يدور القمر في مدار بيضاوي تقع الأرض في أحد مركزيه. ولأن المسار بيضاوي (elliptical)، فهذا يعني أن المسافة الفاصلة بين الأرض والقمر ليست ثابتة كما في المسار الدائري، بل تراوح هذه المسافة بين حد أقصى يبلغ 406 آلاف كيلومتر وحد أدنى يبلغ حوالي 356 ألف كيلومتر. يكمل القمر دورته حول الأرض كل 28 يوماً ما يعني أن مرور القمر في هاتين النقطتين الأبعد والأقرب هو حدث دوري يتكرر مع كل شهر قمري. وبسبب هذه الدورة، واختلاف موقع القمر بالنسبة للأرض والشمس، يظهر لنا القمر في أوجه مختلفة خلال الشهر مراوحاً بين المحاق والهلال والبدر لأننا نستطيع أن نرى فقط الجزء المضيء المواجه لنا وللشمس في الوقت عينه. ومع دوران القمر حول الأرض واختلاف موقعه بالنسبة للشمس تتغير نسبة الأجزاء المضاءة منه والمرئية لنا.


حركة دورية

للقمر حركة دورية أخرى هي دورته حول نفسه، وتستهلك هذه الدورة أيضاً 28 يوماً تماماً مثل دورته حول الأرض. لذلك يبلغ طول النهار القمري شهراً قمرياً كاملاً. ويسبب تزامن هذه الدورة مع دورة القمر حول الأرض ظهور وجه واحد فقط من سطح القمر بالنسبة لنا فيما يبقى الجزء الآخر غير مرئي دوماً لأنه على الجهة العاكسة للأرض.
وقد يتزامن اقتراب القمر من أقرب مسافة له من الأرض مع فترته المعتمة أو خلال كونه هلالاً، إلا أن ذلك لا يثير أي اهتمام مستجد وهو يحصل كما قلنا دورياً كل 28 يوماً، لكن مصادفة اقتراب القمر من الأرض ضمن مداره البيضاوي مع اكتماله بدراً بسبب مواجهة سطحه المضيء للأرض والشمس معاً، تجعل من هذا البدر القريب ظاهرة تثير اهتمام المراقبين. وكانت المرة السابقة التي حصلت فيها هذه الظاهرة قبل 14 تشرين الثاني 2016 التي تابعها الكثيرون في لبنان والعالم في 26 كانون الثاني 1948، وسوف تتكرر مجدداً في 25 تشرين الثاني 2034.
ولا بد من الإشارة إلى أن تسمية "القمر العملاق" هي تسمية شعبية رائجة، أما الاسم العلمي الدقيق لهذه الظاهرة، فهو "حضيض القمر واقترانه مع الأرض والشمس"، إذ إن الحضيض هو اقتراب القمر من أقرب موقع له بالنسبة للأرض، بينما الاقتران هو وقوع القمر على الجهة المعاكسة للشمس بالنسبة لكوكب الأرض. أما سبب الاهتمام الشعبي الزائد بهذا الموضوع، فيعود إلى الأساطير والمعتقدات المرتبطة بالتنجيم و"العلوم" الزائفة والشعوذات المرتبطة بالفلك، التي ربطت في أساطيرها اكتمال البدر وسطوعه بتصرفات البشر وتقلباتهم ما جعل الظواهر القمرية دوماً مادة للتداول والتخيلات.

