بخلاف التوقعات التي تلت مجزرة صنعاء بشأن إمكانية بدء واشنطن بسحب يديها من الحرب على اليمن، وهو ما عززته تصريحات أميركية يومئذٍ، خطت واشنطن في اليومين الماضيين خطوات متقدمة باتجاه التورّط المباشر في الميدان اليمني، وذلك إثر المشاركة المباشرة، للمرة الأولى، في العمليات العسكرية. التدخل المباشر الأول الذي جاء من سواحل البحر الأحمر وفي محيط مضيق باب المندب، يُنذر بما هو أخطر من مجرد مدّ اليد الأميركية إلى الداخل اليمني، بل بتدويل الحرب عبر جرّ المضيق الدولي إلى الصراع المسلح، ولا سيما بعدما تحدثت أنباء شبه رسمية من إيران يوم أمس، عن إرسال بارجتين حربيتين إيرانيتين إلى خليج عدن.

وقد استهدفت القوات البحرية الأميركية ثلاثة مواقع للرادارات في السواحل اليمنية، رداً على هجومين استهدفا المدمرة «ميسون» الأميركية، بالقرب من مضيق باب المندب. وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية، فجر أمس، تنفيذ ثلاث هجمات على مواقع للرادارات في السواحل اليمنية «الخاضعة لسيطرة الحوثيين»، وذلك بعد ساعات من تأكيد الوزارة تعرض المدمرة «ميسون» لهجوم ثانٍ بالصواريخ، بعد أربعة أيام على هجوم مشابه استهدفها، لكن الهجومين لم يلحقا أي أضرار بالمدمرة. وبحسب بيان «البنتاغون»، فإن الضربات التي استخدمت فيها صواريخ «توما هوك» قد أجازها الرئيس باراك أوباما، وكانت «دفاعية».

قد ينقل التصعيد في باب المندب الحرب إلى التدويل

من جهة أخرى، فإنّ الجيش اليمني و«اللجان الشعبية» نفيا أي علاقة بالهجومين على البارجة. وكانت واشنطن قد هددت بأنها سترد على الهجوم الصاروخي الأول «في الوقت المناسب»، قبل أن تعلن أول من أمس، تعرض البارجة نفسها لتهديد صاروخي جديد، ما عكس، بحسب مراقبين، رغبةً في جر الحرب إلى نطاق أوسع.
وأكدت صنعاء حقها في الدفاع عن سيادة اليمن وحماية حدودها البرية والبحرية أمام أي اعتداء أجنبي، وأشارت إلى أن الاعتداء الأميركي المباشر واستهداف الأراضي اليمنية من قبل القوات الأميركية عمل استفزازي لن يكون في مصلحة أمن واستقرار الملاحة الدولية. وجاء هذا الكلام على لسان المتحدث باسم الجيش اليمني، شرق لقمان، الذي عبّر في الوقت نفسه عن «حرصه الكامل» على سلامة الملاحة الدولية في المناطق التي يسيطر عليها، مبدياً الاستعداد الكامل للتعاون مع أي جهة أممية أو دولية للتحقيق في هذه الادعاءات ومعاقبة المتسببين أياً كانوا.
تسارُع الأحداث في باب المندب منذ استهداف الجيش و«اللجان الشعبية» السفينة الحربية الاماراتية «سويفت»، قبل أكثر من أسبوع، كشف عن رغبة سعودية إماراتية في جر الصراع إلى المضيق تحت مبرر «حماية الملاحة الدولية». والتصعيد المتسارع هناك، هو الثاني في أقل من عام، إذ سبق للقوات البحرية التابعة لـ«التحالف» أن فشلت في التقدم نحو المخا التابعة لمحافظة تعز والسيطرة على باب المندب بحرياً، كما فشلت كل محاولاتها في التقدم نحو باب المندب عن طريق البر من خلال فتح جبهات عسكرية في العمري وكهبوب وذو باب، وبرغم ذلك أخذ الصراع في باب المندب طابعاً آخر في ظل فتور العلاقات الأميركية السعودية.
وجاء الهجوم الاميركي على السواحل اليمنية غداة إدانة حكومة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي للهجوم الذي استهدف البارجة الأميركية، والذي عدّته «تهديداً مباشراً من قبل الحوثيين للملاحة الدولية»، وطالبت، خلال انعقادها في مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، «التحالف» بقيادة السعودية بتشديد الرقابة على السواحل اليمنية تحت مبرر دخول سفن إيرانية الى سواحل الحديدة، وهو ما عدّه مراقبون محاولة لتوظيف حادثة الهجوم من قبل «التحالف» وهادي لتحويل مضيق باب المندب الى بؤرة صراع دولي، ولا سيما أن الاعلام الموالي لـ«التحالف» عمد الى التهويل من الحادثة، وعدّها تهديداً مباشرا للتجارة العالمية التي تمر عبر المضيق الاستراتيجي.
محاولات تفجير الأوضاع في مضيق باب المندب، الذي يحتل أهمية إستراتيجية كبرى للدول المصدرة للنفط والبضائع، التي تتدفق من دول شرق اسيا وإليها، سيضاعف تكلفة نقل النفط اليومية إلى 45 مليون دولار، وسيكبد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة، وقد ينقل الحرب في اليمن إلى التدويل.
وأثارت هذه الفرضيات مخاوف بعض الموالين لهادي الذين وصفوا جر الصراع إلى باب المندب بـ«الكارثة التي ستحل بالشرعية» على حد وصفهم. فالوجود الأميركي في باب المندب من خلال البوارج الحربية تحت مبرر حماية الملاحة الدولية، يتوقع أن يقابله وجود روسي أيضاً، في وقتٍ تحدثت فيه أنباء يوم أمس، عن إرسال طهران سفينتين حربيتين «ألواند» و«بوشهر» إلى خليج عدن «لحماية السفن التجارية»، وفقاً لما نشرته وكالة «تسنيم» شبه الرسمية.