تنتشر على طول ساحل قضاءَي المتن وكسروان والطرقات الداخليّة، لافتات عملاقة تدعوك إلى "التملّك في موطنك على قدر إمكاناتك"، وتحديداً في محلّة بعبدات – الزاهريّة (المتن الشمالي)، حيث تسعى جمعيّة "تمتين" الخيريّة (لرئيستها ماغدا شلالا) إلى بناء مشروع شروق الضخم، بسعر يقارب 850 دولاراً أميركياً للمتر الواحد.

إعلانٌ، لا شكّ في أنه يدغدغ أحلام الشباب اللبناني وذوي الدخل المحدود للتملّك في بلدهم، خصوصاً في ظلّ استقرار أسعار العقارات في لبنان، منذ عام 2010، على معدّلات مرتفعة تأبى الانخفاض انسجاماً مع تراجع الطلب، وذلك نتيجة سياسة الدعم التي ينتهجها مصرف لبنان حماية لمصالح المطوّرين العقاريين. ففي متابعة لحركة السوق العقاريّة، لا يبدو السعر غير واقعي، ولو أنّه يُعدّ أقل 50% من سعر المتر الرائج حالياً (إذ يراوح سعر المتر المربّع السكنيّ بين 1500-1700$)، بل هو منطقي لمن يريد البناء في مواصفات مقبولة مماثلة مع تحقيق هامش ربح ضئيل. لكن ما يثير الريبة هو الخوف من إعادة سيناريو مشروع جمعيّةCR Group الذي أطلق العام الماضي لمساعدة الشباب اللبناني على تملّك شقق بأربعين ألف دولار أميركي. يومها تبيّن أن الجمعيّة لم تشترِ الأرض ولم تستحصل على أي تراخيص لمباشرة البناء. كلّ ما في الأمر أنها كانت تتلقّى طلبات من الراغبين في الحصول على شقّة مقابل 100$، دون أن يكون ذلك مضموناً 100%. واليوم تعود "تمتين" مع الفكرة نفسها، وتنوي بناء المشروع نفسه وفق المواصفات نفسها وفي الأرض نفسها. فهل نحن أمام سيناريو مشابه؟ أم أن "تمتين" هي الواجهة الجديدة للمشروع المزعوم؟

مواصفات المشروع

تشير جمعيّة "تمتين" إلى أن "شروق" هو مشروع سكني متكامل في منطقة بعبدات - الزاهرية، يندرج في إطار سلسلة النشاطات التي تقوم بها الجمعيّة، لمساعدة ذوي الدخل المحدود من أبناء منطقة المتن الشمالي تحديداً. أمّا صاحبة الجمعيّة، فهي ماغدا شلالا التي تسعى إلى الترشّح عن أحد المقاعد النيابيّة في المتن، ووجدت في "شروق" انطلاقتها الواعدة. وبحسب البروشور (الملصق الإعلاني)، يمتدّ المشروع على مساحة 42 ألف متر مربّع، يتضمّن 560 وحدة سكنيّة تراوح مساحاتها بين 100 و120 و140 متراً مربّعاً بسعر 850 دولاراً أميركياً للمتر الواحد، ويتضمّن مراكز ترفيهيّة وسوقاً تجارياً ونادياً رياضياً ومسبحاً وحدائق ومساحات عامّة. ومن المتوقّع أن تبدأ الحفريات بداية عام 2017 لتسلّم الوحدات السكنيّة بعد ثلاث سنوات وتباعاً حتى خمس سنوات.
اتصلت "الأخبار" بالأرقام المُدرجة على الإعلان، مرّات عدّة وبأسماء مختلفة. بداية حاولنا معرفة تفاصيل الدفع، وهي بحسب أحد العاملين في الجمعيّة كالآتي: "يدفع الشاري 15% من ثمن الشقة بعد حصوله على موافقة على طلبه، وهي تراوح بين 12500 و17850 دولاراً (وفق حجم الشقّة). أمّا الدفعات الشهريّة، فيُتَّفَق عليها بحسب قدرة الشاري الماليّة". ولا ينسى تذكيرنا التوجّه إلى مكتب الجمعيّة في المطيلب بين الساعة التاسعة صباحاً والخامسة مساءً لتقديم الطلب، والاطلاع على التصاميم ومواصفات البناء. لكن ماذا عن الخرائط؟ يردّ: "يمكن الاطلاع عليها نهاية الشهر فور إنجازها".
في اتصال آخر، طلبنا معرفة مكان الأرض لمعاينتها، فدلّنا على "ساحة بعبدات، ومن ثمّ التوجّه إلى طريق العربانيّة، وتخطّي مركز حزب الكتائب في المحلّة بـ200 متر، لنصل إلى أرض هي عبارة عن حرج صنوبر شاسع المساحة. هناك سيُبنى المشروع". ولكن لا يوجد ما يدلّ على أن هناك مشروعاً قائماً أو سيبدأ العمل به. يردّ: "عند بدء الحفر سنضع اللافتات". بعدها توجّهنا إلى المكتب لتقديم الطلب، المكتب مغلق، فطلب منا الذهاب إلى معمل خشب في مزرعة يشوع (تملكه صاحبة الجمعيّة ماغدا شلالا). هناك لم يطلب منا أي أوراق ثبوتيّة أو إفادات سكنيّة وماليّة، يكفي ملء الاستمارة مع وعد بالردّ بالموافقة أو عدمه بعد عشرين يوماً، لدفع الـ15% من ثمن الشقة، وإن لم تتوافر الـ15%، يمكن "تزبيط السعر"، بحسب إحدى العاملات في الجمعيّة.

