ليلة 13 تشرين الثاني 2015 هاجم عشرة إرهابيين العاصمة الفرنسية باريس ونفّذوا فيها 6 عمليات قتل وتفجير خلال أكثر من ثلاث ساعات، تبنّاها لاحقاً تنظيم «داعش». بأحزمة ناسفة وأسلحة رشاشة جاب القاتلون شوارع العاصمة الفرنسية وأحياءها: بعضهم فجّر نفسه في محيط الملعب الأولمبي (منطقة سان دوني) حيث كان الرئيس الفرنسي وبعض المسؤولين يحضرون مباراة كرة قدم. البعض الآخر أطلقوا النار على مقاهٍ مكتظة وفجّروا أنفسهم فيها، وآخرون هاجموا حفلة موسيقية داخل مسرح «باتاكلان» وأردوا عدداً كبيراً من الحاضرين. حصيلة تلك الليلة 130 قتيلاً و430 جريحاً، وعاصمة أوروبية لم تستفق كلّياً من الصدمة وتداعياتها بعد. تعرّفت الأجهزة الفرنسية إلى جميع المرتكبين الذين قضوا إما انتحاراً ليلة الحادثة أو على أيدي الشرطة الفرنسية لاحقاً، بينما ألقي القبض على العنصر الوحيد الذي بقي على قيد الحياة (صلاح عبد السلام)، وهو حالياً في سجن فرنسي ويمارس حقّه في الامتناع عن الكلام.

هجمات باريس لم تكن الأولى التي ينفّذها إرهابيون، أفراداً أو ضمن مجموعات صغيرة، على الأراضي الفرنسية والأوروبية، وقد تبعتها هجمات بروكسل وهجوم نيس في تموز الماضي. التحقيقات في معظم تلك الجرائم وغيرها بيّنت الكثير من المعلومات حول مرتكبي تلك العمليات، وأظهرت بعض النقاط المشتركة بينهم، إن في طريقة التجنيد أو في العقيدة أو في التنفيذ.
اللافت منذ تفجيرات 11 أيلول 2001 حتى هجمات باريس وما بعدها، ظاهرة تكررت في نحو عشر عمليات إرهابية، وهي ظاهرة «الانتحاريين الأشقّاء». عامل القرابة بات يُعدّ، حسب الدراسات النفسية والاجتماعية، «أساسياً في تجنيد الجهاديين وجذبهم حتى أكثر من عاملَي الدين والحيّ السكني»، (٢٥ الى ٣٠٪ من العمليات الإرهابية شارك فيها أقارب من عائلة واحدة).
يولدان في حضن عائلة واحدة، يعيشان في المنزل نفسه، يتلقّيان تربية متشابهة الى حدّ كبير، الظروف المعيشية والبيئة الاجتماعية ذاتها. يتقاسمان غرفة النوم والملابس والكتب، يتشاركان الأحزان والأفراح ويعيشان حلو المغامرات ومرّها. يحبّ أحدهما الآخر بالفطرة. قد يغار أحدهما من الآخر، أو يختلفان في الرأي... لكن ما يجمعهما أكبر بكثير. تستجدّ حادثة معينة، شخصية أو خارجية، يلجأ أحدهما الى «مخلّص» يريحه من وقعها ومن تراكمات الماضي، فيظهر الشخص الخطأ في الوقت المناسب. شخص يتقن الغواية. يتجنّد أحد الشقيقين في مجموعة عقائدية متطرّفة، يؤمن حتى التكفير، ويريد أن يتشارك في هذا مع مَن يثق به حتى الموت: شقيقه. يتّحد الشقيقان في نبذهما للعائلة وللمجتمع ولتجاربهما الماضية، وينشغلان في خدمة قضية مشتركة أو مصلحة مادية. يدرّب أحدهما الآخر ويقوّيه على الصعوبات. يشعران بأن علاقتهما باتت أمتن وأهدافهما واحدة. معاً، هما قويّان. يذهبان الى موعد تسليم الروح ويُقسمان على أن يلتقيا مجدداً.
«الأخوة في الجهاد»، باتت هذه التسمية تنطبق حرفياً على العديد من الحالات حيث «الجهاديون» ليسوا فقط إخوة في القضية ورفاق سلاح، بل إخوة ـــ أشقّاء، يُجنَّدون كأشقّاء ويُدرَّبون كأشقّاء وينفذّون العمليات الإرهابية معاً. هي الثقة الأخوية التي تريح من يندفع بحماسة نحو المخاطر. هو «رابط الدم» الذي لا تقوى عليه غالباً محاولات الثني أو أساليب التحقيق. رابط يستغلّه المجنِّدون لأنه درع ضد الاختراقات الأمنية والوشاية (في٦٤٪ من الحالات يكون أحد أفراد العائلة أو صديق على علم بنشاطات المتورّط الارهابية)، فيما تشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن ثلث المقاتلين الآتين من الغرب إلى جبهات القتال (أبرزها في الشرق الأوسط) لديهم روابط عائلية مع أقرباء سبقوهم إليها.
في ما يلي، عيّنة من أشقّاء وشقيقات نفّذوا عمليات إرهابية في تاريخ الإرهاب الحديث، أي منذ ١١ أيلول ٢٠٠١، وهي عيّنة تمثّل حصراً من شاركوا في عمليات قتل أو هجمات انتحارية، ولا تشمل الأشقاء الذين ذهبوا للقتال فقط في جبهات أفغانستان والشيشان، أو الذين ما زالوا حتى اليوم ينضمون إلى القتال في الجبهات المفتوحة في سوريا وليبيا والعراق واليمن...


