أبعد من احتمال ترشيح الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، لا يبدو الوسط السياسي على اقتناع بأن ثمة متغيرات جدية تفضي إلى احتمال حصول انتخابات رئاسية في المدى المنظور. فخطوة الحريري في وادٍ، وحتمية إجراء انتخابات رئاسية في وادٍ آخر. لكن ما يشغل سياسيين معنيين، هو أنه في الوقت الضائع وفي عز تطورات إقليمية محتملة على خلفية الافتراق الروسي ــــ الأميركي في سوريا، تتعامل القوى السياسية مع الوضع الداخلي من دون تروٍّ، ما يزيد من عوامل التوتر غير الضرورية في هذه الآونة. ومن بين هؤلاء يبرز التحول في العلاقة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والقوى المسيحية. فهل خطا بري خطوة ناقصة في الأيام الأخيرة، فحوّل المشكلة القائمة بين القوى المسيحية وتيار المستقبل، إلى مشكلة بين المسيحيين وثنائية حركة أمل ــــ حزب الله؟ وهل قدّم بري هدية "مجانية" إلى الحريري، وما هو موقف حزب الله من هذا التحول؟ سلسلة من الأسئلة طرحت في الأيام الأخيرة، وزادت حدتها، في ظل واقعة بكركي ــ عين التينة، التي لا يمكن تجاوزها، مهما حاول بعض من في الصرح التخفيف من حقيقتها وتأثيراتها، لأسباب يعرفها أهل الصرح بذاتهم. بدليل ما جرى أمس في اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي والوزير جبران باسيل ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، في حدث لا يحصل إلا في الأزمات المصيرية.

تعامل بري في الأيام الأخيرة مع القوى المسيحية يتعدى ثابتتين: رفضه لترشيح العماد ميشال عون، وهو رفض قديم وليس جديداً، وتمسكه بإدارة الملفات الداخلية كما كانت حاله منذ اتفاق الطائف، وهذا ليس جديداً أيضاً، بدليل ممارسات بري منذ عام 2005، وصولاً إلى ما بعد الشغور الرئاسي حيث تصرف وكأنه يشغل كرسي الرئاسة الأولى (قبل الطائف وبعده) وليس الثانية. وآخر فصل من هذه الممارسات ما حصل في الجلسة التشريعية في نهاية العام الفائت.

حزب الله سيحصد سلبيات شدّ الحبال الأخير مهما كانت نتيجته

العقدة اليوم تتخطى هاتين الثابتتين، لتمسّ بجوهر العلاقة بين القوتين المسيحية والشيعية التي شهدت، رغم دخول حزب الله إلى سوريا، تهدئة ملحوظة، عززها ترشيح حزب الله لعون ومن ثم تمسكه به رغم ترشيح الحريري لرئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية. وهذا الأمر يحمل إشارات خطرة، يفترض بحزب الله أولاً وآخراً التنبه لها، لأنه سيحصد سلبياتها مهما كانت نتيجة شد الحبال الأخير.
في العامين الأخيرين، حاول عون تعيين قائد جديد للجيش، رفض بري ومعه المستقبل وبعض الشخصيات من قوى 14 آذار، بذريعة أنه لا يجوز تعيين قائد للجيش من دون وجود رئيس للجمهورية. لكن بري تجاوز تعيين موظف من الفئة الأولى، بغياب رئيس للجمهورية، ليطرح سلة تفاهمات مسبقة من دون وجود الرئيس أيضاً، ليصبح السؤال أيهما أهم، تعيين قائد للجيش، أم قانون الانتخاب، أم تقسيم الحصص الحكومية والوزارات السيادية منها تحديداً،على قاعدة اشتراط التمسك بوزارات ورفض إعطاء قوى سياسية مناوئة ما تطلبه، قبل الاتفاق على الرئيس الجديد والموافقة على عون؟ فهل يرفض بري فرض قائد الجيش على الرئيس الجديد لكنه يفرض عليه كل تلك الشروط المحددة في سلته؟
مبدأ السلة الذي ترفضه القوى المسيحية، يعود بالذاكرة إلى سلة الدوحة، التي اشترطت أيضاً على رئيس الجمهورية حصة وزارية محددة وسلسلة من التفاهمات المسبقة جعلت عهد الرئيس ميشال سليمان على ما كان عليه. بل إنها ضربت ما كان ينقل عن الرئيس الراحل رفيق الحريري، من أن لرئيس الجمهورية الثلث المعطل في الحكومة، وأن تشكيل الحكومة بيد رئيس الجمهورية وبيده صلاحية فرطها أيضاً، الأمر الذي صار بعد الدوحة في يد قوى 8 آذار.
اليوم مع اختلاف الظروف واختلاف شخصيتي عون وسليمان، يبدو تكبيل رئيس الجمهورية الجديد، أمراً تعجيزياً ترفضه القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، وانضمت إلى رفضه بكركي. ومن دون النقاش في حيثيات السلة، (بعد تمسكه برفض عون) فإن نتائجها الأولية، جعلت القوى المسيحية تسحب اعتراضها على الحريري والمستقبل بعد أزمة الشهور الأخيرة، وتقف في وجه بري مرة أخرى، بعد أعوام التجاذبات والخلافات الدائمة بينهما. ومن شأن ذلك إعادة خلط الأوراق حتى على الأرض بين جمهورين.
فالرئيس سعد الحريري فتح باب النقاش والحوار حول ترشيح عون، أي إنه في المبدأ أعاد طمأنة الشارع القواتي والعوني بمحاولته السعي إلى ترشيح الزعيم المسيحي الذي اتفقت عليه القوتان. ويخوض حواراً مع التيار والقوات بشأن المرحلة المقبلة، وهو الحوار الذي يعترض عليه البعض، ومنهم بري، لكونه أيضاً يحدد إطارات مسبقاً للعهد. لكنه أبقى الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات مهما كان انعكاس مغامرته عليه حتى سعودياً. أما في المقلب الآخر، فيتمسك بري برفض عون، ويحدد له مسار العودة "إلى بيت الطاعة"، أي إلى مجلس النواب والحوار، مستفيداً من حاجة عون إليه في هذه المرحلة، وواثقاً من أن الحريري لن يحظى برضى سعودي، لإمرار ترشيح عون.
لكن خطورة اللعب على حافة العلاقة بين بري والمسيحيين، لن تقتصر ارتداداتها عليه وحده، لا بل إن شظاياها ستصيب حزب الله معه، ولا سيما أن القوات اللبنانية تُصرّ على تحميل حزب الله مسؤولية موقف بري وعدم إيصال عون إلى قصر بعبدا، وقد لاقاها الحريري بذلك أكثر من مرة. لكن الأخطر على الأرض أن يبدأ الجمهور العوني بتلمس خطورة ما يفعله بري من استجرار التعبئة وتوسع ارتداداتها، فهل هناك من يتحمل تبعات هذا التحول شعبياً؟