تحمل التطورات التي يشهدها ريف حلب الشمالي أبعاداً جديدة، بعد استهداف مروحيات الجيش السوري، للمرة الأولى، القوات التركية المهاجمة في ريف الباب الغربي، رغم عدم وجود تماس عسكري مباشر ــ حتى الآن ــ بين الطرفين، والتحذيرات التي وجهها قائد العمليات الميدانية لقوات الحلفاء للجيش السوري، إلى أنقرة، بعدم الاقتراب من نقاط الدفاع في ريف حلب الشمالي والشرقي، متوعداً بردّ «قوي وحازم في حال تخطي الخطوط الحمراء». التصعيد بدأ بعد قصف جويّ تركي استهدف قرية حساجك الواقعة تحت سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية»، ما استدعى بياناً من الجيش السوري، حذّر من استهدافه الطائرات التركية في حال تكرار «الاختراقات»، ليتبع ببيان يحمّل أنقرة «المسؤولية الكاملة عن التداعيات الخطيرة التي قد تترتب على أمن المنطقة»، على خلفية دخول قوات ومدرعات تركية إلى الأراضي السورية.
أكّد أردوغان أن عمليات بلاده لن تتوسّع نحو حلب

تصعيد دمشق وحلفائها صوب أنقرة يحمل رسائل واضحة برفض قبول «المسلّمات» التركية في شمال حلب وشرقها، وأهمّها دخول مدينة الباب، التي لطالما لمّحت مصادر ميدانية سورية، إلى أنها ليست خارج حسابات دمشق. ولا تندرج التحذيرات السورية ضمن سياق إعلامي فقط، مع الأخذ بالحسبان أن منطقة الباب تضم مطار كويرس (جنوب المدينة)، الذي يعد أحد أهم القواعد العسكرية في الشمال، ولم يخرج عن السيطرة حتى في أقوى أيام المدّ «الداعشي». وسيضاف إلى معطيات تركيا مع كل خطوة إضافية تجاه الباب، أنها تبتعد عن الحدود التي تؤمن الإمداد اللوجستي المهم والاستهداف المدفعي، وتدخل بيئة أشد خطورة من جميع ما شهدته عملية «درع الفرات»، مع محاذير مهمة في استخدام سلاح الجو، بعد تحذيرات دمشق المتكررة.
وتبرز أيضاً، ورقة ميدانية مهمة في يد دمشق وحلفائها، وهي إمكانية التقدم شرقاً من مطار كويرس، باتجاه بلدة ديرحافر، ما قد يهدد بقطع طريق الرقة أمام الأتراك، الذين يفاوضون الأميركيين منذ أشهر حول عزل الأكراد عن أي معركة فيها. وقد تندرج ضمن هذا الإطار، سلسلة غارات نفذها أمس، سلاح الجو السوري على عدد من مواقع «داعش» في ديرحافر، بعد غياب طويل للاشتباكات عن هذه الجبهة.
في المقابل، تراهن أنقرة على ما حققته، عبر موقعها «الوسطي» بين موسكو و«الناتو»، من تقدم قواتها والفصائل التي تدعمها في الشمال السوري، فارضة نفسها لاعباً أساسياً على طاولة المفاوضات السورية. ويعوّل الأتراك على أهمية التنسيق العسكري المشترك مع الجانب الروسي، الذي يشمل تبادل المعلومات الاستخبارية وفتح قنوات التواصل مع الفصائل على الأرض، لضبط خطوط التماس مع الأكراد من جهة، والجيش السوري وحلفائه من جهة أخرى. إذ تربط جميع الأوساط التركية في تصريحاتها، ما تجريه من تنسيق حول عملية «درع الفرات» مع موسكو، بتأكيدها أن هدف العملية المقبل هو مدينة الباب، وبعدها منبج.
وفي معرض المحاولات التركية المتكررة لتكريس نفوذها في الشمال، بعيداً عن الاحتكاك المباشر مع النفوذ الروسي، أكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن «هدف عمليات بلاده العسكرية في سوريا، هو مدينتا الباب ومنبج، دون أي نية لتوسيعها نحو مدينة حلب»، مضيفاً أن «إجراء حسابات وخطط حول مدينة حلب، ليس أمراً صائباً». وتسعى تركيا إلى لعب دور مساعد في مدينة حلب، عبر تعاونها مع الجانبين الروسي والأوروبي، للتوافق على آلية تتيح إعادة الهدن الإنسانية المؤقتة وإدخال المساعدات نحو الأحياء الشرقية، استباقاً لتصعيد محتمل في حال انهيار جميع جهود التهدئة.
وبالتوازي مع ما سبق، يستضيف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في موسكو غداً، كلاً من نظيريه الإيراني محمد جواد ظريف، والسوري وليد المعلم، لبحث تطورات الأوضاع العسكرية والإنسانية في حلب. وفيما لم يؤكَّد عقد لقاء ثلاثي مشترك بين الوزراء، أشار مصدر ديبلوماسي روسي لوكالة «تاس» إلى أنه يجري بحث لعقد مثل هذا اللقاء، بينما نفى الكرملين أن يكون الرئيس فلاديمير بوتين سيعقد اجتماعاً مع أي من الوزيرين السوري والإيراني.
(الأخبار)