"شوفي كيف قاعدين فوق رأسنا. بعد ناقص يقعدوا ببيوتنا".

تتأفف صاحبة إحدى المنازل المحاذية للجدار الإسمنتي، الذي بدأ الجيش اللبناني بتشييده حول مخيم عين الحلوة. ترمق بحنق، برج المراقبة، الذي ارتفع تسعة أمتار فوق الجدار المرتفع ستة أمتار، تضرب كفاً بكف، قائلةً: "كيف بدي أقعد بحريتي؟ كيف بدي إشلح حجابي؟".
يقضي المخطط العسكري بأن يبقى عدد من الجنود في أبراج موزعة على طول الجدار المحاذي للأحياء السكنية في المخيم. الجنود سيرتفعون في السماء، لكنهم سيكونون على مسافة قريبة فوق رؤوس المقيمين على الأرض. يسود شعور بالتهديد والرصد المستمرين، كأن أهل المخيم في دائرة الشبهة المستمرة. شعور ولّد احتجاجات بلغت حد الاعتصام قبل أيام ضد الأبراج. استجابت قيادة الجيش للاعتراضات وأبعدت البرج الأول المنجز حتى الآن ثلاثة أمتار، من دون حسم وجهة بناء الأبراج الأخرى المنتظرة: هل تبتعد إلى الخلف، أم تبقى في النقاط المقررة منذ البداية فوق رؤوس الناس؟

سيرتفع الجدار في المرحلة الاولى من درب السيم حتى دوار السرايا

قصة الجدار ليست جديدة. بحسب مصادر أمنية داخل المخيم، فإن استخبارات الجيش في الجنوب أبلغت ممثلي القوى والفصائل الفلسطينية في عام 2012 بنيّة الجيش بناء الجدار كزنار حول المخيم، بحجة ضبط المعابر غير الشرعية والأمن وحركة الدخول والخروج وإدخال الأسلحة والممنوعات.
يمتد الجدار الإسمنتي بمحاذاة أوتوستراد صيدا، ويلتف، بحسب توزع البيوت، من موقع الجيش عند دوار السرايا مروراً بمحاذاة أحياء خط السكة والجورة الحمرا وملعب أبو جهاد الوزير والزيب والغوير وحطين حتى درب السيم، ثم يلتف شرقاً مع حدود المخيم إلى جبل الحليب وسيروب والفيلات والفوار، بطول يزيد على الكيلومترين.
لم يكن تمويل المشروع جاهزاً، لذلك غاب الحديث عنه طوال أربع سنوات، حتى في ذروة الاضطرابات الأمنية في داخل المخيم وصيدا. لكن فجأةً، بدأت الآليات بالتجمع في أيلول الماضي لتشرع بتجهيز المكعبات الإسمنتية ويبدأ الحفر نهاية الأسبوع الماضي. الورشة تقوم على حفر أساسات عميقة في الأرض لصبّ المكعبات منعاً لحفر الأنفاق والتسلل من تحته. بحسب المصادر، تشمل المرحلة الأولى من المشروع تشييد الجدار لناحية أوتوستراد الجنوب - صيدا من درب السيم حتى دوار السرايا، الذي يستغرق أشهراً عدة، ولكن تتضارب المعلومات بين القوى الفلسطينية حول إكمال الطوق حول كامل المخيم في مرحلة ثانية.
"الانتفاضة" على الجدار لم تغادر صفحات التواصل الاجتماعي والأحاديث الخاصة والمواقف الهادئة للقيادات الفلسطينية. يقول قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني اللواء صبحي أبو عرب إن "ما يجري هو بالتنسيق بين الجيش والقوى الفلسطينية". فيما نفت قيادات أخرى علمها المسبق، منها مسؤول الجبهة الديموقراطية في المخيم فؤاد عثمان، الذي يقيم بمحاذاة الجدار المنتظر. ينتقد عثمان "عدم مراجعة الجيش للقوى الفلسطينية قبل الشروع ببناء جدار الفصل أو العزل لضمان عدم وقوع احتكاك مباشر بين الأهالي والجيش". وقال إن خطة عام 2012 "كانت تقتصر على الجدار من دون الأبراج". يعبّر عثمان عن بالغ قلقه من اقتراب الجنود من البيوت السكنية. "الجيش أصبح داخل خط التماس، وأصبح بمواجهة مباشرة معهم"، مبدياً خشيته من تعرض أحد الأبراج "لقنص يُدخل المخيم برمته في معركة مفتوحة".
يقول عثمان إن المخيم سيصبح جزيرة معزولة، "كأننا في المعتقلات". يتساءل إن كان الجدار هو المعالجة المثلى للأمن؟. "الأمن مدخله الاجتماع، الحق في العمل، وإقرار الحقوق المدنية والإنسانية والاجتماعية".
انطباعات الأهالي كانت أقسى. المقارنة بين جدار عين الحلوة وجدار الفصل في الضفة الغربية كانت مشتركة. في البقعة الأكثر اكتظاظاً (مئة ألف نسمة في كيلومتر مربع و200 متر)، البناء فيه عمودي. عائلات تتشارك الأكواخ. الخنق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لا يفكّه إلا النظر إلى السماء الزرقاء. "الجدار الإسمنتي سيحرمنا حتى السماء". على صفحات بعض شبان المخيم، انتشر وسم " نعم للهجرة من لبنان"، و "تعودنا". أحدهم كتب: "دخلك هيي موقفة عشقفة حيط؟ هني خانقين أبونا عالطلعة والنزلة هويات، شي بيقرف". وآخر كتب: "كل يوم، يثبتون لنا أن الهجرة هي الحل الوحيد. هجرونا وخلصونا من سما لبنان". اليأس استفحل بأحدهم: "صرعتونا بأننا ضيوف ضيوف، خلص كبونا بالبحر. ناقص يمنعوا الأذان حتى تكمل". تساءل أحدهم: "هلق صار مع الدولة مصاري حتى تعمر سجناً؟".