بينما يعود الجيش إلى رسم تفاصيل جبهات مدينة حلب ومحيطها القريب بهدوء، بعد انتهائه من صد هجوم «جيش الفتح» الأخير، وتعزيزه طوق المدينة، تبدو مدينة الباب وجهة المعارك المقبلة، برغم الحذر الشديد الذي تتعاطى به الأطراف العديدة الساعية إلى السيطرة عليها.

ويبدو المشهد حول المدينة محصوراً بمعطيات دمشق وأنقرة، بعيداً عن الأكراد، الذين أصبحوا أبعد من أن يفكّروا في الزحف صوب المدينة، خاصة في ضوء غياب رعاية دولية لمساعيهم.
واستطاع الأتراك عبر ذراعهم «درع الفرات» وتغطية قواتهم الجوية مباشرةً، من فرض أسبقية ميدانية واضحة، مع وصول قواتهم إلى نحو كيلومترين من أطراف المدينة من الجهة الشمالية. كذلك، يظهر حديث أنقرة الرسمي أن تقدمها الأخير، تحصّل في ضوء أخضر دولي قبل مرحلته الأخيرة، وهو ما تبلور بوضوح عبر عودة سلاح الجو التركي إلى استهداف مواقع في عمق ريف حلب الشمالي أول من أمس، وداخل مدينة الباب أمس، بعد توقف زاد على عشرين يوماً. وضمن هذا السياق، قال نائب رئيس الوزراء نعمان قورطولموش، إن بلاده «بات بإمكانها مجدداً، أن توفر الدعم اللوجستي من الجو، في ضوء المحادثات مع الأطراف المعنية، بما فيها روسيا، وتأكيدها وقف عملية درع الفرات عند تحقيق أهدافها المرسومة».
ومن اللافت أن التقدم التركي نحو الباب خفف وتيرته أمس مع الوصول إلى محيط المدينة، إذ لم تقترب قوات «درع الفرات» مباشرةً نحو مدخل المدينة الشمالي، بل عملت على توسيع رقعة سيطرتها في محيط خط تقدمها الأول، واكتساب عدد من القرى شرق وغرب خط الجبهة الأساسي.
وقد يترجم تردد أنقرة، من باب الحرص على عدم الوقوع في حادث مع قوات الجيش السوري، الذي يؤكد أن التقدم نحو الباب ضمن حساباته، وهو ما يتقاطع مع معلومات ميدانية تفيد بحشد تعزيزات في محيط المدينة الجنوبي. وتؤكد مصادر ميدانية سورية في حديث إلى «الأخبار» هذا التصور، وترى أن «تركيا لن تدعم خطوة كهذه منعاً لحدوث صدام عسكري مع الجيش السوري، الذي عزز دفاعاته حول منطقة الباب بنحو واسع، لناحية العدة والعتاد الجديد والمتطور».

