القامشلي | الحسكة | حاول سوريون عديدون إيجاد تصنيف لكلّ من الحسكة والقامشلي يقرّب للزائر سبب اختلافهما الشديد عن مناطق المعارضة على تلاوينها ومناطق الدولة السورية.

خليط هجين من الفروقات السياسية والديموغرافية والعسكرية تجمع هاتين المدينتين.
الجميع هنا ضد «الجيش الحر» وإن كان «علمانياً»، وطبعاً ضد التنظيمات الإسلامية. قوّتان تقاطعتا وتناحرتا على مرّ سنوات الحرب، حتى فرضت «الإدارة الذاتية» نفسها على معظم معالم المنطقة. ورغم تصويب «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي سهام انفتاحه على جميع «المكوّنات» (حتى الأحزاب الكردية المعارضة له)، ظلّت إداراته ومؤسسات تخضع لحكم اللون الواحد.

استيلاء «هيئة التعليم في الإدارة الذاتية» على 1115 مدرسة

المرور في الشوارع يأخذك بسهولة إلى مشهد من مشاهد يوم هادئ من حرب لبنان في أزقة بيروت. الرايات واللباس وأسماء المحال تأخذك إلى التقسيم الأوتوماتيكي، وفي حالة «الجزيرة» السورية: كردي/ عربي.
في أحد أسواق القامشلي، ينتشر عدد من المحال الصغيرة التي تبيع «القيمر» (يُصنع من حليب الجاموس ويؤكل مع العسل أو المربى). الوجبة الشهيرة التي تتميّز فيها المنطقة، تدلّ على المتغيّرات الحاصلة. الخبز الساخن الموزّع من الفرن القريب تلفّه أوراق من الكتب المدرسية حسب المنهاج الرسمي. هنا قرّر الأكراد اعتماد منهاج خاص وأتلفوا كل الكتب «العربية السورية» في مناطقهم... إلّا ما استلحقه بعض الدكانين توفيراً للأوراق.
مشهد كلمات كتاب التربية حول الطاولة يأخذك إلى القطع الثقافي الحاصل. قرّر الحزب الكردي الحاكم الذهاب بعيداً في تحصيل كل مشروعية ممكنة، واليوم تجري سريعاً مراحل بناء «المؤسسات»، وتُحرق خطوات في سبيل «تكريد» المنطقة.
هذه المسألة يستشعرها السكان العرب القاطنون في الأحياء المختلطة أو الصافية، حيث حكم «الأسايش» (الشرطة الكردية).

منهج عدد 2

هذا «الحكم» تظهّر باستيلاء «هيئة التعليم في الإدارة الذاتية» على 1115 مدرسة، فيما تدير «مديرية التربية» السورية 600 مدرسة في المرحلة الابتدائية. أما مدارس التعليم الإعدادي والثانوي فهي تحت سطوة الدولة السورية بشكل كامل، ويبلغ عددها 529 مدرسة متوزعة في كامل المحافظة. الإقبال الكبير على المدارس الخاصة التي تطبق المنهاج الحكومي، بالإضافة إلى المدارس الواقعة تحت سيطرة الدولة، ضاعف عدد الطلاب في الشعب، التي وصلت إلى 90 طالباً في الصف في مدرسة العذراء.
وهذا ما دفع مديرية التربية إلى إحداث دوام مسائي لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلاب وضمان استمرار تعليمهم، في وقت تكاد فيه مدارس «الإدارة الذاتية» تخلو حتى من أبناء بعض المسؤولين «الذين يوجّهونهم نحو المدارس الحكومية، بحسب ما يردده هنا المواطنون الكرد. ويتهم الكثير منهم «الإدارة الذاتية» بأن 5000 معلم، الذين تم تجهيزهم لتدريس المناهج الجديدة، لا يحمل معظمهم سوى شهادة الإعدادية ولا يملكون أي مؤهلات تعليمية، بالإضافة إلى عدم وجود أي غطاء قانوني للمناهج الجديدة.

ساحات ورايات

ساحتا الرئيس حافظ الأسد في كل من القامشلي والحسكة لا تزالان الساحات الرئيسية في كِلا المدينتين، فيما ركّز «الأسايش» حواجز لهم بجانب دواري «باسل الأسد» في حي المطار في القامشلي، وحي غويران في الحسكة من دون المساس به.
شرطة المرور التابعة للحكومة تنتشر عند دوار الرئيس وعلى امتداد شارع الوحدة في القامشلي، وعلى مقربة منهم ينتشر عناصر المرور الكردية.
كل ساحة تميّزها راياتها، من العلم إلى ألوان «كردستان» وصور القائد الكردي عبدالله أوجلان ولوحات «وحدات حماية الشعب».
السيارات المتنقلة بين هذه «المعمعة» الثقافية يجب أن تسجّل لدى كلّ من «السلطتين»، وتدفع رسوماً سنوية للجهتين، كما تنتشر بشكل كبير سيارات من دون لوحات، وأخرى تحمل لوحات محلية «قامشلو، سري كانيه (رأس العين)، تربه سبي (القحطانية)»!
الطرق البرية الواصلة إلى المحافظة معظمها كان مغلقاً، وكان المدخل الوحيد للبضائع هو معبر «سيمالكا» على الحدود مع «كردستان العراق». بعد سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية» على مدينة منبج وسيطرة «درع الفرات» على جرابلس وريفها، فُتحت الطرقات مع بقية المحافظات، وعادت البضائع لتصل بشكل منتظم إلى المحافظة. وصول البضائع يتعرض لشروط كردية تفرض على التجار، عبر تأمين سيارات لنقل البضائع من منبج أو مبروكة، أو نقلها عبر آليات تابعة لمديرية «النقل» الكردية، بحجة منع استخدام هذه الآليات لتهريب السلاح والانتحاريين.

