أكثر من خمس سنين من الحرب، كانت كافية لأن يفكَّ الكتَّابُ أسْرَ الرقابة في سوريا. تلك المقصّات الشرسة التي عُرفت بأنها من أقسى الرقابات العربية، تقف اليوم مترددةً في مواجهة جيلٍ كاملٍ من الشعراء والروائيين الذين حسموا أمرهم بعدم الحصول على خاتم الرقيب وعدم الذهاب بكتبهم المعدّة للطباعة إلى دائرة الرقابة في وزارة الإعلام التي تحيل المؤلفات الأدبية على لجان مختصة في اتحاد الكتاب العرب. أما الكتب السياسية وغيرها، فيتم البتّ بها في الوزارة نفسها... من يتابع الكتب السورية الصادرة خلال السنوات الماضية، يلاحظ مباشرة غياب أي إشارة إلى رقم الموافقة التي ينالها الكتاب من وزارة الإعلام أو اتحاد الكتاب العرب، وهي توضع غالباً في الصفحة الأولى من الكتاب. ونحن هنا نتحدث عن الشريحة الأكبر من الكتب، بخاصة تلك التي يمكن تسميتها بإصدارات الكتّاب الشباب الذين يُظهرون تمرداً كبيراً، ويأساً من مراجعة الدوائر الرسمية التي تختص بالثقافة والنشر لأن المقياس في إعطاء صك الغفران للكتاب لا يرتبط بالسوية الإبداعية كما يؤكد معظم من التقيناهم. عدا ذلك، فإنّ الثالوث المحرم في المؤلفات العربية، هو نفسه المتحكم بمطبوعات الكتب السورية، لكن حدود الالتزام بهذا المثلث تختلف بين الرقباء أنفسهم. فلا عجب أن ينال الكتاب المرفوض منذ أشهر موافقة حديثة بعد تبدل أعضاء اللجنة، بل إنّ أحد الكتّاب قام بتغيير عنوان كتابه المرفوض من قبل لجنة الرقابة في اتحاد الكتاب العرب، فنال الموافقة على النشر رغم أنه لم يمس محتوى الكتاب ولم يعدل شيئاً على المضمون! هناك الكثير من الأمثلة التي تؤكد غياب المعايير الإبداعية في مهر الكتب بخاتم الرقيب إيذاناً بالموافقة، أو الحكم عليه بالإعداد بعيداً عن رائحة الأحبار وبكرات مطابع الـ«أوفست». هذا الأمر كان له الدور الأهم في دفع الشريحة الأكبر من المؤلفين إلى العزوف عن مراجعة لجان الرقابة التي تأخذ فترات طويلة في قراءة الكتب، ويمكن أن تشطب وتعدّل في النصوص بلا أسباب مقنعة تبعاً لمزاج الرقيب ورؤيته الخاصة للموضوع!

يؤكد الشاعر أمير مصطفى أنّ الرقابة لم يعد لديها أي مبرر للوجود، فما كانت تمارسه من وصاية لم يعد مقبولاً وهو يشبه النكتة بسبب عدم فعاليته. ويضيف أمير الذي سبق أن أصدر كتاباً بعنوان «الطابق الأخير ليس شاغراً»: «لم ألجأ للرقابة في ما أصدرتُه من شعر بناءً على سمعتها غير الجيدة عند الكتّاب. ولماذا ألجأ أساساً إلى رقابة معظم أعضائها من الماضويين أصحاب الأفكار والقوالب الجاهزة التي يريدون فرضها على المؤلفين؟». يتحدث مصطفى عن ضياع مخطوطه الشعري «المدينة تتحرش بلحدها» في أدراج «الهيئة العامة السورية للكتاب» عندما فكر في تجريب النشر في مؤسسة رسمية.. يقول: «انتقل مقر الهيئة من الصالحية إلى الروضة، وضاع الكثير من الكتب المقدمة إليها، ولم يكلفوا أنفسهم الاتصال بالمؤلفين والاعتذار منهم، حتى عندما يرفضون نشر كتاب في الوزارة، لا يعتذرون من الكاتب بل يعاملونه كمتسوّل، فكيف يمكن للكاتب أن يحمل بعضاً من الود للرقابات؟».
