ذات مرّة، بعد انتهاء الحرب الأهليّة، في عام 1991 تحديداً، حصل اعتراض مِن بعض "المواطنين" (الذين يودّون عيش المواطنة كاملة) على حكم صادر عن محكمة دينية. وجه الاعتراض أنّه غير مفتتح بالعبارة الشهيرة: "باسم الشعب اللبناني". يُقبل الاعتراض شكلاً، إلا أنّ الهيئة العامة لمحكمة التمييز (الجهة القضائية المدنيّة العليا التي تُرفع إليها قضايا المحاكم الدينية المتنازع فيها) لم تجد ما تقوله سوى: "عدم صدور القرار باسم الشعب اللبناني، بل باسم محكمة الطائفة التي أصدرته، لا يُشكّل مخالفة لصيغة جوهريّة تتعلّق بالنظام العام". ماذا عساها تقول غير ذلك؟ إنّ كان الدستور اللبناني نفسه يُعاني الانفصام على نفسه، ما يؤدي إلى انفصام "المواطن" تالياً، في صيغة عجائبيّة غير موجودة إلا في هذه البلاد، فعندها ماذا يُنتظر؟ المادة 20 مِن الدستور تنص على الآتي: "القضاة مستقلون في إجراء وظيفتهم وتصدر القرارات والأحكام من قبل كل المحاكم وتنفذ باسم الشعب اللبناني". لاحظ عبارة "كلّ المحاكم". ولاحظ، أيضاً، أن المحاكم الدينيّة، ووفقاً للدستور ولقوانينها الخاصة أيضاً، هي "جزء مِن النظام القضائي اللبناني" نفسه! الحديث هنا عن الدستور، لا عن قوانين، فلا شيء، عند القانونيين، يسمو على "القاعدة الدستوريّة". أكثر مِن ذلك، يقول فقهاء القانون الدستوري إن مقدمة الدستور لها أهميّة تسمو على سائر مواد الدستور الأخرى. ماذا في المقدّمة؟ في الفقرة "د" مِنها يرد الآتي: "الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يُمارسها عبر المؤسسات الدستورية". ألا يُفهم مِن هذا أنّ لكلّ مواطن الحق في عدم الامتثال لأي حكم غير صادر "باسم الشعب"؟ نظرياً، بلى، لكن عمليّاً... تُرمى في السجن. هكذا اعتباطاً. إنّه "حكم الشعب" طبعاً! أليست هذه هي "الديموقراطيّة"؟ يَحصل هذا الهزل في "دولة" الدساتير المتعددة. يعني في لبنان فقط.
لكلّ مواطن الحق في عدم الامتثال لأي حكم غير صادر "باسم الشعب"

بيان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي عبّر عن غضبه لكون قضية "حضانة الأم" لاقت ضجّة إعلاميّة أخيراً، أهاب بـ"السلطات التنفيذية، والهيئات الإدارية التابعة لها، الراعية لشأن الإعلام في لبنان أن تأخذ دورها بجدية أكبر وحزم أكثر لوضع حد للفلتان الإعلامي في لبنان في إطار ما يفرضه الدستور والقوانين المرعية، وقيم المجتمع اللبناني النابعة من ثقافته وسلوكياته التاريخية الأصيلة". في الواقع، يمكن حقيقة الحديث عن "فلتان إعلامي" في لبنان، ولكن قضيّة الحضانة التي أثيرت أخيراً فإن "الشعب" ضجّ بها قبل الإعلام. وسائل الإعلام، بغض النظر عن هفواتها، كانت تشعر بأن "الرأي العام" يسبقها في هذه القضيّة. أصبحت حديث الشارع مِن اللحظات الأولى. بغض النظر عن حيثيات القضية، وتفاصيلها العائليّة، إلا أنّها فعلاً أصبحت قضية "رأي عام". في الفقرة المُشار إليها من بيان المجلس، كما في كثير من فقراته، جرى ذكر "الدستور" بإلحاح. حسناً، على سيرة الدستور، كيف يمكن "للمجلس" وللمحاكم السنيّة والمسيحيّة والدرزيّة، وكلّهم يحبّون الدستور جدّاً، أن يفسّروا لنا الفقرة "ج" مِن مقدمة الدستور: "لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل"؟ الحديث عن "مساواة في الحقوق والواجبات" لجميع المواطنين. كيف يكون لمواطنة أن تحصل على حضانة طفلها لمدة سنتين، ثم تحصل مواطنة أخرى على حضانة طفلها لمدّة 12 عاماً، ومواطنة ثالثة تحصل على حضانة طفلها لمدة 14 عاماً (أرثوذكس)؟ يحصل هذا في قضايا مماثلة، بل متطابقة، ثم الأحكام مختلفة! الجواب: كلّ بحسب نظام طائفته الخاص. إذاً، أين "المساواة" في المواطنة؟ المسألة ليست فقط في الحضانة، وهي أبعد مِن القضيّة المثارة أخيراً في الشارع، بل في تفاصيل كثيرة أخرى، تطال الذكور والإناث على حدّ سواء. المشكلة أنّ الدستور، نفسه، يَتحدّث عن شرعيّة المحاكم الدينيّة، ثم يتحدث عن "المساواة" بين المواطنين. إنهّا "الفرادة" اللبنانية دائماً وأبداً.
