نشر البنك الدولي دراسة بحثية تحت عنوان "العدالة الاجتماعية والاقتصادية لمنع التطرف العنيف"، في إطار تقريره الدوري "المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ــ تشرين الأول 2016". تتناول هذه الدراسة المجندين في تنظيم "داعش"، بوصفهم "قوى عاملة أجنبية" في سوق خاضعة لعوامل "العرض والطلب". تعتمد التحليلات الواردة في هذه الدراسة على مجموعة من البيانات عن مجندي "داعش" الأجانب، تم الاستحصال عليها، بحسب التقرير، من تسريبات لسجلات المنتسبين إلى المنظّمة باتت في متناول الباحثين. وهي تضمّ معلومات اجتماعيّة واقتصاديّة أساسيّة عن 3038 مجنداً أجنبياً (من الفترة الممتدة من أوائل عام 2013 حتى أواخر عام 2014 بحسب لجنة مكافحة الإرهاب)، من ضمنها دول إقامة المجنّدين وجنسياتهم ووضعهم العائلي ومهاراتهم ومستوى التعليم والخبرة الجهاديّة والمعرفة بالشريعة. وخلصت الدراسة إلى "أن الإرهاب لا يرتبط بالفقر وتدني مستويات التعليم، إلّا أن عدم إدراجه يشكّل عاملاً خطراً في التوجّه نحو التطرف العنفي. وعلاوة على ذلك، فإن البطالة لديها بالتأكيد القدرة على تفسير هذا الأمر. بينما السياسات التي تعزّز خلق فرص العمل، وتعود بالنفع على الشباب الباحثين عن وظائف، قد تساعد في إحباط انتشار التطرّف العنيف والآثار المصاحبة له على النمو الاقتصادي الوطني والإقليمي".


من وجهة النظر اقتصاديّة

تنطلق الدراسة من التعريفات الغربية للتطرف والإرهاب، إلا أنها تتبنى مفهوماً من وجهة النظر الاقتصادية يعتبر "التطرّف كإحدى ركائز السوق، نظراً إلى وجود عرض وطلب بين المنظّمات الإرهابية والمتطرفين". ما يعني، بحسب الدراسة، "أن الفرد يقرّر الانضمام إلى منظّمة إرهابيّة بعد أن يقيس التكاليف المترتبة عليه والفوائد الناجمة عن نشاطه فيها، علماً بأن هذه التكاليف والفوائد ليست ماليّة فقط، بل تشتمل على تكريس عقائد معيّنة، وتثبيت روابط أسريّة وولاءات لجماعات معيّنة". وتتناول الدراسة التطرّف كـ"نموذج أعمال"، انطلاقاً من فكرتين: الأولى تتحدّث عن تقديم فوائد غير ماليّة مثل تنمية "الشعور بتأدية رسالة للصالح العامّ" بدلاً من المكافآت الماليّة لقاء أعمال معيّنة، وهو ما تعتمده المنظّمات التي تعاني من ضائقة ماليّة. إضافة إلى اعتماد هذه المنظّمات على مصادر تمويل متركّزة على التبرّعات والأنشطة غير المشروعة. أمّا الفكرة الثانية، فتتحدّث عن "الحوافز الخجولة التي تقدّمها المؤسّسات، كالأجور المتدنية مثلاً، والتي تؤثّر على إنتاجيّة القوى العاملة، فتنعكس تالياً على أداء الشركات، وبما أن المنظّمات الإرهابيّة تطلب من أتباعها الانخراط بنشاطات عنيفة بحجّة إحقاق الرسالة التي وجدت من أجلها، وبما أنه غالباً ما تكون نسبة الخروج منها على قيد الحياة ضعيفة جداً، يبقى عامل نجاح هذه العمليّات مرتبطاً بالفرد وحده بما يؤثّر تالياً على تحقيق أهداف المنظّمة".