يستغرب جيل الشعراء الشباب وجود الرقابة أساساً، فهم في الغالب يهرعون إلى المطبعة أو دار النشر حاملين مسودات أشعارهم المليئة بالتجريب والبحث عن خيارات أسلوبية وفكرية جديدة في الكتابة الشعرية التي يؤكد النقاد أنها في انتظار انفراجات وتجديدات تنقذها من التكرار. ترى الشاعرة مناهل السهوي، أنّ مجرد وجود الرقابة يدعو إلى الحزن في هذا العصر، لأن من يضع المعايير في النهاية هم أشخاص يراقبون أشخاصاً آخرين بعقلية الوظيفة وبتبريرات لا تمت إلى العملية الإبداعية بصلة. ترفض السهوي التي سبق أن صدر لها ديوان مشترك مع الشاعر أحمد كرحوت بعنوان «قاع النهر ليس رطباً» وكان خارج موافقات الرقابة طبعاً، أن تعود إلى الرقابة لتأخذ الإذن في نشر أي نص شعري لأن ذلك يشبه الاستئذان من أشخاص آخرين من أجل كتابة القصيدة، وهذا أمر مستحيل على الشاعر. تقول: «معايير الرقابة لا تتعلق بجماليات النص، وهي مقاييس غير ثابتة بين جميع البشر، بل تعود إلى حكومات سياسية ودينية واجتماعية وهذا يكفي لزعزعة الثقة بها من الوجهة الإبداعية».
من ناحية قانونية، يستغرب الشاعر عمر الشيخ، أن تتم مطالبته بالحصول على موافقة مؤسسات ليس عضواً فيها، ويتساءل عن ضرورة الحصول على موافقة أي كان من أجل نشر كتاب شعري من قبل أشخاص يفضلون التراث على أي تجديد. يقول: «لا أحبذ التعاون الإبداعي مع أي مؤسسة رسمية! هل سيطبع لي الاتحاد على حسابه ويقيم احتفال توقيع ويوزع ديواني لكل معارض الكتب الدولية؟ لا أظن. كل ما وصلني من الذائقة الخشبية هناك، لا يتماشى مع أسلوبي وأفكاري حول الشعر، ثمة من يقيد النص الشعري هناك، ربما يؤدلجه أو يطالبه أن يرتدي لباساً موحداً، كأنهم يمنحون الموافقات لفتح أكشاك لبيع العلكة والشيبس والكولا!». عندما أصدر عمر كتابيه «سم بارد»، و«مباشر من جزيرة المونتاج»، لم يشأ العودة إلى أي دائرة رقابية أجل الحصول على صك الغفران!
