يحتاج الوضع الداخلي الى وقت إضافي لتثبيت المرحلة السياسية التي ينتقل فيها لبنان من شغور رئاسي وتعطيل حكومي طويل، الى انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس جديد للحكومة. وتحتاج الطبقة السياسية الى هذا الوقت لاستيعاب التطور الجديد، مع كل حيثياته وتناقضاته، من أجل التعامل مع الاشهر المقبلة بواقعية، ولا سيما أن المرحلة الانتقالية في لبنان تترافق مع مزيد من التطورات الداهمة في العراق وسوريا وتركيا، وهي أحداث تناساها اللبنانيون في غمرة الاحتفالات بالعهد الجديد والرئيس المكلف، من دون أن ننسى أن إدارة أميركية جديدة مقبلة على تسلم مقاليد السلطة في واشنطن، مع كل ما يحمل ذلك من تبعات على مناطق الصراع في الشرق الاوسط.
أيّ تعيين لوزير الدفاع من دون تبصّر قد لا يصبّ في خدمة الوزير الجديد والمؤسسة

والمرحلة الانتقالية، بين الشغور وإعادة تكوين السلطة، تتطلب جهداً مضاعفاً، بعد الانهيار الذي عرفته المؤسسات، والتفكك الذي لحق بتركيبة الحكم. من هنا تبدأ سلسلة التحديات التي تواجه العهد والحكومة، وأولها سيكون من صلب إعادة تكوين السلطة، أي قانون الانتخاب والإعداد للانتخابات النيابية. وإذا افترضنا الانتهاء من تشكيل الحكومة في وقت سريع، فإن ورشة الانتخابات لن تبدأ فعلياً قبل نهاية العام، وهذا يعني أن أشهراً قليلة فحسب لن تكون كافية لإعداد قانون انتخاب جديد، رغم أن كل المعنيين يجددون تمسكهم بقانون جديد. لكن يتأكد يوماً بعد آخر، لدى سياسيين يتابعون ملف قانون الانتخاب، أن الاتجاه الى اعتماد قانون جديد بات أمراً مفروغاً منه، لا سيما بعد إعادة تأكيد قوى سياسية، وعلى رأسها الرئيس نبيه بري، تمسّكها بالنسبية. لكن القانون الجديد لن يعمل به في دورة عام 2017، لأن المجلس الجديد لن يكون هو الذي ينتخب رئيس الجمهورية، وتالياً لن يحدث تغييرات بالمعنى الجذري، ما يسمح باعتماد قانون الستين لمرة واحدة وأخيرة في الانتخابات المقبلة. وهذا الربط يمكن أن يرضي جميع القوى السياسية ويجعلها تخوض الانتخابات بسهولة من دون كباش سياسي، لأن أي محاولة لتمديد عمل المجلس النيابي ستمسّ بصورة العهد، خصوصاً بعد المعارك التي قام بها عون ضد كافة أشكال التمديد.
وأمام العهد أيضاً ملف حساس، هو التعيينات الأمنية، المؤجل من مفكرة حكومة الرئيس تمام سلام. ورغم أن العماد عون طالب، قبل أن يصبح رئيساً، بتغيير قادة الأجهزة الأمنية الذين مُدّد لهم، ثمة نقاشات حالياً تتراوح بين تعيين سريع لقائد الجيش فور تشكيل الحكومة، لمواكبة العهد منذ بداياته، والاسماء المطروحة المتداولة البارز فيها أسماء جدية مشهود لها عسكرياً، وبأن ولاءها للمؤسسة العسكرية فحسب، وبين إبقاء الوضع على حاله حتى حزيران المقبل، للقيام بورشة تعيينات أمنية شاملة، إذ في حزيران تنتهي الولاية الممددة للمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء بصبوص، وولاية المدير العام لأمن الدولة اللواء جورج قرعة. وهو أمر يمكن أن يكون مناسبة لتغيير الطاقم الأمني كله دفعة واحدة (علماً بأن ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تنتهي في الشهر نفسه، وهو تحدّ اقتصادي آخر أمام العهد).
لكنّ النقاش لم يحسم بعد، ولا سيما أن هناك من يدفع في اتجاه التعجيل في تعيين قائد للجيش تزامناً مع تعيين وزير الدفاع الجديد. وهنا تظهر إشارة لافتة، في ظل الاحتمال المطروح لتعيين العميد المتقاعد شامل روكز وزيراً للدفاع، لأن من شأن هذا الاحتمال أن يثير إشكالية. فروكز ضابط مشهود له عمله قائداً لفوج المغاوير لسنوات، وبخوضه معارك عدة. لكن تعيينه أو غيره من الضباط على رأس وزارة الدفاع، يفتح الباب على حساسيات و"صدامات" بين ضابط وزير، وضابط قائد للجيش، وخصوصاً إذا ما أراد الوزير التدخل في المؤسسة العسكرية الخارج منها حديثاً، ويعرف كل تشعباتها ومفاصلها، وله دالّته في القصر الجمهوري، الذي يرأسه جنرال، وعينه على الجيش دوماً. وهو أمر لا بد أن يترك أثره على قيادة الجيش والمؤسسة العسكرية والولاء فيها، لأن للجيش قائداً واحداً فحسب. وأيّ تعيين لوزير الدفاع من دون تبصّر، قد لا يصبّ في خدمة الوزير الجديد والمؤسسة كلها.
أما الملف الأخطر والمرتبط بالتطورات الإقليمية، فيبقى ملف النازحين السوريين. وهذه القضية ليست موسمية، تفتحها الحكومة حين تدعو الحاجة، كما حصل إبان رحلة رئيس الحكومة تمام سلام والوفد المرافق الى اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وتقفلها بعد العودة الى بيروت. وإذا كان فقدان التنسيق بين الجهود السياسية والأمنية وعدم وضع خطة شاملة لملف النازحين، جعلا الفوضى تدبّ فيه، وأديا الى انتشار النازحين أفقياً في كل لبنان، وسط المشاحنات الحادة بين التيار الوطني الحر ورئيسه الوزير جبران باسيل، وتيار المستقبل، فإن الطرفين اليوم في خندق واحد، ولا يمكنهما تجاهل هذا الخطر من أجل ضمان وحدة الحكومة. وبقدر أهمية الكلام في البيان الوزاري عن معادلات الأمن والسلم، فإن ثمة خطراً بنيوياً وأمنيا واجتماعياً، هو ملف النازحين الذين أصبح عددهم نصف سكان لبنان.