النظرة السطحية المستعجلة إلى مواقف وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، توحي كأنه قدم موقفاً جديداً في سياق الطروحات الإسرائيلية، لكن الواقع أنه جدّد ما يطرحه المحتلون على الشعوب: الخضوع للاحتلال والتخلي عن حقها بالتحرر، مقابل الكف عن التنكيل بها، وأين، عبر صحيفة «القدس» الصادرة في فلسطين.

طرْحُ ليبرمان يأتي امتداداً للمعادلة التي ترفع لواءها إسرائيل منذ احتلال فلسطين عام 1948؛ وللتذكير، فإن بن غوريون كان قد أعلن استعداده لـ«السلام» في البيان الأول لـ«إعلان دولة إسرائيل»، بالتزامن مع تهجير أكثرية الشعب الفلسطيني، وهو ما يعرف في الأدبيات الإسرائيلية بـ«وثيقة الاستقلال». ضمن هذا الإطار، لم يكن مفاجئاً أن يؤكد الوزير (بلا حقيبة) تساحي هنغبي، أن مواقف ليبرمان تعكس موقف الحكومة في ما يخص قطاع غزة، مشدداً على أن إسرائيل مستعدة للمساعدة في إعادة إعمار القطاع إذا أوقفت حركة «حماس» حفر الأنفاق والتسلح.
لا يختلف ما طرحه وزير الأمن الإسرائيلي عن شرط تل أبيب خلال العدوان الأخير على القطاع، بل طوال الاعتداءات السابقة، بأنها مستعدة لوقف القصف والتدمير والمجازر مقابل تكيّف فصائل المقاومة وقبولها احتلال الأرض والاستيطان، والتسليم بواقع تهجير الشعب الفلسطيني.
وينطوي طرح ليبرمان على دعوة صريحة إلى انفصال سكان غزة عن سائر الشعب الفلسطيني في الضفة والداخل والشتات، وبعبارة أكثر مباشرة: دعوة فصائل المقاومة إلى إلقاء السلاح، وهي تعني أيضاً التخلي عن مقاومة الاحتلال للضفة، وقبول الاستيطان، واحتلال القدس وكل فلسطين.