* الأرقام والإحصاءات من مركز أبحاث نيو أميركا ــ جامعة بنسلفانيا ــ مركز مكافحة الإرهاب، ويست بوينت

بروكسل ـ آذار ٢٠١٦

إبراهيم البكراوي:
انتحاري مطار بروكسل. بلجيكي من أصول مغربية، ١٩٨٦

خالد البكراوي:
انتحاري ميترو بروكسل. بلجيكي من أصول مغربية، ١٩٨٩

عاش الأخوان وسط عائلة مغربية مهاجرة، وتشاركا مراحل نشأتهما مع أصدقاء المدرسة والحي في بروكسل. خالد، درس المعلوماتية في الجامعة، لكن منذ عام 2009 تورّط في سرقة سيارات وشارك في سرقة مصرف. إبراهيم شارك أيضاً في عملية سطو على محلّ صيرفة عام 2010 وأطلق النار على شرطيين. حكم عليهما بالسجن، لكنهما خرجا بإطلاق سراح مشروط. عام 2015 أوقفت السلطات التركية إبراهيم في غازي عنتاب «لكونه مقاتلاً إرهابياً أجنبياً»، ورحّلته الى هولندا، وأصدر الإنتربول مذكرة توقيف بحق شقيقه خالد. استأجر الأخير شقّة في بلجيكا استخدمت لاجتماعات بعض من نفّذوا هجمات باريس. مَن عرف الأخوين يقول إنهما «لم يكونا متطرفين دينياً، ولا حتى ملتزمين بتعاليم الإسلام».




تولوز/ مونتوبان ـ آذار ٢٠١٢

عبد القادر مراح:
موقوف، متّهم بالتواطؤ (مع شقيقه) في جرائم والإعداد لأعمال إرهابية. فرنسي ــ جزائري، ١٩٨٢

محمد مراح:
منفّذ هجمات على جنود فرنسيين في تولوز وعلى مدرسة يهودية في المدينة. قُتل أثناء ملاحقته. فرنسي ــ جزائري، ١٩٨٨

في سجلّ محمد بعض عمليات السرقة والاحتيال، لكن الشاب التولوزي بدأ يُظهر «علامات التطرف» بعد أحداث 11 أيلول وزياراته المتكررة لأفغانستان وباكستان (آخرها عام 2011) وتردّده إلى مصر «لدراسة القرآن». يُقال إن محمد لم يكن سوى «الذراع المسلّحة» لشقيقه عبد القادر الذي أدلجه. يذكر أن محمد كان قد حاول الانضمام الى الجيش الفرنسي مرّتين بين زيارتين لأفغانستان، لكنه رُفض بسبب سجلّه «غير النظيف».





باريس ـ تشرين الثاني 2015

إبراهيم عبد السلام:
انتحاري فجّر نفسه في أحد المقاهي. فرنسي من أصول مغربية، ولد وعاش في بروكسل، ١٩٨٤

صلاح عبد السلام:
شارك لوجستياً في العمليات، وساعد الانتحاريين في الوصول الى أهدافهم. ألقي القبض عليه بعد 4 أشهر من فراره الى بلجيكا. فرنسي من أصول مغربية، ١٩٨٩

من أب جزائري وأم مغربية. يحملان الجنسية الفرنسية. ولد الأخوان عبد السلام ونشآ في حي مولنبيك في العاصمة البلجيكية بروكسل. تعلّم صلاح في مدارس بلجيكية وعمل، كوالده، في شركة النقل العام. نفّذ عام 2010 مع عبد الحميد أباعود (قائد هجمات باريس لاحقاً) محاولة سرقة كاراج سيارات. أوقف لشهر، ففقد وظيفته.
فتح صلاح مع أخيه إبراهيم حانة في بروكسل، أقفلت بعد سنتين، «بسبب تحوّلها الى مركز لتعاطي الممنوعات». في عام 2015 استدعت الشرطة البلجيكية الأخوين عبد السلام بعد شكوك في اتصالهما بمقاتلين في سوريا، وبعد أن «بدأت تظهر عليهما ملامح تطرّف ديني». لم ينفِ صلاح خلال التحقيق معرفته بأباعود وإعجابه به. أصدقاء الأخوين يصفون صلاح بـ«الفاتن الذي يحبّ إغواء الفتيات ويتنقّل بين الحانات».

