الطريق إلى مركز المعاينة الميكانيكية في الحدث مقطوعة. هنا على المدخل الذي يقع على بعد عشرات الأمتار من البوابات الخارجية، رفعت لافتة: «المعاينة الميكانيكية مقفلة... إضراب». تقترب أكثر، فتفاجأ بحجم الآليات العمومية المركونة لسد المنافذ إلى المركز، صهاريج وشاحنات وأوتوبيسات وميني باصات وسيارات. لكن المشهد لم يستمر على هذه الحال طوال يوم أمس، إذ انخفض عدد الآليات، ولا سيما في ساعات بعد الظهر، في محاولة لإيجاد ممرات لسكان المباني المحيطة بالمركز، فيما بقيت البوابات مقفلة أمام معاملات المواطنين.

في الداخل، حضر العمال والموظفون إلى مركز عملهم كالمعتاد، وبقوا حتى نهاية الدوام. بعض هؤلاء بدوا غير مقتنعين بجدوى التحرك الذي وصفوه «بالمسرحية التي ستنتهي بالتسوية، إذ يتوقع الإبقاء على الشركة الجديدة الفائزة ومطالبتها بخفض سعرها».
عمال آخرون بدوا متخوفين على مصيرهم، فانضموا إلى الاعتصام المفتوح الذي بدأته، منذ ساعات الصباح الأولى، اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، أمام مراكز المعاينة الأربعة في الحدث وطرابلس والزهراني وزحلة. وأعلنت الاتحادات أن الآليات ستلازم المكان وسيتناوب السائقون نهاراً وليلاً، أي 24 ساعة في اليوم، حتى إعادة القطاع إلى الدولة، إدارةً وجباية.
يسارع رئيس اتحادات النقل البري بسام طليس، إلى القول إنّ «قراراتنا فوق الطاولة، بدليل أننا أعلنّا الاعتصام المفتوح ابتداءً من 17 الجاري من أمام وزارة الداخلية». يؤكد أنها بداية مواجهة بين نقابات حريصة على الحفاظ على أموال المواطنين والدفاع عن أبناء المهنة، وبين مسؤولين مصرّين على إدارة القطاع عبر الشركات الخاصة. يعلن أننا مستمرون في التحرك حتى تصبح الشركات في خدمة الدولة وليس العكس، مشيراً إلى أنّ القرار بات في ملعب الحكومة التي ننتظر جلستها، الخميس المقبل، لنبني على الشيء مقتضاه. ويعرب عن اقتناعه بأن الإضراب سينقل، حتماً، الملف إلى طاولة مجلس الوزراء. وقد علمت "الأخبار" من مصادر وزارية أنّ الوزير المعنيّ، أي وزير الداخلية نهاد المشنوق، لم يرفع حتى الآن الملف إلى مجلس الوزراء.
في اليوم نفسه للجلسة، أي الخميس المقبل، سيعقد مجلس القضايا لدى مجلس شورى الدولة جلسة لبتّ طلب هيئة إدارة السير والمركبات الآلية، بالرجوع عن قراره بوقف تنفيذ تلزيم المعاينة الميكانيكية إلى شركة «SGS»، التي فازت بالمناقصة بسعر يفوق 440 مليون دولار على 10 سنوات. وكان المستشار المقرر القاضي طلال بيضون، قد وضع تقريره، وأيّد الرجوع عن وقف التنفيذ.
في هذه الأثناء، طالبت مجموعة «شركات جودة لبنان»، وهي الجهة التي قدمت الطعن في المناقصة، بالبحث في أساس النزاع، وقدمت عبر وكيلها القانوني، إلى مجلس القضايا لائحة جوابية دعت فيها إلى إعادة التحقق من الشروط الفنية لجميع العارضين وفضّ العروض المالية وإبطال القرار المطعون فيه وإعادة المناقصة إلى إدارة المناقصات لاتخاذ القرار بإرساء التلزيم على العارض الأكثر ملاءمة للمصلحة العامة ومصلحة المواطنين ومصلحة مرفق المعاينة الميكانيكية.
وجددت المجموعة التأكيد أن الجهة المستدعى ضدها، أي هيئة إدارة السير، غير مختصة بإصدار القرار المطعون فيه، فالمرسوم الرقم 7577 تاريخ 8/3/2002 حدد صراحة أن المرجع في إجراء مناقصة المعاينة الميكانيكية وتوقيع العقد هو وزارة الداخلية، لا هيئة إدارة السير.
ورأت الجهة المستدعية أنّ القرار المطعون فيه تجاوز الأصول الجوهرية الملزمة بعدم عرض ملف المناقصة على رقابة ديوان المحاسبة المسبقة، مطالبة مجلس القضايا بإظهار المبدأ العام الذي بموجبه تلزم كل مؤسسة عامة بالخضوع لرقابة ديوان المحاسبة المسبقة، ما لم ينصّ القانون صراحةً على عدم إخضاعها لهذه الرقابة.