الرواتب

الحكومة السوريّة لا تزال تتكفل برواتب الموظفين، من بينهم من يعمل ضمن «الإدارة الذاتية»، كما لا تزال الخدمات الطبية والأدوية تصل إلى المشافي، بما فيها الواقعة تحت سيطرة «الإدارة الذاتية»، بالإضافة إلى التكفل بصيانة خطوط المياه والكهرباء والاتصالات. لكن توفير «الأمان» لا ينسحب على «التقديمات» المعيشية.
فالتفجيرات التي طاولت أحياء عدة في مدينة القامشلي، من بينها مطاعم وأماكن عامة، دفعت أصحاب المطاعم إلى وضع حرّاس مدنيين مسلّحين، أو إغلاق الأبواب من الخارح وعدم فتحها إلا للمعروف من قبل الإدارة، خشية تكرار تجربة تفجير مطعمي «ميامي» و«كبرييل» في ليلة رأس السنة الميلادية الفائتة. هذا الإجراء يظهر على نحو كبير في حيّ الوسطى في القامشلي، حيث الأكثرية الآشورية والسريانية والأرمنية.

معارك عسكرية وثقافية ناجحة



تعدّ محافظة الحسكة من أواخر المحافظات التي دخلت الصراع المسلح في الحرب التي تعيشها البلاد. الثاني عشر من شهر تشرين الثاني من عام 2012 كان موعد سقوط مدينة رأس العين بيد «الجيش الحر» و«جبهة النصرة» الآتيين من الحدود الإدارية لمحافظة الرقة. قلّة عدد وعتاد الجيش والقوة الأمنية السورية في المحافظة، دفعت بالقيادة للتفكير بتسليم المدن الشمالية لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية، التي كان أوّل ظهور لها في مدينة رأس العين، عندما منعت «الحر» و«النصرة» من السيطرة على الأحياء الكردية في المدينة، وسرعان ما انتشرت في مدينتي الدرباسية وتل تمر في ريف الحسكة الغربي، ومن ثم تسلّمت مدن «المالكية ورميلان وعامودا» وكامل الشريط الحدودي مع تركيا. إلا أن الكرد حتى الآن يرون أن ما جرى كان بفعل ثورة دفعت بـ«النظام» الى الانسحاب من كافة المدن باستثناء الحسكة والقامشلي. كذلك، سقطت لاحقاً مدينة الشدادي وجبل عبد العزيز وتل براك والهول وتل حميس بيد «النصرة» و«الجيش الحر» مطلع عام 2013.
بعد عام على سقوط رأس العين، نجح الكرد في استعادة السيطرة عليها بشكل كامل، والإعلان عن تشكيل «الإدارة الذاتية» لتنظيم شؤون المناطق المسيطر عليها من قبل «الوحدات» الكردية، والإعلان عن تشكيل «مجلسين» تنفيذي وتشريعي.
أسقط الكرد لاحقاً كلمة «مؤقتة» على مجالسهم وبدأوا يتحدثون عن «الإدارة الذاتية» كحالة أمر واقع، وجرى تأكيد ذلك من خلال انتخاب شخصية عشائرية بارزة، هي شيخ قبيلة شمر حميدي دهام الهادي، حاكماً لـ«مقاطعة الجزيرة» في تموز من عام 2014. في هذه الأثناء كان الكرد قد توسّعوا في معظم مدينة القامشلي، مع سيطرة على عدد من الأحياء في مدينة الحسكة، وبدأوا يطبقون قوانين استحدثتها «الإدارة الذاتية» على مناطق تنتشر فيها الدولة السورية. فجرى إدخال «اللغة الكردية» إلى المنهاج الدراسي لعام 2013-2014، قبل أن يجري تأليف منهاج كامل باللغة الكردية للطلاب في المرحلة الابتدائية من الصف الأول حتى الصف الثالث في العام الدراسي 2014/ 2015. وتطور المنهاج هذا العام ليصبح منهاجاً باللغات الثلاث (الكردية، العربية، السريانية) للطلاب من الصف الأول حتى الخامس، مع خطة بأن يشمل الطلاب حتى الصف التاسع في العام المقبل، بالإضافة إلى استحداث قوانين للسير، وتشكيل قوات أمن محلية، فيها أقسام خاصة بتنظيم المرور، بالإضافة إلى سن قانون للخدمة الإلزامية («قانون الدفاع الذاتي») دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول من عام 2014. جرى كل ذلك بالتزامن مع استحداث مؤسسات خدمية للمياه والاتصالات والكهرباء والطاقة والتعليم والبلديات، بالإضافة لمحاكم خاصة سميت «محكمة الشعب». ليتمكنوا بعدها من السيطرة على كل من تل حميس واليعربية وتل براك بعد معارك مع «داعش»، بالإضافة إلى السيطرة على جبل عبدالعزيز والهول والشدادي، ليسيطروا بذلك على معظم محافظة الحسكة، باستثناء بلدة مركدة على الحدود الإدارية مع ديرالزور، وبقع جغرافية صغيرة تشهد حضوراً للجيش في الحسكة والقامشلي وريفهما.
وخاض الكرد معارك مع الجيش السوري و«الدفاع الوطني»، في محاولة إثبات سلطتهم على مدينة الحسكة. أولى المعارك كانت في آذار 2014، نجح خلالها الكرد بالسيطرة على مدخل الحسكة الشمالي ومعظم الأحياء الشمالية للمدينة، كما استفادوا من هجمات «داعش» على الجيش السوري في حزيران من عام 2015، ليسيطروا على معظم الأحياء الغربية والشرقية (الغزل، العزيزية، الحي العسكري، النشوة الغربية، دولاب العويص)، قبل أن يتمكنوا من السيطرة على قرابة 90 في المئة من المدينة، بعد شن هجمات على مواقع الجيش في الأحياء الجنوبية في كل من غويران والنشوة الشرقية والليلية، والسيطرة عليها في آب المنصرم. التقدم الميداني، تزامن مع تطور المشروع الكردي، الذي أعلن في منتصف آذار الماضي عن مشروع فدرالي، في محاولة لاستنساخ تجربة « البرزاني» شمال العراق، وفرض أمر واقع جديد، بالاستفادة من السيطرة الميدانية على مساحة تزيد على 15 بالمئة من الجغرافية السورية، في محافظة يبلغ عدد سكانها مليونين ومئة ألف نسمة، وتقدّر نسبة الكرد فيها بقرابة 30 في المئة، يتركزون في كل من القامشلي وعامودا والدرباسية.