التغيرات المرئية صغيرة

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك على بعض المواقع التي تمتلكها قنوات إعلامية عربية كبيرة مقالات وصور تكثر من المبالغة في متابعة هذه الظاهرة حيث يخال المتابع غير المزود بالمعطيات والأرقام أنه سيرى في السماء قمراً عملاقاً فعلاً، إلا أن الأرقام الحقيقية المرتبطة بهذه الظاهرة تظهر أن قطر "القمر العملاق" أكبر بحوالي 8% من معدل قطر القمر في الأيام العادية، فيما لا تزيد قوة سطوعه إلا بحوالي 16% فقط. وهذه التغيرات تكاد تكون غير ملاحظة بالنسبة للناظر العادي لولا المتابعة الإعلامية التي سبقت تلك الظاهرة، وخاصة أن رؤية القمر وسط خلفية سماء سوداء لا تسمح بمقارنته بأجسام أخرى قريبة وبالتالي تضعف قدرة النظر المجرد على ملاحظة الفروق الصافية في حجمه الظاهري. وفي لبنان تحديداً ترافقت ظاهرة "القمر العملاق" مع غيوم وضباب حجبا الكثير من سطوع القمر ما يقلل من إمكانية ملاحظة الفارق في حدة السطوع. وبرغم أن العديد من وسائل الإعلام العربية عرضت أرقاماً أكبر من هذه المذكورة هنا، إلا أن تلك الأرقام تستند في مقارنتها الى حجم القمر عندما يكون في أبعد نقطة عن الأرض، أي في أصغر وضعية له بالنسبة للناظر من الأرض، وأوردتها كأنها مقارنة بالمعدل الطبيعي لحجم القمر. أما على الصعيد التربوي، فقد واكبت بعض المدارس والجامعات ومحطات الرصد في لبنان هذه الظاهرة، فوجهت "تلسكوباتها" صوب القمر لرؤية سطحه ومحاولة ملاحظة هذه التغيرات، وهو ما يزيد من الفضول العلمي ويشجع على المزيد من البحث والمتابعة بين الطلاب، بعكس التقارير والتغطيات القائمة على مبالغات غير مستندة إلى علوم دقيقة.

قطر "القمر العملاق" أكبر بحوالي 8% فقط من معدله في الأيام العادية

تأثيرات طبيعية على كوكب الأرض

تأثيرات القمر على الظواهر الطبيعية على سطح الأرض محدودة، إلا أن أبرزها ظاهرة المد والجزر التي تنتج من ارتفاع مياه المحيطات والبحار وتراجعها. ويؤدي اقتراب القمر إلى نقطة الحضيض وانتظامه في خط مستقيم مع الأرض والشمس إلى ارتفاع قوة الجاذبية القمرية على الأرض، ما يرفع من منسوب المد في المحيطات، لكن هذا التغير بسيط ويقاس عادة بالسنتيمترات فوق المعدل الطبيعي للمد. إجمالاً تعد تأثيرات حركة القمر هامشية في تأثيراتها على سطح الكرة الأرضية وهي غير مرتبطة على الإطلاق بالكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين وحركة الصفائح التكتونية في باطن الأرض كما هو السائد في بعض المفاهيم العامة الخاطئة. وهذه الخلاصات جرى تأكيدها في أبحاث علمية منشورة وموثقة سواء من قبل وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" ونظيراتها الأوروبية والروسية، أو من مراكز الأبحاث التابعة للعديد من الجامعات.

القمر يستحق المراقبة

يتكوّن سطح القمر من المواد الكيميائية نفسها التي يتكوّن منها سطح الكرة الأرضية، وتنتشر عليه مجموعة تضاريس قاسية من جبال وأودية وحفر عميقة وهي كلها أكثر حدة من تلك الموجودة على الأرض، كما أن غياب الغلاف الجوي للقمر يسهل من وضوح رؤية سطحه. ويعود سبب وجود تلك الحفر إلى سقوط نيازك كبيرة على سطحه على نحو مباشر بسبب غياب الغلاف الجوي كالذي يحمي الأرض من هذه الأجسام، ويفتتها عادة قبل اصطدامها بسطحها. ومن المعروف أن القمر هو الجسم الفضائي الوحيد الذي توجهت إليه مركبات فضائية مأهولة سابقاً ونزلت على جانبه المرئي لنا بعد سنوات من الرصد والدراسات لسطحه، فيما تستعد دول أخرى اليوم لإرسال رواد فضاء إلى الجانب الآخر منه. وفي المستقبل يمكن أن يمثّل سطح القمر مكاناً مناسباً لإنشاء قواعد فضائية تستعمل كمنصة للإنطلاق نحو كواكب أخرى، أو بهدف إجراء مراقبات وأرصاد أخرى للفضاء كما تفعل الأقمار الاصطناعية اليوم. لذلك من الجميل والمثير للاهتمام سواء للطالب أو للمشاهد العادي مراقبة سطح القمر من خلال تيليسكوب صغير مثل ذلك المتوافر في معظم الجامعات، أو المعروض للبيع بأسعار مقبولة، كما يمكن مشاهدة السطح حتى بواسطة المنظار العادي المتنوفر للاستعمالات المدنية، لكن من المهم التذكر بأن تلك المشاهدات سوف تكون تقريباً نفسها، سواء كان القمر "عملاقاً"، أي قريباً نسبياً من الأرض، أو بعيداً عنها لقلة الفارق في المسافات. وفي الحالتين، على سطح القمر ما يستحق المشاهدة.