عندما سُئل القاضي في المحكمة الجعفرية، جعفر كوثراني، عن الحُكم الذي قضى بإعطاء حضانة طفل فاطمة حمزة لزوجها، أجاب: "قدرها أنها جعفرية، وليس كل الأحكام حلوة، فهناك أيضاً الأحكام المرّة". أول من أمس، وقفت الكثير من الأمهات "الجعفريات" أمام المجلس الشيعي الأعلى رفضاً للقدَر المُجحف الذي يفرضه قُضاة الشرع. بعضهن، وجدن أنفسهن مُجبرات على الصُّراخ والقول إنهن مؤمنات ومُلتزمات بدينٍ "يُقرّ لنا بأن الجنة تحت قدمينا"، على حدّ تعبير إحداهن. أردن الردّ على كل من يُكفّرهن ويتهمهنّ بالتظاهر "ضد الله"، فاستجمعن الكثير من العبارات والنصوص الدينية التي تعترف لهن بواقع مُغاير عن ذاك الذي تُرسيه المحاكم الشرعية، "المليئة فساداً ومحسوبية"، وفق ما ردّدت بعضهنّ باكيات.

الاعتصام التضامني الذي شاركن فيه تلبية لدعوة "الحملة الوطنية لرفع سنّ الحضانة عند الطائفة الشيعية"، فضح الكثير من المآسي والحالات المؤلمة. اتجهت إحدى الأمهات اليافعات مندفعة نحو المجلس، كانت تصرخ باكيةً، تشكو من تعرضها للسجن لمدة شهر ونصف لأنها رفضت التخلّي عن حضانة ابنها أيضاً. لم تكن وحدها من شكا الظُّلم، امرأة أخرى كانت تتكلّم مع "الإعلام" وتروي كيف أنها حُرمت رؤية أولادها خمس سنوات، بعدما تمكّن الأب من الاستحصال على قرار قضائي سمح له بالسفر مع الأولاد. "التصويب" على المجلس، كان هدفه واضحاً: المُطالبة برفع سنّ الحضانة لدى الطائفة الشيعية، ووضع اجتهادات تُجنّب استخدام النصوص الحرفية كمطيّة لظُلم المرأة.

كان "انصهار" النسويات العلمانيات مع الناشطات المُتدينات لافتاً

تقول سارة، إحدى المعتصمات: "المجلس الذي يجتهد في حالات التزويج المُبكر والعقود التي تسمح للذكر بإقامة العلاقات الجنسية، ليس قاصراً على وضع اجتهادات تحفظ حضانة الأم".
منذ نحو ثلاث سنوات، زار وفدٌ من الحملة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ عبد الأمير قبلان. شكت إحدى النساء للشيخ ظُلم زوجها الذي منعها من رؤية ابنها، ومنعها حتى من إمكانية السؤال عنه في المدرسة التي يرتادها، فكان توصيف الشيخ أن الزوج "بلا أخلاق". لكنّ "قلّة الأخلاق" هذه "مُشرّعة" بحكم سمح له التصرّف على هذا النحو، وإذا كان عمل المحاكم يراهن على "أخلاق الأزواج"، فما هي جدوى التشريعات والوحي إذاً؟
أهمية الاعتصام الذي جرى يوم السبت، تكمن في أنه "كسر حاجز الخوف من السلطات الدينية"، وفق ما تقول الناشطة في الحملة زينة إبراهيم، مُشيرة إلى أن الناشطين والناشطات المتحررين/ات يخشون انتقاد السلطات الدينية، "فما بالنا بالمُلتزمات؟". اللافت في الاعتصام، كان "انصهار" النسويات المتحرّرات مع الناشطات المُتدينات. في كل مرة كان يعلو فيها هتاف "يسقط حكم المُفتي"، كان عدد من النسويات المُتحررات "يتريّثن" في "تبنّي" الهتاف، ليجدن في ما بعد أن من "يقود" الهتاف هن المُلتزمات أنفسهن، فتعلو الأصوات موحّدةً. ولعلّ المشهد الأكثر تعبيراً، كان وقوف تلك الفتاة اليافعة، التي ترتدي عباءة سوداء، مُعتليةً بلوكات الباطون المُمترسة أمام مخفر الغبيري، حيث انتقلت بعدها الناشطات للاعتصام أمامه، وهي تصرخ منفعلةً: "الفساد الفساد، جوّا جوّا العمامات".
يأتي هذا "الانصهار" في وقت يجهد فيه بعض المشايخ على تصوير القضية بأنها نزاعٌ قائم بين مُتدينين يُطبقون الشرع وعلمانيين إلغائيين، وهو ما يُترجمه فعل أحد المشايخ الشرعيين عندما طلب من إحدى الصحافيات "أن تقف مع مذهبها" وهي تتناول القضية!
من يتأمل في "طبيعة" الفئات المُشاركة، يُدرك أن الأمر حقوقي بحت، وهو بخلاف كل ما يجهد عليه القضاة الشرعيون المُستفيدون من تركيبة هذا النظام الذكوري. آباء وأمهات، يافعون وكبار في السنّ كانوا مُنفعلين وهم يُرددون الشعارات المُندّدة بأحكام المحاكم الشرعية. وعلى الرغم من أن الهدف من "التجمهر" أمام مخفر الغبيري هو التضامن والمطالبة بإطلاق سراح فاطمة، إلا أن المطلب كان أوسع، وهو يشمل السعي إلى رفع سنّ الحضانة وإلى كف أيدي القضاة الذكوريين عن رسم أقدار النساء باسم الشرع والنصوص.
تقول إبراهيم إن الحملة أطلقت هاشتاغ جديداً يحمل شعار: "حضانتي ضدّ المحكمة الجعفرية"، في خطوة تشجّع على فضح الكثير من قصص الأمهات المظلومات من قبل المحكمة. أمّا بالنسبة إلى فاطمة، فقد أمهلت الحملة المعنيين حتى مساء اليوم كي يُطلق سراحها، وإلا فستستأنف تحركاتها الاحتجاجية.
يقول الباحث دومينيك أورفوا في كتابه "تاريخ الفكر العربي والإسلامي"، في معرض تناوله لأولى التشكيلات القدرية، أن تبرير عمل أي سلطة بارتباطها المباشر بالإرادة الإلهية كان من المفترض أن يؤدي إلى احتجاج تلقائي على المعاصي المُرتكبة، ليسرد في ما بعد نشوء الموقف التمردي من هذا الواقع. يقول أورفوا إن أبرز المُتمرّدين كانوا يحتجون على فكرة أن يكون الله هو من يسبّب أفعال هذه السلطة السيئة.