بالتوازي مع التقدّم الذي تحقّقه القوى العراقية، بمختلف أطيافها، في مواجهة تنظيم «داعش» في محيط الموصل، وداخلها، يبدو أن بازار الاستثمار السياسي للمعركة بدأ بالظهور إلى العلن، إذ يطغى على أوساط بغداد السياسية الحديث عمّا جرى خلال زيارة رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى أربيل، نهاية الأسبوع الماضي.

وفُسّرت سيطرة «البشمركة» على بعشيقة (60 كلم شمال شرقي غربي أربيل)، أمس، بأنها ترجمةٌ لما دار في اللقاء الأخير، الذي جمع العبادي ورئيس إقليم كردستان، مسعود البرزاني. وهنا تتضارب روايتان عن اللقاء، لكنهما تتقاطعان في مكان ما.
تقول الرواية الأولى، نقلاً عن مصادر في رئاسة الوزراء العراقية، إن اتفاقاً جرى بين الطرفين، بحيث تساهم «البشمركة» في استعادة بعض المناطق المحيطة بمدينة الموصل (شمال، وشمال شرق)، من قبضة «داعش»، على أن تسلمها لاحقاً إلى القوات الرسمية العراقية، مع تعهد بعودة القوى الكردية إلى حدود عام (2003)، وهي حدود الإقليم إلى ما قبل إعلان «الخلافة» صيف 2014. وتفيد المصادر بأن البرزاني تعهد أمام العبادي بالعودة إلى تلك الحدود عقب استعادة المناطق المحاذية لـ«حدود الإقليم».
أما الرواية الثانية، فيؤكّد مصدر مطّلع أن اتفاقاً أبرم بين الطرفين، ويستند إلى موافقة العبادي على ضمّ البرزاني لتلك القرى والبلدات الواقعة شرقي الموصل، والتي تشكّل المحيط الجغرافي للإقليم، وذلك بعدما تفرض قوى «البشمركة» سيطرتها عليها على حساب «داعش». ويعلّل المصدر سبب الاتفاق بأن «العبادي بات مضطراً إلى التعاون مع البرزاني، لأن التقدّم باتجاه الموصل، عبر المحور الشرقي، لا يتم إلا عن طريق الأكراد». فالأخير، وفق المصدر، لن يخرج من أي منطقة يدخلها، وهو أمرٌ «وإن كان العبادي يرفضه، لكنه سيوافق عليه نتيجة الضغوط الأميركية»، خصوصاً أن رئيس الحكومة العراقية، بحسب المصدر، مقتنع بأن العملية السياسية في بلاد الرافدين لا يكمن أن تتقدّم إلا «بوجود علاقة جيدة مع الأكراد».
وفيما تنفي المصادر الحكومية العراقية «المزاعم القائلة بتعرّض العبادي لضغوط دولية، وتحديداً أميركية»، فإن مصادر أخرى تتبنّى نظرية «الهرب نحو برّ الأمان الذي يتبعه العبادي»، باقتناعه أن استعادة المناطق الشرقية للموصل، على أيدي الأكراد، لا بد أن تساهم في تخفيف الضغوط الدولية عليه.