عبد الحميد أباعود:
قائد هجمات باريس. قتل خلال دهم شقّة لجأ اليها بعد العمليات. بلجيكي ــ مغربي، ١٩٨٧

يونس أباعود:
١٤ سنة، جنّده شقيقه عبد الحميد، بلجيكي – مغربي

«كنّا نعيش حياة طبيعية جداً وجميلة»، قال والد الأخوين أباعود. أتقن عبد الحميد التجارة وساعد والده في المهنة. لكن في سجلّ الشاب، منذ 2002، توقيفات لدى الشرطة في عمليات سرقات وسطو. وكان قد نفّذ بعضها مع صلاح عبد السلام ودخلا السجن معاً. والد عبد الحميد يقول إنه بدأت تظهر على ابنه علامات التطرّف الديني «مباشرة بعد خروجه من السجن» عام 2012. انضمّ عبد الحميد إلى صفوف «داعش» عام 2013، وذهب الى سوريا للقتال، وكان وجهاً ناشطاً على «فايسبوك»، وهو معروف أيضاً بـ«أبو عمر البلجيكي». أما يونس، أخو عبد الحميد الأصغر، فيقال إن شقيقه جنّده وأرسله الى سوريا، ولقّب مع «داعش» بـ«شبل الخلافة»، وكانت قد انتشرت أخبار عن مقتله، وأخرى أفادت بأنه «عائد الى بلجيكا ليثأر لأخيه».




روسيا ٢٠٠٤


روزا ناغاييفا:
فجّرت نفسها خلال حصار مدرسة بيسلان الروسية. شيشانية، ١٩٧٤

أمنتا ناغاييفا:
فجّرت نفسها في طائرة ركاب روسية متجهة من موسكو الى ڤولغوغراد. شيشانية، ١٩٧٧

خسرت أمنتا وروزا شقيقهما عام 2001 بعد أن أوقفه جنود روس واقتادوه الى مكان مجهول، ثم اختفى. الشقيقتان تنتميان الى ما يسمّى مجموعة «الأرامل السود» اللواتي يُردن الانتقام لفقدان أب أو شقيق أو زوج في حرب الشيشان مع روسيا.




شارلي إيبدو ـ كانون الثاني ٢٠١٥


سعيد كواشي:
أحد منفذَي الهجوم على مجلة «شارلي إيبدو»، قُتل أثناء ملاحقته. فرنسي ــ جزائري، ١٩٨٠

شريف كواشي:
أحد منفذَي الهجوم على مجلة «شارلي إيبدو»، قُتل أثناء ملاحقته. فرنسي ــ جزائري، ١٩٨٢
نشأ الشقيقان في مركز لرعاية الأيتام في فرنسا، وتخصص سعيد في الفندقية وشريف في الرياضة. بعد مغادرة الميتم، عمل شريف في خدمة توصيلات في باريس.
شارك في عمليات سرقة واتجار بالمخدرات. تدرّب على يد الداعية فريد بن ييتو في مسجد «الدعوة» في باريس، منذ عام 2003. أوقف عام 2005 وهو يهمّ بالسفر للقتال في العراق. «ازداد تطرفاً» في السجن، وبقي على تواصل مع أبرز الإرهابيين المسجونين، بعد خروجه. سافر الشقيقان الى اليمن عام 2011 حيث «تلقّيا تدريبات عسكرية».




بوسطن ـ نيسان ٢٠١٣


تاميرلان تسارناييف:
أحد منفذي تفجير ماراتون بوسطن. قتل أثناء ملاحقته. شيشاني (من قرغيزستان)، ١٩٨٦

