بين معركتَي تلعفر والموصل، يقبع رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، بين نارهما. ففي الأولى، يرفض أن يقدّم «انتصاراً» جديداً لقوات «الحشد الشعبي» باستعادتهم تلعفر، أما الثانية، وهي مأزقه الأكبر، فإنه ليس قادراً، حتى الآن، على إعادة ضبط إيقاع المعركة، وفق رؤيته، طبقاً لمعطيات الموصل الميدانية.

وعلى جبهة تلعفر، يتعرّض العبادي لضغوط كبيرة من الولايات المتحدة وتركيا، وفق مصدر مطّلع، تقضي بمنع دخول «الحشد» إلى تلعفر واستعادتها، وسحب راية النصر منها، تلبيةً لرغبة واشنطن وأنقرة الرافضتين لمنح «الحشد» المزيد من الانتصارات، في معركة يعتبرها الطرفان معركتهما ضد «الإرهاب».
وترى المصادر أن «المشكلة الحالية تكمن في وضع العبادي فيتو على دخول الحشد إلى المدينة، وهو أشبه بفيتو الفلوجة»، مكررة أن «رئيس الحكومة يريد أن يسند مهمة استعادة المدينة إلى الجيش العراقي، بعد أن يُسقط الحشد كامل خطوطها الأمامية، ويحكم حصارها»، وهو أمر أكّدته مصادر أخرى، رفيعة المستوى، قالت إلى «الأخبار»، إنه «تم توكيل الفرقة 15 في الجيش للدخول إلى تلعفر». وتلفت المصادر إلى أن «التقدّم الذي حققته القوات منذ بداية المرحلة الثالثة من عمليات غرب الموصل، كان مذهلاً، وأسرع مما نتوقع»، مشيرةً إلى أنها «تتقدّم حالياً باتجاه المدينة».

العبادي يحذّر من العودة إلى مشاريع التقسيم السابقة في المحافظات

وبحسب تقديرات «غرفة العمليات المشتركة»، فإن عدد مسلحي التنظيم في تلعفر يبلغ 2000 مسلح، جُلّهم أجانب انتقلوا من الموصل إلى المدينة. وقد وزّعت قيادة «داعش» دفاعاتها على ثلاث جبهات، واتخذت من وسط المدينة مركزاً لها، وأصدرت أوامر أوجبت فيها «الاستماتة في القتال».
في موازاة ذلك، فإن فرق الهندسة، التابعة لـ«الحشد»، تواصل عمليات تطهير محيط مطار تلعفر العسكري، حيث زرع مسلحو «داعش» هناك مئات العبوات الناسفة. بدوره، حاول «داعش»، أمس، استعادة المطار، فأرسل عدداً من الأرتال، غير أنه فشل في ذلك، وتضيف المصادر أنه «كان لافتاً، وللمرة الأولى تحويل مسلحي داعش السلاح الثقيل كمضادات الطائرات (عيار 57) ليعمل ضد الأفراد».
وإن كانت عُقدة تلعفر في طريقها إلى الحل، فإن مدينة الموصل في تعقيد متزايد، ومتواصل بشكلٍ تصاعدي، إذ تشير مصادر مطلعة إلى أن الحديث عن استعادة الموصل «ليس بالقريب حالياً... وسيأخذ الأمر وقتاً طويلاً».
وتشير المصادر إلى أن «جهاز مكافحة الإرهاب يواجه مشاكل ميدانية كثيرة، بعدما تكبّد خسائر فادحة في العدّة والعديد»، إضافة إلى «تمكّن داعش من غَنْم الكثير من تجهيزاتهم في الأحياء الموصلية الشرقية». وتأسف إلى أن «ما يزيد تعقيد العمليات، وجود الأهالي في الموصل، فالعبادي يرفض خروجهم، فيما يستخدمهم داعش كدروع بشرية». وتنقل مصادر أخرى حضرت اجتماعاً في «غرفة العمليات المشتركة» قول قائد العمليات إن «مقاتلي داعش يقاتلون بالرشاشات الثقيلة والمدافع والهاونات، والأطفال يلعبون إلى جانبهم كرة القدم»، مضيفةً أن «هناك حركة مدنية داخل المدينة، والأميركي ممتنع عن ضرب مواقع التنظيم، الذي نشر عدداً من الأسلحة الثقلية داخل تلك الأحياء».
بالتوازي مع عراقيل الميدان، فإن العبادي أمام فخٍّ جديد، وقع فيه قبل أوانه، أي «مرحلة ما بعد الموصل». إذ إن تراشقاً سياسياً، وحماوةً هي سمة العلاقة بين بغداد وأربيل، حالياً. فبعد تصريحات رئيس إقليم كردستان، مسعود البرزاني، النارية، جاء ناريّاً بدوره ردُّ رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، إضافةً إلى بيان آخر من مكتبه.
وحذّر العبادي من «العودة إلى مشاريع التقسيم السابقة في إدارة المحافظات»، باعتبار أن «هذه السياسة وما رافقها من فوضى وتنازع في إدارة تلك المحافظات كانت السبب في سقوطها بيد داعش». وأضاف أن «مواطني المحافظات المذكورة يرفضون هذه السياسة ومن يتبناها»، في وقتٍ قال فيه بيان «توضيحي» إن «الاتفاق بين بغداد وكردستان يدعو تحديداً الى انسحاب قوات البيشمركة... من المناطق المحررة بعد تحرير الموصل، وتلك التي كانوا يسيطرون عليها قبل شنّ عمليات تحرير الموصل».
ويأتي موقف بغداد رداً على تصريحات للبرزاني قال فيها إن «قوات البيشمركة لن تنسحب من الأراضي التي حررتها من تنظيم داعش في محافظة نينوى»، مضيفاً أن «الاحتفاظ بهذه الأراضي يأتي بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع الحكومة العراقية والولايات المتحدة».
(الأخبار)