تشغل أسماء الوزراء المحتملين الجميع عما يدور حقيقة في الغرف المعنية بتأليف الحكومة، فيما المعلومات الدقيقة المسربة من هناك تنبئ بما هو أهم من كل الوزارات والأسماء، ويكاد يوازي بأهميته السياسية انتخاب العماد ميشال عون رئيساً. فمقاربة التشكيل تتميز حتى الآن بثلاثة عوامل رئيسية:

أولها وأهمها على الإطلاق: وضع قرار التمثيل المسيحي في الحكومة في يد رئيس الجمهورية بوصفه زعيم المسيحيين. ويعود للرئيس أن ينسق مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل والقوات اللبنانية والكتائب والمردة وغيرهم من المكونات المسيحية ليحاول تمثيلهم جميعاً ضمن الحصة المخصصة للمسيحيين. ويمكن الرئيس أن يراعي حسابات ومصالح وعلاقات الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط وحزب الله أو لا يراعيها، إلا أن القرار في النهاية قراره وحده. وهذه، في حال حصولها فعلاً، ستكون سابقة تستوجب موجة أكبر من الاحتفالات الشعبية.

تحالف التيار والقوات من شأنه منع الحريري من الحفاظ على النسبة الأكبر من مقاعد كتلته المسيحية
علماً أن البعض يتحدث عن هذا الأمر بخفّة ويمر عليه مرور الكرام فيما هو حجر الزاوية في إصلاح الخلل التمثيلي المتواصل منذ ربع قرن. فمنذ الطائف، كان ثلث الوزراء المسيحيين على الأقل موظفين عند آل الحريري. وكانت قوة قريطم تكمن في وضع يدها على التمثيل النيابي والوزاري والإداري للطائفتين السنية والمسيحية معاً. وعلى هذا الأساس كان الحريري يتقدم جميع المكونات الأخرى ويهيمن على مجلس الوزراء، فيما المتداول اليوم في غرف تأليف الحكومة يفيد بأن الحصة الوزراية المسيحية يوزعها ميشال عون، والحصة الوزارية السنية يوزعها سعد الحريري، والحصة الوزارية الشيعية يتصرف بها حزب الله وحركة أمل، والحصة الوزارية الدرزية عند النائب وليد جنبلاط. وتقول المصادر الجدية إن الحريري يبحث عن مخارج، لكن الضغط السياسي والمالي عليه كبير، وهو لا يملك هامش مناورة. وبات يعلم أن الرفض المطلق سيقابله عناد مطلق من قبل العماد عون يمكن أن يؤخر تأليف الحكومة ست سنوات، فيما محاورة الجنرال يمكن أن تفضي إلى حلول مقبولة من الجانبين. علماً أن رئيس الجمهورية حريص ــــ وفقاً لمصادر التيار الوطني الحر ــــ على طمأنة الحريري الى أن منح التمثيل المسيحيّ الرسميّ لمن يستحقونه لا يمكن أن يكون موجهاً ضده. فالمشكلة كانت في الخفة الشعبية لمن يختارهم الحريري وزراء، لا بالتزامهم السياسيّ معه. فالوزير ميشال فرعون لم يكن يوماً محل انتقاد نظراً لحضوره الشعبي، فيما المشكلة كانت في نبيل دو فريج وعاطف مجدلاني وطارق متري وغيرهم ممن لا يملكون أي تمثيل شعبي. وتأكد في هذا السياق أن القوات اللبنانية طلبت أن يكون الوزير فرعون من حصتها الوزارية. علماً أن الأسماء التي يتداول بإمكانية ترشيحها للوزارة من قبل رئيس الجمهورية تطمئن الحريري وتحمسه لتكريس هذا العرف من نائب رئيس الوزراء السابق عصام فارس إلى رئيسة الكتلة الشعبية ميريام سكاف. ويمكن عون أن يذهب أبعد فيطلب بنفسه من الحريري توزير مستشاره النائب السابق غطاس خوري الذي لا يمثل أي استفزاز لعون، مقابل سماح الحريري لعون بتسمية وزير من الطائفة السنية. ولا شك أن وضع هذه المقاربة حيز التنفيذ تمثل أول إنجاز كبير للعهد على صعيد تصحيح التمثيل الطائفي الوزاري، وأول مس مباشر بالنفوذ المستقبلي في السلطة. وعلمت "الأخبار" أن تفكير التيار الوطني الحر ينصب هذه الأيام على السبل اللازمة لوضع هذا العرف الجديد قيد التنفيذ، مع كل ما يستلزمه ذلك من بحث عن أسماء تطمينية. وما سبق يعني في نهاية الأمر أن رئيس الجمهورية سيسمي نصف الوزراء، وهو حدث بحد ذاته. نصف الوزراء يسميهم عون، والنصف الآخر كل من الحريري ونبيه بري وحزب الله وجنبلاط. وعليه فإن الحديث عن ثلث معطل وغيره ملهاة حقيقية، فمنذ الطائف كان الحريري يعتبر الثلث الوزاري المعطل تحصيل حاصل في جيبه، فيما يقال له اليوم إن حجمه الوزاري من حجم طائفته: ستة وزراء اذا كانت الحكومة ثلاثينية، وخمسة اذا تألفت من 24 وزيراً.
المقاربة الثانية التي تكاد تتكرس في عملية التأليف هذه هي حصة رئيس الجمهورية. ويقول العونيون في هذا السياق إن الطائف قلص صلاحيات رئيس الجمهورية لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً شرط أن تكون لرئيس الجمهورية كتلة وزارية. وبات شبه محسوم أن كتلة الرئيس ستضم ثلاثة أو أربعة وزراء غير وزراء تكتل التغيير والإصلاح. وفي حال انضمام هؤلاء الوزراء إلى وزراء التيار في حال احتدام الأمور يوماً، فسيكون لرئيس الجمهورية الثلث المعطل أو حق الفيتو داخل مجلس الوزراء. ومن كانوا يتظاهرون في بعبدا في أواخر الثمانينيات ضد الطائف وتعديلاته يذكرون يوم خاطب الجنرال نواب الطائف بهدوء طالباً منهم عدم الاستعجال في التنازلات وإجراء اللازم ليكون لرئيس الجمهورية حق الفيتو أقله في مجلس الوزراء.
«تمسكَن» جعجع 10 سنوات على كتف المستقبل لتمتين وضعه في الأشرفية والبترون والكورة وزحلة

