السوق التركية، يشرح أحد المحلّلين لوكالة "بلومبرغ"، معروفةٌ تاريخياً بخضوعها لدورات متوالية من الطفرة والركود. حين يحلّ الكساد، ينخفض سعر العملة بشكلٍ كبير، فيتقلّص الاستهلاك وتستفيد الشركات التركية (خاصة الصناعات التصديرية) من الميزة التنافسية للعملة، فتنتعش أعمالها ويبدأ الاستثمار والنموّ من جديد. يمكن للعديد من المؤسسات التركيّة، حقيقةً، أن تستفيد من انخفاض الليرة، ولكن مع شرطٍ مهمّ: أن لا تكون على دفاتر الشركة ديونٌ كبيرة بالعملة الأجنبية، فيما ايراداتها بالليرة التركية. في هذه الحالة، يصبح حجم الدين وكلفة خدمته أكبر بكثير ممّا كان عليه في الأصل، وقد تنوء الشركة تحت عبء الدين وتُفلس.

هذا، تحديداً، هو الخطر الذي يحدق بقطاع الأعمال في تركيا اليوم، حيث أثقلت الشركات الوطنية نفسها بمئات مليارات الدولارات من "الدين الرخيص" خلال السنوات الماضية، ثمّ تباطأ الاقتصاد وخسرت العملة أكثر من ثلث قيمتها. المفارقة هي أنّ أوّل من انكسر أمام هذا الواقع الجديد في تركيا كان سعد الحريري، حيث عجزت شركته ــــ "أوجيه" التركية ــــ عن خدمة قرضٍ ضخمٍ يقارب الخمسة مليارات دولار كانت قد استلفته عام 2013، في قمّة ازدهار السوق التركية، واضعةً أسهمها في "تورك تيليكوم" ضمانة للدين. ولكن ارباح شركة الاتصالات التركية، التي تتلقى عوائدها بالليرة، لم تعد كافية لدفع الأقساط، وشركة "اوجيه" الأم مفلسة، فعجزت "أوجيه" التركية عن تسديد دفعةٍ قدرها 290 مليون دولار في ايلول الماضي، ووجّه لها الدائنون انذاراً بالسداد ينتهي مع نهاية الشهر الجاري.
اليوم، تقول "بلومبرغ"، تفاوض عائلة الحريري على بيع حصّةٍ من "أوجيه تيليكوم" (مقرّها دبيّ)، المالكة لـ "أوجيه" التركية، التي تحوز بدورها على 55% من أسهم "تورك تيليكوم". هذه الأسهم، الى جانب حصة عائلة الحريري في البنك العربي، هي أهمّ الأصول المتبقية لسعد الحريري وشركائه. بسبب مفاوضات البيع، تطالب "اوجيه" مدينيها بتأجيل سداد القرض الى آخر شهر تشرين الثاني، حتّى تكون الصفقة قد تمّت والأرصدة تأمّنت. اثر هذه الأخبار، قفزت أسهم "تورك تيليكوم" في البورصة (وهي، بالمناسبة، شركة ناجحة، وإن هبطت أرباحها في السنوات الأخيرة) لأن المستثمرين تفاءلوا باحتمال أن يبتعد الحريري، المثقل بالديون، عن الشركة ومجلس ادارتها (يرأسه حالياً محمد الحريري).