جوهر تسارناييف:
أحد منفذي تفجير ماراتون بوسطن. مسجون محكوم بالإعدام. شيشاني، ١٩٩٣
بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، حطّت عائلة تسارناييف في بوسطن حيث اندمج الشقيقان في نمط الحياة الاميركية. تميّز تاميرلان بشغفه بلعبة الملاكمة، وفاز مرتين في بطولات على صعيد المنطقة، لكن في عام 2010 أُقصي عن البطولة الوطنية لأنه «ليس أميركياً». أقاربه يقولون إنه «تغيّر جذرياً» بعد حادثة الرفض تلك، وكان قد بدأ يتعلّم الدين عند شيخ، ثم ترك الملاكمة نهائياً، «لأنها لا تتناسب مع الدين»، كذلك توقّف عن عزف الموسيقى التي أتقنها في المدارس السوفياتية.
جوهر، الشقيق الأصغر، لم يكن متديّناً. «يشارك في حفلات الحيّ ويشرب الكحول»، يقول رفاقه. أتقن لعبة المصارعة وأصبح قائد فريق. التحق بكلية الهندسة ثم تحوّل الى علوم الحياة، لكن معدّل علاماته كان منخفضاً، إذ أمضى جوهر وقته في السهر أو في لعب كرة القدم. قبل أسبوعين من التفجيرات قال لأحد رفاقه «لم أعد أهتمّ بتحصيلي الجامعي، لأن الله والدين فقط هما الأمران الحقيقيان في الحياة».





أشقّاء من لبنان


حسن ومعتصم ومنذر الحسن، ثلاثة أشقّاء لبنانيين متورّطون في أعمال إرهابية. معتصم وحسن نفّذا عملية انتحارية ضد مركز للجيش السوري في سوريا عام 2013، وشقيقهما منذر مشتبه فيه رئيسي بقضية «خلية فندق دي روي»، ومتهم بتأمين الأحزمة الناسفة للانتحاريين الذين كانوا يخططون لتنفيذ عمليات إرهابية في بيروت والضاحية الجنوبية عام 2014، قُتل أثناء ملاحقته خلال عملية دهم.
ينتمي الأشقّاء الثلاثة الى عائلة شارك العديد من أفرادها في عمليات إرهابية. عائلة محمد الحاج ديب المعروف بمحمد إبراهيم: أحد أبنائه العشرة، قُتل في صفوف تنظيم «فتح الإسلام»، وتردّد أنه فجّر نفسه بالقوى الأمنية في اشتباكات شارع المئتين التي مهّدت لحرب نهر البارد في أيار 2007. ابن آخر أُدين بمحاولة تفجير محطة للقطارات في ألمانيا، وحكم بالسجن مدى الحياة عام 2008، وأخوه يقبع منذ سنوات في سجن رومية المركزي بجرم الانتماء إلى تنظيم تكفيري والمشاركة في محاولة تفجير. حسن ومعتصم ومنذر هم أحفاد محمد إبراهيم، الى جانب حفيد آخر متّهم بجرم التواصل مع شبكة جهادية اتهمت بالتخطيط لتنفيذ تفجيرات داخل ثُكَن عسكرية.




١١ أيلول ٢٠٠١

أحمد الغامدي:
أحد خاطفي الطائرة التي هاجمت البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي في نيويورك. سعودي، ١٩٧٩

حمزة الغامدي:
أحد خاطفي الطائرة التي هاجمت البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي في نيويورك. سعودي، ١٩٨٠

من منطقة الباحة جنوب غرب المملكة السعودية، غادر الأخوان عائلتهما للانضمام الى جبهات القتال في الشيشان بداية عام 2000. لم يتمكّنا من الدخول الى الشيشان، فتوجّها الى أفغانستان وتدرّبا على أيدي قادة تنظيم «القاعدة» هناك، حيث اختيرا للمشاركة في هجمات أيلول.



وليد الشهري:
أحد خاطفي الطائرة التي هاجمت البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك. سعودي، ١٩٧٨

وائل الشهري:
أحد خاطفي الطائرة التي هاجمت البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك. سعودي، ١٩٧٣

من منطقة عسير على الحدود مع اليمن. والدهما زعيم عشيرة الشهري في المنطقة. انضمّا الى «القاعدة» في أفغانستان قبيل اختيارهما من قبل أسامة بن لادن للمشاركة في هجمات أيلول.


نواف الحازمي:
أحد خاطفي الطائرة التي هاجمت البنتاغون. سعودي، ١٩٧٦

سالم الحازمي:
أحد خاطفي الطائرة التي هاجمت البنتاغون. سعودي، ١٩٨١

في سنّ الـ17 سنة، غادر نواف مسقط رأسه مكّة الى أفغانستان، ثم ذهب للمشاركة في حرب البوسنة. بعد اكتساب خبرة في القتال، عاد نواف الى أفغانستان وانضم الى «القاعدة» عام 1999.
أخوه الأصغر سالم انضم أيضاً الى صفوف «القاعدة» في أفغانستان قبيل 11 أيلول. يقول والده إنه «توقّف عن شرب الخمر وبدأ يصلّي في المسجد قبل ثلاثة أشهر فقط من اختفائه».