بعد ثلاثة أعوام على دعوتها كتّاب اللغة الإنكليزية من الجنسيات كافة، إلى المنافسة على «مان بوكر»، حاز بول بيتي (1962) الجائزة البريطانية العريقة كأول أميركي خلال سنواتها الـ 48. أول من أمس، كدنا نصدق أن نتائج الجائزة انكشفت قبل ساعات من موعد الحفلة المرتقبة في لندن. ترشيحات الصحف أجمعت على «لا تقل لا نملك شيئاً» للروائية الكندية مادلين ثيان، قبل أن يخطف الجائزة سليل مارك تواين الساخر، كما أطلق عليه النقاد، بروايته الفانتازية «الخيانة» The Sellout (صادرة عن دار Oneworld، ناشرة صاحب «بوكر» العام الماضي مارلون جيمس).
طعّمها بالكليشيهات الحساسة المستقاة من الذاكرة الشعبية عن الزنوج

منذ استبعادها أسماء مكرسة كجي. أم. كويتزي واليزابيث ستراوت، راحت ميول اللجنة التي ترأستها المؤرخة البريطانية أماندا فورمان (تضم الناقد جون داي، والشاعر والأكاديمي ديفيد هارسنت، والروائي التانزاني عبدالرزاق قرنح، والممثلة أوليفيا ويليامز) تتضح شيئاً فشيئاً إلى حين إعلانها، قبل شهر، عن قائمة قصيرة تتضمن تجارب وممارسات روائية نضرة ومعاصرة من بلدان مختلفة: الكاتبة المسرحية والروائية البريطانية ديبورا ليفي التي وصلت روايتها «البيت السابح» إلى القائمة القصيرة لـ «مان بوكر» عام 2012، تنصرف في «حليب ساخن» إلى المآزق النفسية الداخلية التي ترسم علاقة أم بابنتها. الإسكتلندي غرايمي ماكراي بورنيت صاحب «اختفاءات أديل بودو» (2014) التي حازت جائزة «الكاتب الجديد» في اسكتلندا، لا يزال مصراً على حبس الأنفاس في جرائم «مشروعه الدموي»، مستحضراً جريمة حصلت في القرن التاسع عشر. أصغر المرشحات سناً هي الكاتبة الأميركية أوتيسا موشفيغ في روايتها السيكولوجية القاتمة «ايلين»، مقابل الكاتب الكندي دايفيد سزالاي الذي تشق روايته All That Man Is رحلة ميلانكولية في عوالم أوروبا المعاصرة.
بعد مناقشة دامت أربع ساعات، حسمت لجنة التحكيم قرارها بتتويج تجربة تهكمية متفردة للأفريقي الأميركي بول بيتي، لا تنفصل عن مناخات أميركا دونالد ترامب ونقاش الهويات الأبدي الذي قامت عليه البلاد. الرواية التي وصفتها اللجنة بأنها تحاكي زمننا الحالي و«تخترق تابوهات العنصرية والسياسة في قلب المجتمع الأميركي المعاصر، عن طريق خفة الدم والحيوية والفجاجة»، استحقت السنة الماضية جائزة National Book Critics Circle Award التي نالتها مواطنته السوداء توني موريسون عن «أغنية سولمون» قبل أربعة عقود. خلع بول بيتي عن The Sellout تلك النزعة الدرامية التي طبعت معظم روايات القهر والعبودية، ليتنقل بخفة في وحشية قضايا التفاوت الطبقي، والتاريخ، وممارسات الشرطة الأميركية في القرن الحادي والعشرين. كما في رواياته الثلاث الأولى The White Boy Shuffle عام 1996، وTuff عام 2000 وSlumberland في 2008، لا يزال بيتي متمسكاً بالفكاهة التي تفرّدت بها نضالات الأفرو ـ أميركيين، كتعويذة لمواجهة آلام العبودية والعنصرية. جمع بيتي ضحكات الأجداد المتوارثة في Hokum... الأنطولوجيا التي أعدها عام 2006، منقباً فيها عن الهزل في الإرث الفني الأفرو ـ أميركي، في الشعر والأدب والبلوز والهيب هوب وصولاً إلى خطابات مالكوم إكس. «إنهم ككل الأميركيين يبتلعهم الغضب، لكنهم بذوات هشة. يصبح الهزل لديهم انتقاماً»، كتب بيتي في مقدمة Hokum، مضيفاً: «أحياناً تضحك كي تمتنع عن البكاء، أحياناً تضحك كي تتفادى إطلاق الرصاص...». ولعل الفارق الذي تلمّسه بيتي بين جدية ما قرأه عن إشكاليات الأفارقة الأميركيين، وبين البذاءة التي تنضح بها الأحاديث اليومية في المجتمع الأسود حولها، هو الذي بعث أسلوب التراجيكوميديا في الرواية. هكذا صنع عملاً يتجاوز فيه الجذور الأفريقية وإيقاعات الجاز، حيث تجري «الخيانة» في غيتو زراعي باسم «ديكينز» في ضواحي جنوب لوس أنجلوس. تنحو عوالم الرواية نحو السوريالية، حين يكتشف البطل «بون بون» أن «ديكينز» قد محي عن الخريطة لأنّه يسبب مزيداً من الإحراج لكاليفورنيا. الشاب الأسود الذي يمج الحشيش طوال الوقت، سيجد نفسه ممتلئاً بالأصوات الداعية إلى إعادة نظام الفصل العنصري في أميركا. وبعد أن يقتل والده برصاص الشرطة، يقرر «بون بون»، أن يقوم بتجاربه الخاصة هذه المرة؛ أن يتملك العبيد، ويحيي نظام الفصل العنصري في المدارس، وفي الباصات والشوارع داخل غيتو يعاني أساساً من الفصل العنصري! طعّم بيتي قالب روايته بالكليشيهات الحساسة المستقاة من الذاكرة الشعبية عن الزنوج كبيل كوسبي، وحقول القطن، ولاعب الغول تايغر وودز، ونكات حجم العضو الذكري. بهذه الفجاجة، يستحضر إرث العبودية، وبها يتسلح مجدداً للالتحاق بلعنة الأعراق التي تتحول عنده إلى سؤال مجرد عن ماهية الهويات الفردية.