على هامش انشغال القوى السياسية الرئيسية بالمشاورات لتأليف الحكومة، تظهر سلسلة مفارقات لا تترك تأثيرها على مجريات الحدث الحكومي وفحسب، وانما ايضا على الواقع السياسي الذي يواجهه العهد الجديد مع انطلاقته الفعلية.

أولاً: مستجدّ اساسي فرض نفسه على المشاورات، وهو دخول التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية على خط التأليف المباشر لأول مرة منذ عام 2005، مستندين الى قاعدة مركزية تتعلق بتحسين التمثيل المسيحي، وحصره بالقوى المسيحية. ولم ينجح الطرفان كليا بعد، في انتزاع موافقة نهائية من تيار المستقبل على عدم تمثله بأي وزير مسيحي. علما ان هذا الأمر يمثّل مادة اساسية في النقاشات الحكومية الحالية.
لكن ثمة اشكالية لافتة على طريق طرح الاسماء المرشحة للتوزير لتحسين التمثيل المسيحي. فالاحزاب المسيحية احزاب "مارونية" بالمعنى الفعلي لقياداتها وابرز مسؤوليها. ولان الحكومة المفترضة قد تتألف من 30 وزيرا، رغم ان معلومات تتحدث عن رغبة الرئيس ميشال عون في حكومة من 24 وزيرا، فإن حصة الموارنة فيها ستة وزراء. والاحزاب المسيحية الاربعة، التيار والقوات والمردة والكتائب، تريد حصة مارونية في الحكومة، اضافة الى حصة رئيس الجمهورية. والتمسك بالحصول على حصص مارونية يعني الكثير لهذه الاحزاب، التي تريد أداء دور اساسي في صناعة القرار الحكومي عن طريق وزارات اساسية ووزراء من الصف الاول. ومن الصعوبة اقناع التيار والقوات بالتخلي عن الحصص المارونية لوزراء لم يصوتوا لرئيس الجمهورية، فضلا عن انهم خصوم في السياسة. مع ما يعني لهذه الاحزاب توزير شخصيات مارونية على طريق الحضور المسيحي – الماروني في الحكم مجددا. فهل تقبل القوات والتيار ان يتساويا في المقاعد المارونية مع الكتائب والمردة، وأن يحصلا على الحصص الوزارية الباقية عن طريق توزير شخصيات من المذاهب المسيحية الاخرى؟

الشخصيات الارثوذكسية والكاثوليكية هي نفسها التي تطرح عند كل تأليف حكومة منذ سنوات

اضافة الى المقاعد المارونية، تبرز لدى هذه الاحزاب عقدة تتمثل في توزير شخصيات ارثوذكسية او كاثوليكية ولا سيما حين تطرح من اجل وزارات اساسية. واذا كانت الاحزاب الارمنية هي التي تسمي عادة وزراءها ممن اصبحوا معروفين سلفا، فان الاحزاب المسيحية، تسير هي الاخرى على الطريق ذاتها. فهي غالبا ما تفتقر إلى شخصيات ارثوذكسية وكاثوليكية من صلب العمل الحزبي وهيكليته، لذا تسعى الى اختيار شخصيات حليفة وصديقة، لكن المشكلة ان هذه الشخصيات الارثوذكسية والكاثوليكية صارت هي نفسها التي تطرح عند كل تأليف حكومة منذ سنوات، علما ان الطائفتين المذكورتين فيهما من القدرات والكفاءات ومن الشخصيات الحزبية او المقربة منها، ما يسمح بتوسيع "البيكار" والبحث عن شخصيات وزارية لها موقعها وحضورها، ووجوه قادرة على ضخ دم جديد في الاحزاب وفي الحكومة نفسها.
ثانياً، ان طرح اسماء للتوزير يفترض ان يأخذ في الاعتبار، ايضا، ان هذه الحكومة، هي الاولى في العهد الاتي بعد تسوية كبرى. ما يفرض ان تتعامل القوى السياسية بروية وهدوء مع المطالب المتبادلة، من دون احكام وشروط مسبقة، ونفي لفريق او وضع عوائق امام مرشحيه للتوزير. فالنائب وليد جنبلاط اختار، بحركة سياسية لافتة، النائب مروان حماده للتوزير، وهو الشخصية الاكثر عدائية للعماد عون قبل انتخابه والمفترض انه لم يصوت له. لكن عون حكما لن يعارض هذا التوزير لاعتبارات معروفة، من ضمنها ان جنبلاط ارتضى التسوية الرئاسية. فهل ما يسري على اختيارات جنبلاط، لا يسري على الاخرين، وهل يمكن للقوى المشاركة في التأليف ان تضع فيتوات على شخصيات او حقائب، والحديث هنا يشمل موضوع تمثيل القوات في الحكومة ويتعداه ايضا؟ للقوات والتيار ايضا معايير وشروط يضعانها على الاخرين، وخصوصا في التمثيل المسيحي، فهناك ايضا حقائب ممنوعة على المعارضين المسيحيين لوصول عون، وهناك شروط مقابلة يضعها البعض على اسماء محددة من الوزراء لا يريد التخلي عنها، او على طوائف معينة. فلا يعطى الكتائب او المردة وزراء الا بعد توزيع الحصص المارونية، او الخدماتية الاساسية. فهل هذه بداية جيدة لحكومة العهد الاولى؟
ثالثاً، تبدو شهية جميع القوى السياسية مفتوحة على وزارات الخدمات، كما على الحقائب السيادية. فالنقاش حاليا يدور حول وزارات صارت من الفئة الاولى، كالطاقة ونحن على ابواب توقيع مراسيم النفط، ووزارة الاتصالات والاشغال والصحة، ووزارة التربية بعدما تحولت مزرابا لكثير من المسائل التي لها علاقة بالمدراس الرسمية والجامعة اللبنانية والمساعدات للنازحين السوريين بواسطة الاعانات الدولية.
ولا ننسى ان الانتخابات النيابية على الابواب، وجميع الاطراف المشاركين في الحكومة يتسابقون سلفا على وزارات الخدمات عشية الاستعداد للانتخابات مهما كان شكل التحالفات وقبل معرفة هوية قانون الانتخاب. وهذا يحوّل الوزارات الخدماتية وزارات اساسية، بدأ كل فريق سياسي يجاهر برغبته في الحصول عليها. علما انه يفترض ان تكون الشفافية والمحاسبة اللتان يتحدث عنهما رئيس الجمهورية هما المعيار في اختيار الوزراء لهذه الحقائب لكون بعضها شهد اكثر النزاعات السياسية حدة حول اشكالات وملفات عالقة فيها. اضافة الى ان ثمة وزراء سيدخلون الحكومة وهم مرشحون تقليديون للنيابة، فكيف سيكون الحد الفاصل بين وزاراتهم وخدماتهم على طريق النيابة؟