النفط بـ«حلة» جديدة!

فقدت محافظة الحسكة تواصلها مع بقية المحافظات بعد سيطرة «جبهة النصرة» على كل من مدينة رأس العين في الحسكة وبلدة الكنطري في ريف الرقة الشرقي في نهاية عام 2013. واعتمدت المحافظة طيلة عام 2013 على المحروقات المكرّرة محليّاً، من آبار النفط التي سيطر عليها مسلحو «الجيش الحر» و«النصرة» في ريفي ديرالزور والحسكة، ما تسبّب بوفاة أكثر من 200 شخص أثناء أعمال التكرير، أو نتيجة وجود الغاز بشكل كبير في المحروقات التي تستخدم للتدفئة كالكاز والمازوت.
ومع سيطرة «الوحدات» الكرديّة على مدينة رميلان النفطية، نجحت باستيراد ثلاث مصافٍ متوسطة الحجم إلى حقول رميلان، وبدأت بإنتاج المازوت والبنزين، وبيعها في محطات الوقود، وتفعيل العمل بمعظم محطات الوقود الخاصّة في المحافظة. وإلى جانب آبار رميلان، لا تزال بعض الآبار التي تكرر النفط محلياً، في منطقتي اليعربية وتل حميس وريف رميلان، التي تسيطر عليها قوات «الصناديد» التابعة لـ«حاكم الجزيرة» الشيخ حميدي دهام الهادي، والتي تكرّر نفطاً، يطلق عليه محلياً «سوبر»، أي مكرّر مرتين.
وتبدأ عملية التكرير المحلي بملء خزانات كبيرة بالنفط الخام، وتوضع إطارات في أسفلها لأجلِ إشعالها، وبعد وصول النفط إلى درجات مرتفعة، تُسحَب المحروقات المُنتجة عبر أنبوب يوضع في أسفل الخزان، وينتج من العملية البنزين والمازوت والكاز، بحسب لون المادة المستخرجة وثقلها.




حصن الحسكة «فوج كوكب»

يتمركز الجيش السوري في قرية كوكب، 12 كم شرق مدينة الحسكة. ووسط القرية يقع جبل كوكب الذي يرتفع أكثر من 350 متراً عن سطح الأرض، ويحكم الجبل المدينة نارياً بشكل كامل، ويتّخد مراكزه كلّ من اللواءين 121 و123 التابعين لـ«الفرقة 17». وهو يساعد على إشراف الجبل الناري على أرياف المدينة بهدف منع المسلحين من التمركز في الريف القريب، وأسهم بشكل فاعل في استهداف مسلحي «داعش» خلال هجماته على الأحياء الجنوبية للمدينة في تموز وآب من عام 2015.