قفزت أسهم الشركة في البورصة مع التفاؤل بابتعاد الحريري عنها

الأزمة في تركيا

كلّ انخفاض للعملة التركية يزيد من عبء الديون التي راكمها القطاع الخاص التركي، و"فاينانشال تايمز" تقول إنّ الليرة، البارحة، قد لامست قعراً قياسياً جديداً، فخسرت واحداً في المئة من قيمتها في يومٍ واحد، وتتوقّع السوق أنّ مسار الانحدار سيستمرّ. عام 2013، حين وقّعت "اوجيه" التركيّة على القرض الشهير، وقيمته 4.75 مليارات دولار، مثّلت الصّفقة القرض الأكبر في تاريخ القطاع الخاص التركي. اشترك في توفير الأرصدة 29 مصرفاً مختلفاً، بينها مصارف عالمية كـ"سيتي بانك" و"جاي بي مورغان" (تعدّد الدائنين هو من الأسباب التي ستصعّب على الحريري التفاوض معهم ونيل المهل، كالحال في السعودية مثلاً). يوم نالت "أوجيه" القرض، كانت السوق التركية مزدهرةً الى درجة أنّها تلقّت عروضاً تفوق قيمة القرض المطلوب بكثير، بحسب "بلومبرغ". كانت "تورك تيليكوم" (الضمانة) تنمو وتحقق أرباحاً كبيرة، وتوزّع سنوياً مئات ملايين الدولارات على حملة أسهمها، فلم يفترض أحدٌ يومها أنّ خدمة الدين ستكون عسيرة. ولكن عائدات الشركة الصافية لم تتجاوز الـ80 مليون دولار في الربع الثاني من 2016، والأرباح توزّع على المساهمين بالليرة التركية، التي خسرت أكثر من أربعين في المئة من قيمتها مقارنة بعام 2013. حتّى الآن، لم تدفع "أوجيه" أكثر من نصف مليار دولار من اجمالي قيمة القرض، ولا يبشّر وضع الاقتصاد التّركي بأنّ "تورك تيليكوم" ستكون كفيلة بسداده في المدى المنظور، فلم يعد من حلٍّ خلا البيع وتسييل الأصول.
على مدى سنوات، حذّر العديد من الخبراء من سياسة "النموّ بالدّين" في تركيا، أي استخدام الدّين الخارجي لتمويل الاستهلاك، الذي يؤدي الى زيادة الاستيراد، وسبّب انكسار الميزان التجاري التركي. هذا، بدوره، يعني إضعافاً للعملة، ما يجعل القروض الأجنبية أكبر كلفةً على الاقتصاد والشركات التي غرفت من بئر الدّين في سنوات الوفرة. الأتراك، بالمناسبة، هم من الشعوب التي تندفع جماعياً لشراء عملتها في فترات الأزمات والمحن، وتؤثّر جدياً على السوق بهذه الطريقة؛ ولكن هذه الامكانية قد استنفدت، والشعب سيكون أوّل من يدفع ثمن السياسات الحالية ــــ ارتفاعاً في الأسعار، وتدهوراً في قدرته الشرائية، وحسماً كبيراً في قيمة مدّخراته.

عن لبنان

عام 2013، سحبت "أوجيه" القرض الضخم حتّى تدفع جزءاً من ثمن استحواذها على "تورك تيليكوم" (كلّفتها الصفقة 6.5 مليارات دولار). كامل حصّة الحريري في "تورك تيليكوم" اليوم لن تكفي لسداد قيمة القرض، وهذا يُظهر أبعاداً جديدة لأزمة الحريري و"أوجيه" المالية، ولصرف الآلاف من اللبنانيين من شركات الحريري المختلفة، من بينهم مئات الإعلاميين. فيما ينتظر هؤلاء رواتبهم المتأخرة وتعويضات صرفهم، قد يجهل الكثير منهم أنّ أيمن الحريري (الأخ الأصغر لسعد، وأحد العباقرة الاقتصاديين الذين تعاقبوا على ادارة "اوجيه" وايصالها الى دركها الحالي) قد دفع في آب 2014، أي قبل سنتين لا أكثر، 3.2 مليون دولار ثمناً للعدد الأول من مجلّة "سوبرمان"! المسألة ليست أنّه قد أنفق مبلغاً يوازي حقوق مئات العمّال على مجلّة كارتون، بل أنّه كان يملك هذا العدد النّادر أصلاً، فاشترى نسخةً ثانية بثلاثة ملايين دولار ليضيفها الى مجموعته. بعد ذلك بقليل دفع الحريري، بحسب صحيفة بريطانية، مبلغاً غير معلومٍ حتّى يظهر في فيلم "سوبرمان ضدّ باتمان" الذي خرج منذ أشهر. بمعنى آخر، لو أنّك شاهدت هذا الفيلم التافه فستجد ايمن الحريري كومبارساً في خلفية أحد المشاهد. من المدهش أنّ الصّحافة اللبنانية ــــ التي بالكاد تتكلّم على طرد الموظفين في مؤسسات الحريري والمآسي التي يمرّون بها ــــ لا ترى بأن مثل هذه الأخبار جديرةً بأن يعرفها الشّعب اللبناني.
من يراقب حماسة اللبنانيين لأحداث السياسة في بلدهم اليوم قد ينخدع ويصدّق بأنّ لهذه التطوّرات معنىً وأهمية. ولكنّ "العودة السياسية" لسعد الحريري، فيما شركاته مفلسة وعليه ديونٌ لنسبةٍ لا يستهان بها من أفراد الشعب اللبناني، قد تكون العامل الأكثر سوريالية في المشهد: ما معنى "الزعامة" هنا، وما نوع الإرث الذي يجعل الحريري قائداً وصاحب شرعية؟ إن كان المال هو مصدر سلطته فالمال قد ذهب، وإن كان هناك من يعتقد بأن النّاس تؤيّد الحريري عن قناعةٍ وعقيدة واتفاقٍ ايديولوجي، فإنّ صدمةً عنيفة في انتظاره.