المقاربة الثالثة التي يجري التطرق إعلامياً إليها على نحو عاجل فيما هي حدث بحد ذاته ترتبط بالتعامل مع هذه الحكومة في غرف التأليف باعتبارها حكومة إشراف على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، بعد ستة أشهر. وبعيداً عن المزايدات الإعلامية لا شك أن قرار إجراء الانتخابات في موعدها، المتفق مسبقاً عليه بين الحريري والعونيين، قرار كبير وغير متوقع بعد التأجيلين السابقين وأزمة الحريري المالية المتواصلة. وعلمت "الأخبار" أن حراك التأليف يوازيه حراك سريع وجدي يتعلق بقانون الانتخاب، من دون أن يتضح ما إذا كان ثمة اتفاق على إجراء الانتخابات وفق قانون الستين لمرة أخيرة لطمأنة الحريري، أو أن قانوناً جديداً للانتخابات سيقر في الأسابيع الأولى من عمر العهد. واللافت هنا أن مصادر العونيين والقوات تتحدث عن تحالفهما في "النيابية" وفق مبدأ حقهما في تقرير مصير 64 مقعدا نيابيا مسيحيا، في ظل كلام عن نيتهما توسيع مروحة استيعابهما لبعض الشخصيات مثل النائب ميشال المر والوزير فرعون ورئيس بلدية جبيل زياد حواط وميريام سكاف في حال تجاوز النائب ستريدا طوق مشاكلها الشخصية معها. وهو ما من شأنه أن يسحب أوراق القوة والضغط من يد الحريري الذي لن يستطيع الحفاظ على النسبة الأكبر من مقاعد كتلته المسيحية حتى مع قانون الستين. والثابت في هذا السياق أن تحالف التيار والقوات لن يتزعزع مهما كانت حصة القوات في الحكومة، ومهما كان ما يخبئه الحريري لجعجع في ظل تأكيد المعلومات أن لقاءهما الأخير كان سيئاً. ولا شك أن مشكلة الحريري مع العونيين محدودة بحكم تركز نفوذهم الانتخابي في جبل لبنان، حيث لا يملك "المستقبل" مقاعد نيابية. والنظرة السريعة على الأشرفية والكورة وزحلة تظهر تعامل الحريري مع ما هو له باعتباره له وللقوات اللبنانية، لكن القوات تقول اليوم إنها تريده لها وحدها. فالقوات "تمسكنت" عشر سنوات على كتف المستقبل لتمتن وضعها في الأشرفية والبترون والكورة وزحلة ولتطلب من الحريري أن يخلي الساحة اليوم لها. وها هي "تتمسكن" على كتف العونيين اليوم للتمكن من تكرار اللعبة نفسها بعد بضع سنوات.
أخيراً لا شك أن ما كان يقوله العونيون عن كون الانتخابات الرئاسية وسيلة لا هدفاً بحد ذاته، ومجرد خطوة أولى ستتبعها خطوات كثيرة لإعادة التوازن إلى السلطة، بدأ يأخذ مداه. وسواء صحت مقاربات التشكيل الثلاث السابق ذكرها أو طبخ الحريري وباسيل الحكومة وفق مقادير مختلفة، يبقى أن التسليم الحريريّ بحق الأفرقاء المسيحيين باختيار الوزراء المسيحيين الذين غالباً ما كان ثلثهم مستقبليين هو أمر كبير وغير مسبوق ويهز النفوذ الحريري بقوة.