يقرّ رئيس دائرة الرقابة في وزارة الإعلام السورية نبيل عمران، بضرورة تطوير قواعد الرقابة لكنه من ناحية أخرى يرفض إلغاء دورها نهائياً رغم إقراره باحتمال وجود عوامل شخصية قد تعتري عمل الرقباء على النصوص الأدبية بسبب ما سماه عداوة الكار مع المؤلفين. يقول: «لا بد من النظر إلى الرقابة بعقلية منفتحة ومختلفة عن السابق، وهذا ما يجري اليوم في هذه الدائرة، لكن في ما يخص لجان القراءة في اتحاد الكتاب فقد تكون هناك ملاحظات تؤكد غياب المنهج الإبداعي في النقد ووجود الكثير من القيود في الحكم على النص، لكن يمكن لذلك أن يُحل عبر الحوار مع المؤلف إذا كانت هناك ملاحظات متعلقة بالنص». يشير عمران إلى ظاهرة انتشار الكتاب الديني المتطرف التحريضي الذي ينتشر في الأسواق بلا موافقات ولا رقابات. يقول: «لا يمكن التفكير بإلغاء الرقابة في مرحلة يتم فيها تسويق الخطاب الديني التحريضي بشتى السبل وبشكل غير شرعي. الرقابة هنا لها دور كبير لكن في المقابل لا بد من توسيع أبواب الإبداع وعدم إلغاء الكتب الأدبية، فالرقابة ليست عبئاً على النص وربما من يتحمل العبء الأكبر في هذا هو اتحاد الكتاب العرب». تجربة الناشرين والمؤلفين مع دائرة الرقابة في هذه المرحلة، تشير إلى تبدل كبير في النهج الذي أرساه عمران في هذه الدائرة، حيث من النادر أن يرفض كتاب إلا إذا كان فجاً جداً في طرح مختلف القضايا، لكن هذا التساهل الكبير يحتاج إلى تراكم كبير لتحسين السمعة المعروفة عن الرقابة عند الكتّاب!
غياب خاتم الرقيب عن كثير من المطبوعات في المكتبات السورية اليوم، يحرمها من الدخول إلى المكتبة الوطنية كمنشورات يفترض الاحتفاظ بها كما درجت العادة. المكتبة لا يمكن أن تسمح بالإيداع من دون موافقة الرقابة على المنشور، ما يعني بقاء أعداد كبيرة جداً من الكتب المطبوعة حديثاً خارج قوائم «مكتبة الأسد الوطنية»... مشكلة جديدة تضاف إلى مشاكل الخروج من تحت خيمة الرقابة. يقول عمران: «هذه المشكلة حقيقية بالفعل، فالمكتبة الوطنية لا يمكنها أن تستقبل الكتب بلا موافقات على الطباعة، وهذا يدفع للتفكير بما قلناه سابقاً عن ضرورة النظر إلى الرقابة بعقلية منفتحة».

تُحرم هذه الأعمال من الدخول إلى المكتبة الوطنية

حملنا القضية إلى رئيس اتحاد الناشرين السوريين هيثم الحافظ. وكان اللافت تعاطفه مع الرقابة أكثر من الرقباء أنفسهم! الحافظ أكد أنه لم ير ما سميناه ظاهرة الخروج من تحت إمرة الرقابة أو شق عصا الطاعة عليها. أخبرناه بالأمثلة الكثيرة، وبأسماء عدد كبير من الكتب وغياب رقم الموافقة من الصفحة الأولى للكتاب كما يقتضي القانون. يقول: «لم أشاهد هذه الظاهرة أبداً، وليس من الشرط أن يضع المؤلف رقم الموافقة وتاريخها على الصفحة الأولى من الكتاب. أنا مع الرقابة، بل إن الدول التي ألغتها تعيد فرضها من جديد، فقط هناك مشكلة تتعلق بالزمن الطويل الذي يستغرقه المراقبون أثناء قراءة الكتب وهذا يتطلب حلاً. أما بالنسبة إلى عمل المراقبين، فهم يوافقون على أكثر من 95 في المئة من الكتب»!
التمايزات الشخصية في الأداء بين الرقباء كانت ــ بالنسبة إلى الحافظ ــ المسؤولة عن الثغرات في عمل الرقابة، وكانت المشكلة كما يراها الحافظ تكمن في مزاجية الأشخاص المراقبين لا في وجود الرقابة. يقول: «هناك تصرفات شخصية لبعض الرقباء الذين يعتقدون أنهم يمتلكون ناصية الأدب. لكن الرقابة لا بد من أن تستمر لأنها تشكل حماية لدور النشر من الملاحقة القضائية لأن إلغاء الرقابة يعني تحميل الأمر إلى القضاء في حال تضرّر أي طرف من صدور كتاب ما».
