يحلو لبعض الذين رافقوا مسيرة بكركي في تاريخها الحديث، تشبيه موقف البطريرك الماروني الكاردينال ماربشارة بطرس الراعي، والنداء الاخير المتعلق بالشراكة والنظام والسلة والرئاسة، بما قام به الكاردينال مارنصرالله بطرس صفير قبل سنوات ازاء الوجود السوري وقبل الطائف وبعده. ثمة خيط اساسي يمكن التعويل عليه في هذا الموقف، هو التحدي الذي رافق بكركي على طريق صياغة اتفاق الطائف والعمل من اجل تنفيذه كما كتب بروحيته وبنصوصه، لا كما طبقه النظام السوري وحلفاؤه في لبنان. اذ ليس النظام السوري وحده مسؤولا عما شهده لبنان، فترويكا الحكم وقادة لبنانيون مسيحيون واسلاميون، انما ساهموا ايضا في اعطاء الطائف صبغته التي عرف بها. بقي حزب الكتائب والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر وبكركي خارج تركيبة الطائف بمفهومها الذي ارسته الترويكا برعاية سورية، الى ان جاء عام 2005 وما حدث بعده وصولا الى ما نشهده حاليا، ولا سيما في الايام الاخيرة، التي اظهرت مجددا كيف يمكن للوصول الى رئاسة الجمهورية ان يساهم في تدرج الخطاب السياسي حول الطائف والمشاركة والميثاقية، حاملا في بعض الاحيان لغة مزدوجة.
زمن السقوف العالية ولى والصفقات تطبخ على نار هادئة

فمفارقة المشهد السياسي الحالي، تكمن في موقف التيار الوطني الحر من التطورات المتعلقة بصفقات سياسية حول رئاسة الجمهورية، وبتفاهمات يراد لها ان تضفي على المواقف المتشددة التي تقال منذ اشهر، صفة تخفيفية لاستيعاب الجمهور، والحلفاء قبل الخصوم. فالقوى المسيحية، وبكركي لا تشذ عنها في لحظات مصيرية، تتعامل مع تطبيق الطائف على انه يختلف 180 درجة عن الطائف الذي شاركت القوات والكتائب وبكركي في صياغته وفي صدوره والدفاع عنا ودفعت اثمانا باهظة للوصول اليه. وهذه القوى لا ترى امامها الا القادة الذين لا يزالون يتصرفون معها تماما كما كان يتصرف النظام السوري. من هذا الموقع حمل التيار الوطني الحر، كما القوى المسيحية الاخرى، لواء الدفاع عن الشراكة والحقوق المسيحية، وعلى هذا الاساس خاض مع القوات اللبنانية تحديدا قبل عام من الآن معركة المشاركة في جلسة التشريع واقرار قانون استعادة الجنسية.
في الاسابيع الاخيرة، تصرف المستقبل والرئيس نبيه بري وكأن مرحلة ما بعد الطائف لا تزال قائمة، عبر محاولة جر المسيحيين الى ما تريده القوتان السنية والشيعية، ليس في الرئاسة فحسب انما أيضاً في صياغة اتفاقات جانبية حول ما بعد الرئاسة، لكن هذه المرة اختلفت مقاربة التيار الوطني الحر، عما كان يقوم به ويقوله قبل عام. فالتيار الوطني رفع منذ سنة سقف التوقعات، ولوح منذ اشهر بالشارع على اساس انه يرفض املاءات القوى الاخرى، ان بترشيح رئيس تيار المردة سليمان فرنجيه او بمعركة الشراكة والحقوق والتعيينات داخل الحكومة واقرار قانون الانتخاب في مجلس النواب كممر الزامي لفتح المجلس. وعلى هذا الاساس خاض التيار والقوات حوارا وتفاهما وأرسيا اتفاقا على معركة الرئاسة وقانون الانتخاب، ووفق ذلك ايضا قاطع التيار الحكومة ولوح بتعطيل المجلس النيابي واستخدام الشارع، ومشهد لقاء التيار والقوات في بكركي الاسبوع الماضي نموذجا عن صورة تعكس هذا التفاهم على خوض معركة مصيرية.