أنقرة: عودة الدعم الجوي أتت بعد محادثات مع عدة أطراف بينها روسيا

وفي انتظار تبلور المشهد في الريف الشمالي الشرقي، خفّت وتيرة المعارك على المحور الجنوبي الغربي لمدينة حلب، دون غياب للاشتباكات المتقطعة والاستهدافات المدفعية لمواقع المسلحين في غابة الأسد والراشدين الرابعة والخامسة. وأكدت مصادر ميدانية في حديثها إلى «الأخبار» أن «الجيش والحلفاء يعدّون لتوسيع المعركة في المحور الجنوبي الغربي»، مشيراً إلى أن هذه العملية المرتقبة ستؤمن «ضبط مسار تحرك المسلحين في مراحل متقدمة، وستبعد خطورة أي هجوم على مدينة حلب، من المحاور التي شكلت في السابق خاصرة ضعيفة».
وأدت معارك المنطقة إلى مقتل أحد المسؤولين العسكريين في «جيش الفتح» المدعو عبد الكريم المحمد الملقّب بـ«أبو فارس»، فيما أورد «المرصد» المعارض حصيلة خسائر مجموعات «جيش الفتح» خلال المعارك الأخيرة، التي اشتملت على «مقتل 260 مسلحاً من (جبهة النصرة) و(الحزب الإسلامي التركستاني) وبقية الفصائل، بينهم 90 عنصراً غير سوري، إضافة إلى 12 انتحارياً فجّروا أنفسهم، ضمن آليات مفخخة». وبالتوازي، واصل الجيش استهداف مواقع المسلحين ومخازن ذخيرتهم في الأحياء الشرقية، بهدف استنزافهم عسكرياً وإجبارهم على الاستسلام، بالتزامن مع استمرار العروض القائمة على المسلحين، للدخول في تسوية وفق الشروط التي طرحتها المبادرة الروسية.
وفي العاصمة دمشق، سُجّل سقوط عدد من قذائف الهاون على منطقة السومرية، أطلقت من مناطق ضمن الغوطة الغربية، وأدت إلى استشهاد شخصين وجرح 5 آخرين. يأتي ذلك بالتزامن مع مواصلة الجيش السوري قضم مواقع جديدة خلال تقدمه في محيط مخيم خان الشيح، الأمر الذي انعكس سلباً على حرية تحركات المسلحين وأجبرهم على التنقل ضمن الأنفاق. ويزيد تقدم الجيش المتواصل الضغط على المسلحين المحاصرين، وهو ما قد يفضي مع الوقت إلى قبولهم بشروط التسوية، خاصة مع إشراف قوات الجيش الناري على عمق البلدة بشكل كامل، ومن مختلف المحاور. وتوضح مصادر عسكرية سورية أن تأخر عملية إخراج المسلحين من خان الشيح، يعود إلى «رفضهم الخروج نحو مدينة إدلب، في ضوء إهدار دمهم في الشمال تحت تهمة عدم مناصرة مسلحي داريا قبل التسوية، ومطالبتهم بتسوية تقضي بإخراجهم نحو المنطقة الجنوبية والانضمام إلى مسلحي درعا، وهو أمر يرفضه الجيش».
وتضيف المصادر أن تأخر إتمام الاتفاق مع مسلحي خان الشيح، أدى إلى تعثر تسوية المعضمية، إذ «يحفز الوجود العسكري للمجموعات المسلحة في خان الشيح، الرغبة في البقاء لقرابة 200 مسلح في مدينة المعضمية لم تعقد تسوية معهم بعد، على الرغم من دخول عناصر من الشرطة السورية إلى القسم الغربي من المدينة».
أما في درعا، فاستهدفت وحدات من الجيش مواقع للمسلحين كانت تقوم بعمليات رصد وتحصين في مخيم النازحين وحي الكرك، ما أدى إلى مقتل عدد منهم وإصابة آخرين، وتدمير دشم رشاش شمال صوامع الحبوب، في بلدة اليادودة، في ريف درعا. كذلك استهدف الجيش تجمعات المسلحين ومقارّهم في خربة عوادية، على الأطراف الغربية لمخيم النازحين في درعا.
وفي اللاذقية، استهدفت 4 غارات جوية روسية مواقع المسلحين في تلة الخضر، قرب كباني في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، بالتزامن مع غارتين جوتين شنهما الطيران السوري، ضد تحصينات المسلحين في تردين، في ريف المدينة الشرقي.
وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن إحدى مقاتلاتها من طراز «ميغ ــ 29 كاي» تحطّمت أثناء محاولتها الهبوط على حاملة الطائرة «اميرال كوزنيستوف» في مياه البحر المتوسط قبالة الشواطئ السورية. وقال الوزارة في بيان نشرته وكالات الأنباء الروسية إن المقاتلة تحطمت بسبب «عطل فني»، على بعد كيلومترات قليلة من حاملة الطائرات، غير أن «الطيار تمكن من مغادرة المقاتلة وانتُشل ونُقل الى السفينة». وأوضحت أن الطائرة كانت تشارك في طلعات تدريبية، مشيرة إلى «استمرار عمليات تحليق المقاتلات من حاملة الطائرات، طبقاً لمجموعة من المهمات».