بسام طليس: مستمرون في التحرك حتى تصبح الشركات في خدمة الدولة وليس العكس

وفي لائحتها، قالت المجموعة إن القرار يتعلق بتلزيم إدارة واستثمار مرفق عام لم يصدر قانون عن مجلس النواب بالترخيص بإجرائه، وإنّ قرار مجلس الوزراء بإجازة إجراء المناقصة يخالف المادة 89 من الدستور التي تنصّ على أنه «لا يجوز منح أي التزام أو امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية أو مصلحة ذات منفعة عامة أو أي احتكار إلا بموجب قانون وإلى زمن محدد»، وأن ديوان المحاسبة وبموجب أكثر من رأي استشاري صادر عنه يعتبر أن عقود (الإنشاء والتشغيل والتحويل) هي عقود تخضع للمادة 89 من الدستور، وإن إجازتها بغير قانون يجعلها منعدمة الوجود.
وتشير الجهة المستدعية إلى أنّ دفتر الشروط خالف أحكام الدستور بوضع أصول تحديد رسوم المعاينة الميكانيكية وكيفية استيفائها وتوزيع الحصص بين الدولة وهيئة إدارة السير والشركة الملتزمة. وأجاز للشركة أن تحدد الرسوم التي تفرض على المواطن لقاء المعاينة الميكانيكية، وكذلك الغرامات التي تفرض نتيجة التأخير في إجراء المعاينة الثانية والمعاينة التأكيدية، وهذا يخالف المواد المذكورة من الدستور اللبناني.
لم يُصَر أيضاً، بحسب المجموعة، إلى استشارة مجلس شورى الدولة في النصوص التنظيمية التي تضمنها القرار المطعون فيه، والتي تتعلق بأصول تنفيذ موضوع العقد، وهي نصوص تتضمن التزامات مالية يقتضي التحقق من مدى انطباقها على قانون المحاسبة العمومية، واحترامها حقوق الإنسان وحرياته، وتطابقها مع الأنظمة المرعية الإجراء والظروف الواقعية التي يقتضي أخذها في الاعتبار لئلا يرهق المواطن بإجراءات مستحيلة يترتب عنها إلحاق الضرر بالمواطن أو فشل مشروع المناقصة، ما يُلحق ضرراً بالمالية العامة.
كذلك، إنّ تعديل دفتر الشروط دون الرجوع إلى مجلس الوزراء، يخالف، كما تقول المجموعة، المبادئ العامة للقانون، ولقواعد الاختصاص ولقواعد التفويض.
وفي ما سمّته مخالفات ارتكبتها لجنة الخبراء، أوضحت الجهة المستدعية أنّ الأخيرة حلّت محل لجنة التلزيم وصادرت صلاحياتها، بالرغم من أن دور الخبراء تحضيري وليس تقريرياً، أي يبدي ملاحظاته ويرفعها إلى لجنة التلزيم لتقرر قبول هذه الملاحظات أو رفضها، حسبما هو مقرر في دفتر الشروط.
وفي مراعاة الأصول واختيار العرض الأفضل بما يضمن حسن سير مرفق المعاينة الميكانيكية، رأت المجموعة أنّ هيئة إدارة السير حاولت إظهار العجلة لإنفاذ المناقصة بحجة تلافي تعطيل مرفق المعاينة الميكانيكية، علماً بأنّ عقد الشركة المشغلة انتهى في عام 2012، وهي مستمرة في تسيير المرفق استناداً إلى مبدأ الاستمرارية منذ 4 سنوات، فما الضير في أن تكون الأربع أربع سنوات ونصف سنة وننجز بهدوءٍ مناقصة متوافقة مع القانون؟ وهل مبدأ الاستمرارية يبيح للإدارة ضرب عرض الحائط بكل القوانين وإرساء المناقصة على العارض المتقدّم بأعلى الأسعار من جميع العارضين المرفوضين؟