أحرج القضاء الإداري المصري، يوم أمس، الرئيس عبد الفتاح السيسي، مجدداً، وذلك بتغريم ممثلي الرئيس في دعوى تطالب بسعوْدة السيادة على جزيرتي تيران وصنافير. أكثر من ذلك، طالبت المحكمة بإخراج رئيس البرلمان، علي عبد العال، من القضية لكونه «غير ذي صفة»، كما وبّخت محكمة «الأمور المستعجلة» بسبب «اغتصاب سلطة ليس من شأنها»، في إشارة إلى حكم للأخيرة دعم موقف الدولة بالتنازل عن السيادة على الجزيرتين.

هذا الحكم، الذي يؤكّد «مصرية تيران وصنافير»، يزيد تعقيد حساسية العلاقات المصرية ــ السعودية، في وقت يلتزم فيه مسؤولو البلدين الصمت تجاه الخلاف المتصاعد في ملفات عدة، وخاصة مع توقف الرياض عن توفير إمدادات البترول عبر شركة «أرامكو» للحكومة المصرية.
ورفضت محكمة القضاء الإداري في مجلس الدولة استشكال الحكومة على وقف تنفيذ حكم بطلان ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، كما غرمت الحكومة مبلغاً رمزياً 800 جنيه (50 دولارا أميركيا بسعر الصرف الجديد) بسبب إقامة الأخيرة دعوى سعت إلى وقف تنفيذ الحكم الأول برفض الاتفاقية، الصادر من محكمة أول درجة في حزيران الماضي، وهو الحكم الذي تحاول الحكومة إبطاله بعدة طرق قضائية، لكنها لم تستطع حتى الآن.
وفق الحكم الجديد، يجب على رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء الاستمرار في تنفيذ حكم بطلان الاتفاقية، وقبول الاستشكال المقام من المحامي خالد علي لإلزام الحكومة تنفيذ ذلك. كذلك رُفض الاستشكال المقام من «هيئة قضايا الدولة»، الوكيلة عن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، وألزمت الهيئة دفع الغرامة بسبب امتناعهما عن تنفيذ الحكم.

ألغى الحكم قرار «الأمور المستعجلة» وطالب بإبعاد رئيس البرلمان عن القضية

وأوضحت «القضاء الإداري» في حيثيات حكمها أن «احترام أحكام القضاء لا يتجلى إلا بتنفيذها وإن كان من غير المقبول من الأفراد الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية، فإن تقاعس الحكومة عن تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها يعد انتهاكاً لحجية تلك الأحكام وإهداراً لأحكام الدستور والقوانين».
وأضافت: «الحكم واجب النفاذ، حيث لم يثبت أن المحكمة الإدارية العليا قضت بإلغائه أو بوقف تنفيذه، ومن ثم فإن امتناع رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء عن تنفيذه يمثل مخالفة لحجية هذا الحكم، ولنص المادة ١٠٠ من الدستور ولنصوص قانون مجلس الدولة».
أما عن حكم «الأمور المستعجلة» المساند للحكومة والمناقض لها، فردّت «الإدارية» بالقول: «حكم الأمور المستعجلة لا يعدو أن يكون محض لغو، وهو والعدم سواء ولا قيمة له، ولا يمثل أدنى عقبة في تنفيذ حكم بطلان الاتفاقية، والأمور المستعجلة اغتصبت اختصاص المحكمة الإدارية العليا، وبالتالي لا ينال من حكم البطلان لأن قاضي الأمور المستعجلة يعد فرعا من فروع جهة القضاء العادي، وحين تخرج المنازعة الموضوعية عن اختصاص جهة القضاء العادي فإن شقها المتعلق بالتنفيذ يخرج تباعاً عن نطاق اختصاصه، وهو ما أكده الدستور».
كذلك أكدت المحكمة أن رئيس البرلمان، عبد العال، «غير ذي صفة» لإقامة استشكال على الحكم الصادر ببطلان انتقال الجزر إلى السعودية، مشددة على أن عدم وجود صفة له تسبّب في رفض الاستشكال الذي تقدم به إلى المحكمة.
وكانت «المحكمة الإدارية العليا» ــ أعلى جهة قضائية ــ قد مددت استكمال نظر الطعن المقدم أمامها لبطلان الحكم من الحكومة إلى جلسة 5 كانون الأول المقبل، فضلا عن أنها ألزمت «هيئة مفوضي الدولة» التعقيب على الطعن، معطية الفرصة لتقديم الخصوم مذكراتهم الختامية. وقد طلب ممثلو الحكومة تأجيل الفصل في القضية حتى الفصل في منازعة التنفيذ الذي أقامته الحكومة أمام «المحكمة الدستورية العليا».
في غضون ذلك، قال مصدر حكومي لـ«الأخبار»، إن مصر «تخشى لجوء السعودية إلى التحكيم الدولي في القريب العاجل من أجل الحصول على الجزر وضمها إلى حدودها الإقليمية»، مشيراً إلى أن هذا الأمر سيزيد تعقيدات العلاقات بين البلدين، وهو «ما لا يمكن تحمله على مستويات عدة، كما أنه سيناريو سيئ حاولت الحكومة تجنبه بإرجاء الفصل في سعودية الجزيريتين عبر المحكمة الدستورية».
وأضاف هذ المصدر أن القاهرة ترى في إطالة أمد الدعاوى القضائية فرصة لتأجيل الأزمة رغم مطالبة الرياض باستمرار، بل «بصورة مزعجة نسبياً حتى قبل بداية الأزمة الأخيرة» بالجزيرتين، مؤكداً في الوقت نفسه أن مصر «لن يكون بيدها سوى الدفاع عن مصريّة الجزيرتين إذا صدر حكم قضائي ببطلان الاتفاقية».