السعودية وتونس والمغرب وتركيا ومصر الدول الخمس الأولى المصدّرة للمجندين

من هم مجنّدو داعش الأجانب؟

بحسب نتائج الدراسة، يأتي مجندو داعش من جميع القارات في العالم. تُعدّ السعودية، وتونس، والمغرب، وتركيا، ومصر، الدول الخمس الأولى المصدّرة للمجندين الأجانب. أمّا ضمن الدول التي ليست ذات غالبية مسلمة، فتأتي غالبية "القوى العاملة الأجنبيّة" لدى "داعش" من: روسيا، فرنسا وألمانيا.
يبلغ معدّل أعمار المجندين الأجانب 27.4 سنة. المجندون الأصغر عمراً هم من ليبيا (متوسط العمر 23.7 سنة)، والأكبر سنّاً من أندونيسيا (33.5 سنة). مع الإشارة إلى أن متوسط أعمار المجندين لدى "داعش" لا يعكس ديموغرافياً البلاد التي أتوا منها، أي بمعنى أن المناطق ذات معدلات الأعمار الكبيرة لا تنتج مجندين أكبر سنّاً.
من حيث المستوى التعليمي لمجندي "داعش"، هناك 69% لديهم مستوى تعليم ثانوي. 15% منهم تركوا المدرسة قبل الثانوية، وأقل من 2% منهم أمّيون. وفي مقارنة بين مستوى التحصيل المدرسي المبلّغ عنه بين مجندي "داعش" ولدى سكان المناطق التي أتوا منها للأشخاص بين 20 سنة و35 سنة، تنتج البلاد الأوروبيّة والآسيويّة الوسطى ودول أخرى في منظمة التعاون والتنمية، مجندين لديهم مستوى دراسي شبيه بباقي أفراد الفئات التي ينتمون إليها في المجتمع. أما المجندون الأجانب، القادمون من الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وجنوب وشرق آسيا، فهم أكثر تعلّماً ممّا يعدّ المتوسط الطبيعي لبلادهم.
أظهر تحليل البيانات الواردة في الدراسة أن 30% من المجندين أعلنوا تفضيلاتهم للنشاط الذي يرغبون في ممارسته ضمن "داعش"، بحيث إن 1.9% منهم يفضّلون العمل الإداري، 17.2% يفضّلون القتال، و11.7% يفضّلون العمليات الانتحاريّة. أمّا في الحديث عن خصائص المجندين الذين حدّدوا أهدافاً معيّنة لنشاطهم، فيتبيّن أن المجندين الذين يهدفون إلى الوصول إلى مراكز إداريّة، هم في غالبيتهم من أفريقيا، وجنوب الصحراء الكبرى، ومن جنوب وشرق آسيا. أمّا المقاتلون فيأتون في أغلبهم من شرق أوروبا، ودول منظمة التعاون والتنمية. فيما تنتج شمال أفريقيا، وجنوب الصحراء الكبرى، والشرق الأوسط، ووسط آسيا، غالبية الانتحاريين. وإن نسبة الإداريين والانتحاريين ترتفع مع ارتفاع مستوى التعليم، فيما المجندون الأكثر احتمالاً بأن يختاروا العمليات الانتحاريّة هم الذين سجلوا أنهم كانوا إما عاطلين من العمل أو كانوا عسكراً قبل أن ينضموا إلى "داعش".
يسافر مجندو "داعش" إلى سوريا لأهداف متعدّدة: منهم من يريد العمل في إدارة المنظمة، ومنهم من يقبل أو يريد إنهاء حياته في خدمتها. وآخرون ببساطة يريدون القتال. وترتبط هذه الأهداف بخصائص مختلفة، ودوافع غير متجانسة للتطرف.

المحددات الاقتصادية

تطرح الدراسة السؤال الآتي: ما الذي يدفع باحتمال أن بلداً ما سيوفّر مجندين متطرّفين لـ"داعش"؟ هل بإمكاننا تحديد بعض المتغيّرات التي تدل على أبعاد مختلفة من الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والتي تؤدي الى خلق نزعة في البلد لأن ينضم بعض مواطنيها إلى جماعة إرهابيّة؟
تقول الدراسة "إن البلدان ذات الكثافة السكانيّة الأكبر، والتي تضمّ نسبة كبيرة من المسلمين، مع ثبات العوامل الأخرى، هناك احتمال لوجود واحد على الأقل من سكانها عضواً في جماعة متطرفة. وفي السياق نفسه، مع بقاء جميع العوامل ثابتة، من المتوقع أنه كلما ابتعدت المسافة عن سوريا تزداد كلفة السفر إلى هناك، وتالياً ينخفض ميل الأفراد إلى التطرف أو الانضمام إلى المجندين الأجانب في داعش".
تضيف الدراسة "إن متغيرات التنمية الاقتصادية، مثل الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد في بلد ما، يكون لها تأثير غامض على ميل الفرد إلى الانضمام إلى جماعة متطرفة. وفي حين أن الناس الأغنياء لديهم ما يخسرونه (ارتفاع التكلفة البديلة) عبر المخاطرة بحياتهم، فهم أيضاً أكثر عرضة لتحمّل تكلفة السفر إلى سوريا والعراق. من ناحية أخرى، فإن مؤشرات الإدماج أو الاحتواء الاقتصادي أو عدمه، مثل معدلات البطالة، تحفز ارتفاع معدلات التشدّد لأن الإقصاء الاقتصادي يمكن أن يولد المزيد من الظلم وأن يقترن مع فرصة أقل كلفة بالانضمام الى داعش".
وبحسب الدراسة، هناك علاقة وطيدة بين محدّدات التشدّد والميل لدى البلد لتزويد "داعش" بالمجندين. إذ تُظهر البيانات أن المسافات الأكبر تجعل الكلفة أعلى على الراغبين في الانضمام إلى "داعش" في الوصول إلى سوريا. وبالنظر في التنمية الاقتصادية الشاملة، نجد أن الدول الغنية استناداً الى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، هي أكثر عرضة لتكون مصدّرة للمجندين الأجانب في "داعش".