بدأ المشهد يتغير منذ ترشيح الرئيس سعد الحريري لرئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون، ويتجه ايضا نحو التبدل، في ظل اشتداد الازمة مع الرئيس نبيه بري حول السلة، لكن ما يجري منذ ايام ضاعف من علامات تبدل الخطاب السياسي بحجج متنوعة، فزمن السقوف العالية ولى، والصفقات تطبخ على نار هادئة، والتيار الذي يحافظ على لغة جماهيرية عالية في ذكرى 13 تشرين فقط، استبدل معارضته بحوارات اساسية تتعلق بالرئاسة وبقانون الانتخاب وبالحكومة وبالحوار وبمجلس النواب. واذا كان بعض السياسيين قد رأى ان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، رسم للتيار الوطني خريطة طريق لعودته المنتظمة الى صلب النظام، اي بالعودة الى الحكومة وفتح مجلس النواب واستئناف التشريع الضروري وغير الضروري، وحدد له ممرا الزاميا اي الحوار مع الرئيس نبيه بري وفرنجيه (من دون تدخل الحزب)، فان الاشكالية بحسب هؤلاء ان التيار يبدي استعداده للعودة الى التركيبة نفسها التي لطالما اشتكى منها مع القوى المسيحية لانها تمثل استمرارية لتركيبة ما بعد الطائف "السوري". فالتيار الذي عارض الطائف، وقاربه العماد ميشال عون اخيرا من باب الالتزام به، يطمح في ظل المفاوضات المتعلقة برئاسة الجمهورية وتقاسم الحصص والترتيبات الجارية حولها، الى تبدل المناخات حوله، والى ان يكون فريقا مماثلا للقوى الموجودة في السلطة. وربما كان ذلك احد اسباب النفور بين التيار والقوى الحاكمة، لانه يريد ان يقاسمهم المحاصصات والنفوذ من دون ان يحقق حتى اليوم نجاحا يذكر، لكنّ خيطا رفيعا يميز موقع التيار عن خصومه التقليديين، لانه لا يزال يصر في ادبياته على رفض كعكة السلطة، ويلوح بالشراكة والميثاقية، وحتى الفدرالية، متى تعقدت مفاوضات رئاسة الجمهورية، اما حين تصبح الرئاسة قاب قوسين، فحينها يصبح الخطاب مغايرا وينخفض منسوب التوتر. فلا يستنهض الشارع الا لمناسبة 13 تشرين، كي يتواصل الحوار والصفقات مع الحريري ولاحقا مع بري. والحكومة ستستأنف جلساتها من دون عراقيل عونية الا اعلاميا، وبتعيينات لا علاقة للقوى المسيحية بها، ومجلس النواب يسير هو الاخر على طريق استعادة جلساته بذريعة البنود المالية ولو من دون قانون الانتخاب الا اذا كان قانون الستين. وعلى الطريق ايضا تهدئة ملحوظة مع القوى السياسية، من اجل تعبيد الطريق الى قصر بعبدا. خطابان رسمي وشعبي داخلي يعبران عن نقمته ازاء العقبات التي يضعها الحلفاء على مجيء عون رئيسا، ام تهدئة مشروطة، والعودة الى نظام الطائف بتركيبته ما بعد 1990؟ حتى الان ما يظهر ان التيار يلعب لعبة اهل السلطة، لكن اختراقه لهم ليس مضمونا بعد. وحين يتأكد له ان دون قصر بعبدا عقبات كثيرة، وان نظام ما بعد الطائف لا يريد ان يستوعبه ولا غيره من القادة المسيحيين، لا عجب ان يستعيد مجددا تعابير من القاموس العوني الحقيقي ، بدل تلك اللغة الايجابية التي استخدمها اخيرا.