هذه التهديدات يتداخل فيها التهويل مع النيات الحقيقية

كذلك، واصل ليبرمان السياسة الدعائية الإسرائيلية المبنية على إلقاء المسؤولية عن استمرار حصار القطاع، وما يتفرع عنه من آلام ومعاناة لسكانه، على «حماس» وفصائل المقاومة، لكونها تصرّ على التمسك بخيار المقاومة وتجبر إسرائيل على «الدفاع عن احتلالها». في المقابل، هناك خيارات بديلة أمامهم، مثل «تغيير الأسلوب الذي تنتهجه بما يدفع إسرائيل إلى المساعدة في إعادة إعمار غزة» التي هدمتها بسلاح طيرانها ومدفعيتها.
هكذا، وفق منطق ليبرمان، فإن المقاومة التي تدافع عن شعبها وتسعى إلى تحرير أرضها المحتلة، هي المسؤولة عن منع «تحول غزة في يوم من الأيام إلى سنغافورة أو هونغ كونغ جديدة».
على خط مواز، كان لا بد أن يقترن عرض «الجزرة المسمومة» بـ«عصا غليظة» تمثلت في التهديد بأنه في حال اندلاع جولة قتال جديدة، فـ«ستكون تلك الحرب الأخيرة، وستقضي إسرائيل نهائياً على حكم حماس»، مؤكداً في الوقت نفسه أن إسرائيل «لا تنوي إعادة احتلال قطاع غزة أبداً».
يأتي تهديد ليبرمان امتداداً للسياسة التي يجاهر بها مُذ كان في المعارضة، وقبل ذلك. فهو بنى خطاباً سياسياً متمايزاً عن نتنياهو عبر الدعوة المتكررة إلى الحسم العسكري بإسقاط حكم «حماس». ويهدف هذا الإعلان إلى إتمام دائرة المعادلة التي يطرحها، باعتبار أن أي عرض يهدف إلى استدراج الطرف المقابل للقبول بطرح محدد، لا بد أن يستكمل بتهديد موازٍ كخيار بديل، والعكس صحيح.
ويهدف هذا السقف من التهديد (إسقاط حكم «حماس») إلى تعزيز قوة الردع الإسرائيلية في هذه المرحلة، من أجل دفع «حماس» إلى المزيد من الفعالية في منع إطلاق الصواريخ التي تنفذه خلايا محددة، أو لتجنيبها الرد على الاعتداءات الإسرائيلية غير التناسبية مع هذه الصواريخ. كذلك، يأتي تهديد ليبرمان ــ من منظور الحسابات الإسرائيلية ــ كنوع من الاستدراك لما حدث خلال عدوان «الجرف الصامد» قبل أكثر من سنتين. فمن العبر التي تم استخلاصها، أن الحديث عن عدم عزم إسرائيل على إسقاط حكم «حماس» ــ وهو أمر له سياقه وتقديراته ــ كان له أثر سلبي في قدرة الردع الإسرائيلية، لأنه منح الأخيرة نوعاً من الشعور بالحصانة الذي وفَّر لها هامشاً أوسع في الرد، ومحاولة ردع إسرائيل عبر استهداف عمقها.
ولو أن «حماس»، وفق التقدير الإسرائيلي، كانت تتخوّف من توجّه جدّي من العدو إلى إسقاط حكمها أو احتلال القطاع رداً على ضرباتها الصاروخية، لامتنعت عن مواصلة المعركة واستهداف العمق الإسرائيلي وقبلت الشروط الإسرائيلية منذ الاسبوع الأول.
على هذه الخلفية، يريد ليبرمان أن يبدّد هذا التصور، على قاعدة أن ما كان لن يتكرر مرة أخرى. لكن ما تجاهله هو أن امتناع إسرائيل عن السعي إلى إسقاط حكم «حماس» لم يأتِ سوى نتيجة تقديرات قامت على أساس دراسة الكلفة والجدوى والخيارات البديلة.
السؤال الآخر: كيف يريد وزير الأمن تحقيق هذا الهدف (إسقاط حكم حماس): عبر تدمير مؤسساتها وقتل قادتها، أو إعادة احتلال القطاع؟ بالنسبة إلى الخيار الأول: هل بقيت مؤسسة تابعة للسلطة في القطاع لم تُستهدف؟ وهل استطاعت إسرائيل قتل كل قادة المقاومة في القطاع وامتنعت عن ذلك، وهي التي كانت تبحث عنهم بكل الأساليب وعلى مدار الساعة؟
أما عن الخيار الثاني، فهل تجربة «الجرف الصامد» تشجع إسرائيل على تكرار التوغل في عمق أراضي القطاع، أم أنها عمّقت مردوعيتها عن هذا الخيار، وهي التي تلقّت خسائر بشرية قاسية، رغم أنها لم تتوغل سوى مسافة محدودة بهدف تدمير الأنفاق؟ أيضاً، ماذا عن اليوم التالي لاحتلال القطاع، وهل إعادة احتلاله من الأولويات الإسرائيلية في هذه المرحلة؟
في كل الأحوال، ما ينبغي قوله، في هذه القضية تتداخل الرسائل والتهويل مع حقيقة النيات الإسرائيلية وأولوياتها. كذلك فإن قراراً كهذا لا يستطيع ليبرمان أن يتفرّد به، حتى من موقعه في وزارة للأمن. بل يعود ذلك إلى المجلس الوزاري المصغر، إضافة إلى تقدير الجيش والاستخبارات وتوصياتهما.
أما بخصوص دافع ليبرمان إلى التلويح بمعادلة «الجزرة المسمومة» مقابل «العصا الغليظة» في هذه المرحلة، فهو أنه أراد أن يستغل ــ للأسف ــ صحيفة عربية كمنصة لتوجيه رسالة ردع. ويبدو أيضاً، استناداً إلى تقدير إسرائيلي ــ مفاده أن الفلسطينيين في هذه المرحلة باتوا يشعرون أنهم محاصرون مادياً وسياسياً وأمنياً ــ أنه ممنوع على الفلسطينيين إعمار ما هدمته إسرائيل، إلا مقابل الخضوع والتنازل عن فلسطين.
وفعلياً، هم يتعرضون لضغوط سياسية غير مسبوقة، عبر الانفتاح العربي على إسرائيل، بهدف دفعهم إلى التنازل، وهو أمر يتكرر مع كل دعوة إلى تطبيع العلاقات مع العدو، إضافة إلى إحكام الطوق الشرقي والجنوبي الذي يحول دون إيصال ما يحتاجون إليه من إمكانات وقدرات عسكرية. في هذه الأجواء بالذات، كان من الطبيعي أن يتنطح شخص مثل ليبرمان ليقدم هذا العرض الوقح على شعب لم يعد لديه ما يخسره، بعدما خسر وطنه، ويُراد له تكريس هذه الخسارة عبر شرعنة الاحتلال.




غزة نموذجاً عن التردد الإسرائيلي

لمن أراد أن يتلمس بالدليل العملي حجم التحول الذي استجدّ على معادلة الصراع مع إسرائيل، فإن قطاع غزة يشكل نموذجاً حياً على هذا التغير؛ إسرائيل، التي احتلت سيناء والجولان وقطاع غزة والضفة، خلال ستة أيام، تحتاج إلى كل هذا الإعداد والتهويل والتقديرات إزاء الخيارات البديلة، والتردد المتجذر في وعي صنّاع القرار، لمواجهة قطاع محاصر، تبلغ مساحته نحو 365 كلم مربع، بل تنشب الخلافات داخل المؤسسة الإسرائيلية حول الخيار الواجب اعتماده في مقابل قطاع بهذه الظروف؛ فكيف في مواجهة حزب الله في لبنان، الذي يتمتع بظروف موضوعية تختلف جذرياً مع ما هو موجود في غزة، كما يستند إلى محور إقليمي وعمق استراتيجي يمتد إلى دمشق وصولاً إلى طهران.