حتى منتصف هذا الصيف، لم يكن أحد في منطقة جرد مربين، في أعالي جرود الضنية، يتحدث عن وجود "آخرين" في جرد الهرمل المقابل، ولا عن سنّة وشيعة، بل كان الكلّ يتحدث عن "جيران" و"أهل" و"أصدقاء" و"معارف".

أغلب أهالي جرد مربين وعائلاته الذين يزيدون على 250، قبل أن ينزلوا مع بداية الشتاء إلى منازلهم في بلدتي بقرصونا وسير، يقيمون في المنطقة صيفاً للزراعة بسبب خصوبة أرضها ووفرة المياه فيها. محمد شوك، أحد هؤلاء، يؤكد أنه "لم تحصل بيننا وبين جيراننا أهل الهرمل سابقاً أي إشكالات، ونحن نتبادل وإياهم الزيارات ونتشارك في الأفراح والأتراح إلى أن وقع ما وقع".

جهاد الصمد: المجرمون معروفون بالاسم من قبل الأجهزة الأمنية

فمنذ نحو شهرين، تواترت أحداث، أبطالها مسلحون مجهولون، تعرضوا بالسلب لمواطنين يعملون في الجرد ويقيمون فيه، أو يزورونه لقضاء عطلة نهاية الأسبوع فيه، وبعضهم من خارج الضنية. أحد الذين سُلبت سيارته وأمواله وهاتفه، اضطر إلى أن يمشي حافياً نحو خمس ساعات في الجرد، بعدما سُلب حذاؤه أيضاً، قبل وصوله منهكاً إلى منزل إحدى عائلات المنطقة التي قدّمت له المساعدة.
للوهلة الأولى، بقيت القضية تدور في فلك الأحداث العادية والفردية التي تشهدها أي منطقة لبنانية، قبل أن يرتفع عدد الحوادث المشابهة منذ نحو شهر، ما دفع رؤساء بلديات ومواطنين الى إبلاغ المراجع الأمنية، طالبين التدخل تلافياً لتطور الأمور نحو الأسوأ، بعد تكاثر الحديث عن أن المعتدين يفرّون شرقاً إلى منطقة الهرمل المجاورة.
غير أن الوضع بقي على حاله، واستمرت عمليات السلب والاعتداء، وبلغت أول من أمس حدّ اقتحام منزل سيدة من آل شوك في مزرعتها في جرد مربين بهدف سرقة سيارتها، ما دفع جيرانها إلى الاشتباك مع المسلحين الملثمين، فأصيب مواطن من آل شوك بطلق ناري، ما وتّر الأجواء، ودفع عائلته وأهالي الجرد إلى الاستنفار وقطع الطريق بين الضنية والهرمل، وسط دعوات للأهالي إلى التسلح والصعود إلى الجرد دفاعاً عن أنفسهم وأرضهم. وشهد ليل السبت ــــ الأحد انتشار عدد من أهالي المنطقة المسلحين، وأعلن خالد عبد العزيز شوك باسمهم "أننا لن نفتح الطريق قبل أن توفّر الدولة الحماية لنا". ورفض اتهام أهالي الهرمل بالوقوف وراء هذه الأحداث، لكنه رأى أنه "يمكنهم القيام بمبادرة تجاهنا، مثل تسليم المعتدين علينا للدولة، أو رفضهم إيواءهم في مناطقهم، أو هدر دمهم"، مشدداً على "أننا لسنا قطّاع طرق، وكما نرفض أن نؤوي زعراناً في مناطقنا، على أهالي الهرمل رفض إيوائهم".
الخشية من خروج الوضع عن السيطرة، دفعت نواب المنطقة ومرجعياتها إلى التحرّك لاحتواء الأمور. فزار النائب أحمد فتفت قائد الجيش العماد جان قهوجي لهذه الغاية، وأبلغه أن "استمرار الوضع من دون معالجة يوتّر الأوضاع بنحو مقلق وخطير".
وأكد النائب السابق جهاد الصمد، الذي اتصل برئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة تمام سلام والوزير محمد فنيش، أن "هؤلاء المجرمين معروفون بالاسم من قبل الأجهزة الأمنية، وعليها توقيفهم"، لافتاً إلى أن "أهالي الضنية قادرون على حماية أنفسهم، لكنهم يتركون للدولة التي يعتبرونها مرجعية جميع اللبنانيين أن تتولى هذه المهمة". ودعا "عشائر الهرمل التي تربط بينها وبين عائلات الضنية علاقات حسن جوار تاريخية ومصاهرات وعلاقات اجتماعية، إلى التدخل الفوري قبل فوات الأوان لوضع حدّ لهذه الممارسات، حرصاً على استقرار المنطقتين، وكي لا تفلت الأمور من أيدينا ويجري استغلالها لغايات سياسية أو طائفية أو مذهبية. وإذا لم يستطيعوا منع هؤلاء المجرمين ومحاسبتهم، فأضعف الإيمان رفع الغطاء عنهم وهدر دمائهم".
وناشد اتحاد بلديات الضنية الأجهزة الأمنية "التدخل السريع لوضع حدّ لهذه الظاهرة الشاذة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة، حفاظاً على سلامة وأمن الأهالي في الضنية والهرمل وجوارهما". فيما طالبت بلدية بقرصونا "بخطة أمنية نستطيع من خلالها حماية أهلنا المقيمين في مزرعة جرد مربين وجوارها حتى لا تستثمر هذه الحوادث للإيقاع بين أهالي الجرود من جهة، وبين السنّة والشيعة من جهة أخرى".