوماسية الثنائية بين البلدين حول سوريا. فبعد إعلان موسكو أمس، أن الاتفاق أصبح «قيد التعليق» بعد سلوك واشنطن «المنحاز»، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية وقفها للمباحثات الثنائية، وفق ما هددت قبل أيام. وبرغم أن الاتفاق لم يكن في حاجة إلى إعلان «وفاته» رسمياً في ضوء اشتعال الميدان، يأتي تعليق المحادثات ليدلّ على أن معارك الجبهات لن تهدأ مجدداً بجهود ديبلوماسية دولية قبل تغييرات كبيرة على خرائط السيطرة.
البيت الأبيض: الصبر حول الملف السوري قد نفد

وبدا جليّاً من تصريحات مسؤولي واشنطن أنّ موسكو أبدت إصرارها على متابعة جهدها العسكري مع الجيش السوري وحلفائه، وخاصة في مدينة حلب، وهو ما كانت قد توعدت فيه للفصائل التي سترفض وقف إطلاق النار والانفكاك عن «جبهة النصرة»، عقب إبرام اتفاق «الهدنة» مع واشنطن. وفي ضوء إلقاء التهم بين «الشريكين» حول التنصل من الالتزامات التي يقضيها الاتفاق، أشارت واشنطن إلى أنّ التواصل بشأن حركة القوات الجوية فوق سوريا سيبقى مفتوحاً، بينما أعربت موسكو عن خيبتها من الإجراء الأميركي.
وفي هذا السياق، أعلن المتحدث باسم الخارجية الأميركية جون كيربي، أن بلاده علّقت المحادثات مع الجانب الروسي بسبب عدم التزام الأخيرة تنفيذ ما يمليه الاتفاق بين البلدين، واختيارها مع الحكومة السورية الخيار العسكري، مضيفاً أن بلاده ستسحب الخبراء الذين كان من المفترض أن ينضموا إلى نظرائهم الروس لإنشاء مركز التنسيق المشترك في جنيف. وقال إن الطرفين سيواصلان استخدام قناة اتصال وُضعت لضمان عدم حدوث تصادم بينهما خلال «عملياتهما لمكافحة الإرهاب في سوريا». وبدوره، قال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ارنست، إن «الصبر حول الملف السوري قد نفد... ولم يعد هناك ما يمكن أن تتحادث به الولايات المتحدة مع روسيا».
ومن جهته، نقلت وكالة «نوفوستي» عن مسؤول «رفيع» في وزارة الخارجية الروسية ما مفاده أن «قرار واشنطن يعدّ مخيباً للآمال».
وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار قبل الإعلان الأميركي، إلى أن «تعليق الاتفاق» يعود إلى «غموض موقف واشنطن تجاه جماعات المعارضة»، موضحاً خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكمبودي براك سوك هون، أن الموقف الأميركي «يتّسم بالازدواجية والتناقض». وأعرب عن قلقه من خروج أطراف في التسوية «عن الأطر التي حدّدتها قرارات مجلس الأمن الدولي». وأشار إلى ضرورة العمل على عدم فشل بنود اتفاق جنيف المشترك، التي يتيح تنفيذها تنسيق الحرب ضد الإرهابيين.
وبالتوازي، أوضح نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف، أن بلاده تعمل عبر قنوات الاتصال مع الولايات المتحدة على «بلورة حلول منطقية للأزمة السورية»، مشيراً في تصريح نقلته وكالة «نوفوستي» الروسية، إلى أنه إذا فشلت واشنطن في توضيح موقفها، فهي ستلجأ إلى «حلول قسرية»، تتمثل في «إزاحة الرئيس السوري وإسقاط الحكومة وإعادة رسم خريطة سوريا والمنطقة».
وفي سياق متصل، أكد نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف، أن بلاده تعتبر مشروع القرار الفرنسي في مجلس الأمن «أحادي الجانب»، لكونه يتضمن «عناصر لا تتعلق بالمسألة الإنسانية»، مؤكداً أن القرار هو «خطوة مسيسة» تهدف إلى «استخدام مجلس الأمن للضغط على سوريا وروسيا». وقال إن بلاده تحاول الاتفاق مع واشنطن على استئناف وقف النار، مشيراً إلى أن «روسيا دعت الولايات المتحدة مراراً، إلى مقارنة الخرائط بخصوص انتشار الجماعات المسلحة في سوريا، ولم تلق أي تعاون». ولفت إلى أن بلاده أبدت استعدادها «للتجاوب مع طلب الأمم المتحدة بشأن فرض هدنة لمدة 48 ساعة لتنظيم قافلات المساعدة إلى شرق حلب، ولكن هذه الدعوات لا تلقى دعماً من قبل الأميركيين».