يسوق الحافظ التجربة المصرية مثالاً على إلغاء الرقابة وتحميل الملف بالكامل للقضاء، حيث تسبب الأمر بالكثير من الإشكالات ما دفع الهيئات المختلفة في القاهرة إلى التفكير فعلياً بإعادة الرقابة إلى سابق عملها.
«الخيال ليس قابلاً للتلصص، هو كالهواء لا نستطيع تحجيمه بأي وسيلة أو حجة» تقول مناهل السهوي. ويعيد عمر الشيخ: «الشعر ضد التعقيم، ومنشورات اتحاد الكتاب العرب في الآونة الأخيرة لا تروق لي، إنها مستهلكة وما زالت تعيد أصوات أدبية هضمها التاريخ. هذا ما يفعله الرقباء هناك». القصة تبدو محسومة بالنسبة إلى الكتاب الذين شقوا عصا الطاعة بشكل نهائي على الرقابة وهم منهمكون اليوم بمراجعة كتبهم خارج الأسر. في هذا المشهد، يؤكد الشاعر صقر عليشي، صاحب «دار الينابيع» في دمشق، أنّ الرقابة ليست واحدة وهي تتبدل تبعاً للأشخاص والزمن، لكن المشكلة دائماً في مراقبة اتحاد الكتاب العرب للكتب الأدبية. يقول: «هناك متباينان في المستويات المعرفية في اتحاد الكتاب. لذلك يمكن أن تكون الأحكام غير صحيحة، فهم يطبعون الكلاسيكي ويرفضون الحديث بالنسبة إلى الشعر. يركزون على موضوع التطرف الديني والموقف السياسي ولا يركزون على الأسباب الإبداعية».
على خلاف رئيس اتحاد الناشرين السوريين، يرى عليشي وهو عضو في لجنة القراءة في «الهيئة العامة السورية للكتاب»، أنّ إلغاء الرقابة أصبح أمراً حتمياً في هذا العصر المتقدم تكنولوجياً مع ضرورة صياغة قانون يضمن الحقوق التي يمكن أن تتضرر بسبب نشر أي كتاب. يقول: «ليس هناك مبرر للرقابة، ولا بد من إلغائها، لكن مع الإبقاء على قانون يمكن أن يحاسب الذين يمسون الأخلاق والدين أو يحرضون طائفياً». في هذا الإطار، يشير عليشي إلى الكثير من المطبوعات الرديئة التي طبعت في ظل وجود الرقباء وذهبت إلى المطبعة بأختامهم وموافقاتهم، وكان من الغريب دائماً أن تقوم «الهيئة العامة السورية للكتاب» بطباعة كتب تتضمن افتتاحيات رؤساء تحرير الصحف الرسمية مع أنها منشورة في الصحف ومقبوض ثمنها من قبلهم حسب الأصول! كذلك الأمر بالنسبة إلى صدور كتب عرفت أنها تحمل صفات طائفية تحريضية ومنها «رحلة ابن جبير» الذي صدر عن الهيئة رغم وجود لجان للقراءة والمراقبة وغير ذلك!
الرقابة السورية اليوم في موقف لا تحسد عليه، فأداؤها خلال نصف قرن كامل لم يحقق الهدف الذي قامت عليه في الأساس، وما نشاهده اليوم من انتشار التطرف والتفكير الديني وازدياد التخلف وحضور الكتب المحرضة على الكراهية فوق الأرصفة، هو من كوارث الرقابة خلال نصف قرن كامل، في حين حوصر الشعر ومنعت الرواية لاعتبارات ليس إبداعية بالتأكيد. القضية تبدو بحاجة إلى إعادة نظر من قبل الهيئات المختصة، بخاصة بعد أكثر من خمس سنوات من الحرب التي بحجم ما أثارت من أسئلة مؤجلة، فإنها رفعت منسوب الجرأة لدى المؤلفين الذين يعملون كأنّ الرقابة ليست موجودة ولا هم يحزنون!