في السجلات العقاريّة ما من مستند أو طلب يدلّ على امتلاك "تمتين" أرضاً في بسفرين

لا أرض ولا رخص

الأرض التي يدلّ عليها الموظّفون في "تمتين" تعود ملكيّتها إلى شركة VIP Pine Villas التي اشترتها منذ شهر من مالكيها من آل عون (فؤاد وجورج ولودي عون). يؤكّد رئيس مجلس إدارتها فيصل إيليا سلامة لـ"الأخبار" أن "المالكين الأساسيين عرضوا عليهم العقارات 73 و89 و2، لكنه اشترى العقارين 73 و89 منذ شهر، لبناء مشروع خاصّ به لا علاقة له بجمعيّة تمتين"، ويتابع: "لقد اتصلنا بهم لمعرفة أين يريدون بناء مشروعهم، ودلّونا على أرضنا ثمّ أرض أخرى مُتاخمة لها". في اتصال آخر، للاستفسار عن رقم العقار، يطلب منّا الموظّف في الجمعيّة التواصل مع شريك شلالا، إبراهيم مكرزل، الذي أشار إلى أن "المشروع سيُقام على العقار رقم2/بسفرين الذي اشترته الجمعيّة من آل عون، على أن تقدّم الطلبات من خلال بنك "مصر لبنان" الذي سيدرسها ويوافق عليها". وعند السؤال عن رقم العلم والخبر الخاصّ بالجمعيّة، أحالنا على المحامي الياس طعمة الذي أجّل الحديث إلى الأسبوع المقبل، وكذلك فعلت شلالا.
في المقابل، يؤكّد مختار بسفرين طوني الهاشم أنه لم يعطِ إفادة محتويات إلّا بالعقارين 73 و89 (تبلغ مساحة الأول 18 ألف و600 متر مربّع، والثاني 650 متراً مربّعاً)، مؤكّداً أن العقارات الأخرى التي يملكها آل عون ما زالت باسمهم وبما فيها العقار رقم 2 (مساحته 31185 متراً مربّعاً لا 42 ألف متر مربّع كما هو مبيّن في الإعلان، وعامل الاستثمار فيه 20% فقط)، ويتابع الهاشم: "لقد اتصلنا بأصحاب مشروع "شروق" عندما رأينا الإعلانات، وقالوا إنهم سيبدأون الحفر مطلع السنة المقبلة، وهو ما يثير الاستغراب والشكوك، فالأرض لم تبع حتى اليوم، كذلك يحتاج الاستحصال على رخص لأكثر من 6 أشهر".

من هي تمتين؟

في السجلات العقاريّة وفي التنظيم المدني ما من مستند أو طلب يدلّ على امتلاك "تمتين" أرضاً في بسفرين أو تقديمها طلب رخصة لمباشرة البناء. وبحسب مصادر وزارة الداخليّة، لم تستحصل الجمعيّة على علم وخبر، وتالياً هي حتى اليوم جمعيّة لا تملك شخصيّة معنويّة وقانونيّة. فيما تفيد مصادر الدوائر العقاريّة بأنه لا توجد إمكانيّة لبناء مشروع من 560 وحدة سكنيّة في العقار رقم 2/بسفرين، نظراً إلى عامل الاستثمار المتدني، "فما يمكن بناؤه في ذلك العقار لا يتعدَّى الـ120 شقة سكنيّة".
وفي معلومات "الأخبار" لقد تقدّم أصحاب الأرض بشكوى ضدّ الجمعيّة لدى مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، وصدر قرار بنزع اللافتات الإعلانيّة ووقف قبول الطلبات منذ الاثنين الماضي (17/10/2016)، ووقّعت صاحبة الجمعيّة على تعهّد بذلك، إلّا أن الإعلانات ما زالت موجودة، وتقديم الطلبات سارياً.
لكن ماذا عن طبيعة العلاقة بين الجمعيّة ومصرف "مصر ولبنان" التي تشير الإعلانات إلى دعمه المشروع؟ يؤكّد المصرف أن "ما من شراكة بينه وبين أصحاب المشروع، وهو لا يدعمه (كما يشير الإعلان) ولا يموّله ولم يوقّع أي اتفاق معه"، كلّ ما في الأمر أن أصحاب الجمعيّة تواصلوا مع "مصر لبنان" للسؤال عن كيفيّة الحصول على قروض سكنيّة من خلال المصرف.

