انحسرت الجبهة المعارضة للتسوية الرئاسية بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وتكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة. تسعى القوى السياسية إلى المشاركة في الحكم وإعطاء فرصة للعهد الجديد حتى يبان خيره من شرّه. إضافةً إلى استغلال المناصب الوزارية من أجل التحضير للانتخابات النيابية. في طرابلس فريقان سياسيان رفضا التسوية ولن يكونا حاضرين في مجلس الوزراء: الرئيس السابق نجيب ميقاتي (صوّت في المقابل للحريري) ووزير العدل المستقيل أشرف ريفي (كان يُصر قبل أسبوع من الانتخابات الرئاسية على أن لديه معلومات تؤكد أن عون لن يُنتخب). يلتزمان الصمت الإعلامي، على العكس من قنوات تواصلهما الفعالة جداً. الكوّة التي فُتحت في الجدار بينهما كانت انطلاقاً من الإنماء. لم تظهر بعد بوادر جدية للتحالف الانتخابي، إلا أنّ مصادر في فريق عمل ريفي ترى أنّه «لا يوجد إنماء من دون سياسة». تُساند هذه المعلومة نتائج آخر استطلاع رأي أُجري في طرابلس قبل قرابة أسبوعين من الانتخابات الرئاسية، أبدت خلاله قواعد ميقاتي وريفي عدم معارضتها لأي تقارب بينهما. الفريقان لا يزالان يحصران التواصل بينهما بالشأن الإنمائي، بيد أنهما لا يغلقان الباب على أي تحالف ممكن في السياسة. التوقيت لا يزال غير مناسب لحسم هذا الأمر، بانتظار تبلور أداء الحريري بعد تسلّمه رئاسة الحكومة ورؤية ما سيكون عليه قانون الانتخابات.

على جبهة ريفي، «العلاقة مع ميقاتي ممتازة على الصعيد الشخصي. الاتصال الإنمائي الأول بينهما كان حول ملف الكهرباء في المدينة الذي من المتوقع أن تتبلور نتائجه في المرحلة المقبلة»، بحسب مصادره. يُدرك ريفي أنه إذا أراد توجيه رسالة إلى الحريري بأنه لا يستطيع أن يطوقه، عليه أن «يستفزه» بالتواصل مع رئيس الحكومة السابق الذي قبِل التكليف في وقت كان كرسي الرئاسة الثالثة يُسحَب من تحت الحريري وهو في جولة أميركية. الحديث عن تقارب سياسي بين ابنَي المدينة لا يزال مبكراً، «ولكن لا شيء يمنع أن يتلاقيا، خاصة أنهما الأقوى في طرابلس». شرطا النجاح السياسي في عاصمة الشمال هما «الخدمات والخطاب السياسي المعارض لحزب الله (أو ما يُطلق عليه ريفي تسمية المشروع الإيراني)». لا يستطيع ميقاتي «أن يجاري ريفي في هذا الخطاب، خاصة ضد حزب الله والنظام السوري». ولكن من الممكن أن يتقاسم الرجلان الأدوار، «يتولى ريفي شدّ عصب الناس في السياسة، في حين أنّ ميقاتي يغطي الشق الخدماتي»، الذي لا يزال يُمثل الخاصرة الرخوة للواء المتقاعد.
على الضفة الأخرى، يعتبر المستشار السياسي لميقاتي، خلدون الشريف أنّ «الحديث عن تشكيل جبهة معارضة لا يزال مبكراً في كل لبنان، وليس فقط في طرابلس». يقول إنّ «الكل ينتظر خطوات العهد الجديد، فالناس تعبت وهي تتطلع إلى حركة إنتاجية تُفعلها الحكومة. يوحي عون والحريري بأنّ لديهما مشاريع جاهزة، العبرة في التنفيذ». أما بالنسبة إلى التحالف مع ريفي، فالتأكيد بدايةً أنّ «ميقاتي هو الأكثر تحرراً في صياغة التحالفات لأنه لم يكن يوماً مرتبطاً بأجندة إقليمية، بل مرتبطاً بشارع ينتمي إليه»، هو نفسه الشارع الذي «يدوزن» ريفي خطابه حسب ما يشتهي. العلاقة مع وزير العدل «غير مقطوعة، ولكن لم يتخللها حديث عن تحالف انتخابي بعد». أما مع الحريري، «فتطور العلاقة مرتبط بأدائه وأداء حكومته تجاه قضايا الناس وطرابلس تحديداً»، يقول الشريف الذي يصف الانتخابات المقبلة في الفيحاء بأنها «معركة وجود لكل السنّة الذين لا يدورون في فلك الحريري».
نتائج آخر استطلاع للرأي أجري في طرابلس، لم تُقرّب حصراً بين جمهوري ميقاتي وريفي. فهي بينت أيضاً أنّ اللواء المتقاعد لا يزال متصدراً شعبياً (بحسب أكثر من مصدر في المدينة)، يُقابله تقدّم لميقاتي في حين أنه لم يطرأ أي تغيير على نسبة التأييد التي يحظى بها الحريري. يُثلج هذا الأمر قلب ريفي الذي لا يعتقد، كما يُنقل عنه، أنّ الناس ستتأثر إيجاباً بعودة ابن رفيق الحريري إلى السلطة، «انعكاس ذلك سيكون محدوداً».
الملعب الوحيد الذي يستخدمه ريفي حالياً للتعبير عن آرائه هو «تويتر» بهدف «التذكير بين وقت وآخر بالثوابت والمبادئ»، فيبدو ملكياً أكثر من الملك. كلامه موجه حصراً لانتقاد حزب الله وسياسة المحور الذي ينتمي إليه، وهو حين يطرح الأسئلة المتعلقة بهيبة الدولة يوجهها فقط إلى رئيس الجمهورية مستثنياً الحريري. المعلومات تقول إنّ ريفي تلقّى رسالة من السعودية مفادها أنّه «يمكنك انتقاد حزب الله بالقدر الذي تريد ولكن من غير المسموح الهجوم على الحريري». إلا أنّ مصادر ريفي تضع «صمته» في إطار أنّ «المرحلة حالياً هي للترقب والانتظار حتى رأس السنة. لا نريد أن نكون معارضة لمجرد المعارضة، فالناس تعبت». خلافاً لما درج عليه، يريد ريفي أن يمنح السلطة الجديدة «فترة سماح». يُدرك أنه على المستوى السياسي «ليس من المنتظر أن يتبدل الكثير، فلننتظر». ولكن ربما «بالإمكان تحقيق القليل على مستوى الخدمات، رغم الأشهر القليلة الباقية قبل الانتخابات».
الواقعية السياسية هي التي تحكم مقاربة ميقاتي وريفي لمستقبل العلاقة بينهما. لا يقفلان الباب على أي تعاون، فإنّ «الإنماء» قادر على كلّ شيء. يجمعهما التباعد السياسي حالياً مع الحريري والنائب محمد الصفدي. في حين أنّ آل كرامي يُفرقون بينهما، لكون ريفي يعتقد أنّ الإرث السياسي لهذه العائلة معقودٌ لمعن كرامي لا للوزير السابق فيصل كرامي حليف ميقاتي. البر الوحيد الذي يرسو عليه ريفي هو المجتمع المدني الطرابلسي، «أي كلّ شخص خارج إطار التنظيمات السياسية». هو الحليف الثابت الوحيد الذي «بإمكانه إنتاج وجوه جديدة وشابة».