ملاحظة أخرى، في فقرة البيان نفسها جرى التعويل، كمرجعيّة، بعد الدستور والقوانين، على "قيم المجتمع اللبناني". هذه ورطة، بل معضلة، أكبر مِن معضلة الدستور. "المجلس" يَعلم، قبل غيره، أنّ القيم في لبنان فيها الكثير من التضاد، ويمكن القول التناحر أيضاً، وبالتالي لا يُنصح بالتعويل عليها. لا يوجد لبنان واحد، بل "لبنانات". ثقافات مختلفة، حتى في الأساسيّات، في الجوهر. كلّنا نعيش في هذه البلاد. لسنا غرباء. نعرفه جيّداً. وأبعد مِن ذلك، هذه القيم اللبنانيّة "متحرّكة" دائماً، وبسرعة أيضاً، وبالتالي غير ثابتة، أمّا "المجلس الشيعي" ومعه كلّ المجالس "المليّة" الأخرى فإنّها تُحبّ "الثبات"... على القيم طبعاً. عموماً، هذا التعويل، في العمق، لن يعمل في الاتجاه الذي ترغب فيه المؤسسات الدينيّة.
أخيراً، توجّه "المجلس الشيعي" في بيانه بالنداء "إلى علماء الدين الأجلاء، على تنوع انتماءاتهم، إلى تلقف مثل هذه الإثارات التي تمس الدين أو تنعكس سلباً عليه، وتدارسها بهدف إنتاج موقف موضوعي جامع يستند إلى أسس علمية وتدابير عملية يمكنها مواجهة هذه الإثارات المشبوهة، سواء كانت على صعيد الإعلام الفتنوي أو أي صعيد آخر، ولا سيما مع الريبة في كونها تستند إلى تخطيط خفي يهدف إلى الإساءة إلى الدين إيماناً وتشريعاً، وإلى المجتمع المؤمن على الصعيدين اللبناني والإنساني". حتماً إن عبارة "التخطيط الخفي" لا يقصد المجلس بها "الماسونيّة" وما شاكل. هذا ما يحصل دوماً، قبل أشهر قليلة، مع المحاكم المسيحيّة الروحيّة (فساد إداري ومالي)، وقبلها المحاكم الشرعية السنيّة (معارضة قانون الأحداث ومصلحة الطفل)، وذلك في قضايا "رأي عام" أيضاً، كانت البيانات تصدر مِن قبل المؤسسات الدينيّة المعنيّة غاضبة، مع التهويل بأن ثمّة مَن يُريد "القضاء على الدين" (مِن الخارج غالباً). إنّها حكاية "يا غيرة الدين" الشهيرة. هذه "المعزوفة" تكررت إلى حدّ الملل، وأصبحت مُعيبة، وبالمناسبة، فإن رئيس مجلس النواب نبيه برّي (الشيعي الأوّل في السلطة) وصف سجن الأم على خلفية حضانة طفلها بـ"الأمر المعيب". هل يُقصد هو أيضاً بـ"التخطيط الخفي"؟ عموماً، كثيرون الذين شكّلوا "الرأي العام" في القضيّة الأخيرة، سواء مِن الذين تكلّموا أو نزلوا إلى الشارع، هم مِن المتمسكين بدينهم وبشريعتهم، وقد عبّر بعضهم عن هذا بكلّ وضوح. هكذا، عندما تأتي الصرخة مِن هؤلاء تحديداً، فمن حق المعنيين "فوق" أن يَقلقوا. لا علاقة للإيمان بالموضوع إطلاقاً. ليس ثمّة ثنائية إيمان وكفر هنا. المسألة في الظلم، في الانتظام العام، في الحقوق والواجبات، في المساواة دستوراً وأمام القوانين. باختصار، هي في "المواطنة" التي لم تعرفها هذه البلاد يوماً... ولا هي تلوح في الأفق.