ماذا بين CR Group وتمتين؟

لا تتوقّف الشبهات عند هذا الحدّ، فإضافة إلى عدم شراء الأرض، وعدم تسجيل الجمعيّة في وزارة الداخليّة، وادعاء وجود دعم من بنك "مصر لبنان"، ومخالفة التعهّد الموقع لدى وزارة الاقتصاد، هناك شكوى بتهمة الاحتيال وسرقة أثر أدبي بحقّ ماغدا شلالا بصفتها مديرة جمعيّة تمتين وأنطوان سعادة مدير شركة LIFA والمستشار المالي لـ"تمتين"، مقدّمة من جمعيّة CR Group، أحالها المدّعي العام القاضي كلود كرم على قسم المباحث الجنائيّة الخاصّة منذ الأربعاء الماضي (19/10/2016).
يقول شربل شواح رئيس جمعيّة CR Group إنه "لا علاقة لهم بـ"تمتين" وإنهم تعرّضوا لعمليّة سرقة لفكرة المشروع وللاحتيال من قبل المستشار المالي للجمعيّة الأولى أنطوان سعادة الذي سبق أن عمل معهم في CR Group ووعدهم بتوفير الأموال من المصارف لشراء الأرض".
يومها طلب سعادة كل الدراسات الماليّة والهندسّية والقانونيّة العائدة لمشروع (بدك بيت بأربعين ألف دولار)، لكنّه لم يستطع توفير الأموال اللازمة من المصارف، فاقترح جمع الأموال من الزبائن لقاء إيصالات ليجري على أساسها شراء الأرض. يقول شواح: "رفضنا الأمر لما اعتبرناه احتيالاً على الجمهور ومحاولة لتبييض الأموال، إذ من غير الجائر توقيع عقود بيع مع الزبائن قبل الشراء. فأصرّ سعادة على اقتراحه مشيراً إلى أنه سيسير به مع شلالا، وهو ما حصل فعلاً عبر نشر الإعلانات على الطرقات لمشروع بالمواصفات نفسها المقدّمة من جمعيّتنا. لذلك اتخذنا الإجراءات القانونيّة اللازمة ضدّهم نظراً إلى الصيت السيئ الذي قد يلحق بمشروعنا المستمرّين فيه بعد أن ثبت عبر القضاء أن عملنا قانوني، ونحن نعمل الآن على توفير الضمانات القانونيّة والواقعيّة والشفّافة لنجاح المشروع، ولا علاقة لنا بأي عمليّة احتيال أو تبييض أموال قد تحصل من الجمعيّة الجديدة".
على الرغم من كلّ المعطيات المتوافرة عن الشبهات المحيطة بالمشروع، يصرّ أنطوان سعادة (المستشار المالي لـ"تمتين") على اعتبار أن "المشروع مثالي يجب دعمه نظراً إلى ما يقدّمه للشباب اللبناني". ويبرّر عدم وجود علم وخبر بالجمعيّة بـ"كونه سيصدر في خلال الأسبوع المقبل". أمّا عن كيفيّة إطلاق الإعلانات والتصريح بالتعامل مع مصرف "مصر لبنان" دون وجود أي مستندات قانونيّة ودون شراء الأرض، يردّ: "أردنا معرفة وضع السوق، ولاستطلاع حجم الطلب على المشروع قبل الشروع فيه، وهي ستقدّم إلى مصرف "مصر لبنان" ريثما نوقّع الاتفاقات النهائيّة معه في خلال الأسبوع المقبل". يصرّ سعادة على "التريث قبل نشر التحقيق"، ويطلب لقاءنا لشرح التفاصيل كاملة، عسى يكون قد صدر العلم والخبر وانتهى الاتفاق مع المصرف.