طهران تحذّر مسعود البرزاني: أنت مَدينٌ لنا

ورغم تضارب الروايتين، فإنّ ثمة ما يتقاطع معهما، وهو ما يجري في مدينة كركوك (150 كلم جنوب شرق الموصل)، إذ أكّدت «منظمة العفو الدولية»، أمس، أن «القوات الكردية دمرت مئات المنازل العرب ورحلتهم من المدينة»، داعيةً «السلطات الكردية إلى إنهاء هذه الممارسات القاسية وغير القانونية فوراً». فالسلوك الكردي في تلك المنطقة، وإن كان «لا يُقصد منه ذلك»، فهو يصبّ في مسار «التطهير» السكاني للمدينة من أهلها الأصليين، خصوصاً أن أربيل ترى أن كركوك هي إحدى «حصصها الممنوعة عليها» في الشمال العراقي.
ويستبعد عدد من المراقبين إمكانية التوصل إلى صفقة كتلك، خصوصاً أن العبادي سيكون عرضة لضغوط كبيرة من قِبل المحور المقابل لواشنطن وحلفائها، أي موسكو وطهران. وكان لافتاً، أمس، في هذا السياق، تهديد المستشار الأعلى للقائد العام للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء يحيى رحيم صفوي، لـ«جماعة البرزاني من مغبّة السماح للقنصلية السعودية بتقديم السلاح لأعداء الثورة»، مشدّداً على «ضرورة إدراك جماعة البرزاني أنها مدينة لإيران». وأعرب صفوي عن قلق طهران من «علاقات الأكراد القوية مع الأميركيين والصهاينة، لأن ذلك سيحدث تباعداً بين إقليم كردستان العراق والحكومة المركزية... وهذا التباعد لن يعجبنا».
وإن كانت صفقة تلوح في الأفق، فإن ذلك مؤشّرٌ على تعقيدات إضافية ستدخل على خط العلاقة بين بغداد وأربيل، ولا بد أن تدخل، أيضاً، على خطّ المواجهة بين موسكو وإيران من جهة، وواشنطن وأنقرة من جهةٍ أخرى، فيما سيكون تنظيم «داعش» حُرّاً في مرحلة ما بعد الموصل، خصوصاً إذا قُيّد «الحشد الشعبي» في إتمام مخططاته.
فقيادات «الحشد» تؤكّد ضرورة اللحاق بـ«داعش»، وقتاله في سوريا، والقضاء عليه هناك، فيما ترى مصادر حكومية أن على «الحشد الانتهاء من داعش داخل العراق، قبل أن يفكّر خارج حدوده». هذا الرأي لمّح إليه رئيس «هيئة الحشد الشعبي»، فالح الفياض، أمس، والمحسوب على العبادي، إذ أكد «التزامه بكل الأوامر التي تصدر عن رئيس الوزراء، حيدر العبادي». وقال إن «الحشد يقاتل في منطقة حدودية مع سوريا، واذا ما تعرّض لنا داعش من الجهة السورية فسنرد عليه ونحن داخل حدودنا»، مشدّداً على أن «داعش لا يهزم إلا في العراق».
ميدانياً، تؤكّد مصادر حكومية «استعادة الأحياء الموصلية الواقعة شرقي نهر دجلة في الأيام القليلة المقبلة»، مشيدةً بإنجازات القوى الرسمية العراقية في مواجهة «داعش». أما المصادر «الجهادية»، فتؤكّد، في حديثها إلى «الأخبار»، أنه «لن يكون هناك انسحاب من الموصل»، مضيفةً أنّ «الساعة الصفر لم تحن بعد». وتنقل المصادر أن «خطط التنظيم القتالية ترتكز على سحق وتشتيت المهاجمين»، لافتةً إلى أن «استنزاف القوى العراقية مستمر منذ سنوات، وإن علت وتيرته في الآونة الأخيرة».
وأعلنت، أمس، قيادة «العمليات المشتركة» أن «القوات الأمنية توغلت داخل حي الانتصار، وجديدة المفتي، وحي الشيماء، محرّرة قرية منارة شبك شمالي قرية علي رش، ومستمرة بتطهير الطرق والمباني من داعش». وحقّقت القوات إنجازاً وصفته بـ«المهم»، وذلك بالسيطرة على حمام العليل، البلدة الرئيسية الواقعة على المدخل الجنوبي لمدينة الموصل.
أما «الحشد»، ومع انتهائه من المرحلة الثانية من عمليات غربي الموصل، قبل أيام، فقد أنهى تحضيراته لبدء المرحلة الثالثة من العملية، بهدف الوصول إلى مدينة تلعفر، التي باتت تبعد مسافة لا تتجاوز 12 كلم، وفي بعض المناطق تقل لتصل إلى 8 كلم فقط.