صيغة جديدة تضمن خروج أحياء حلب الشرقية من دائرة النار حملها المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا إلى دمشق أمس. المبادرة المعدّلة لم تلقَ أذناً صاغية في دوائر القرار السوري على خلاف الصيغ السابقة التي كانت محل أخذ وردّ وفُرضت هدن متكررة في المدينة، لعلّ مجلس الأمن والدول الراعية تصل إلى توافق ما يخرج حلب المدينة من الصراع المسلح.

هذه المرة، كانت دمشق وحلفاؤها متسلحين بفشل كل جولات وقف النار السابقة، وبالتوظيف السياسي لـ«الصبر الميداني» الذي صرفوه مقابل مهل إضافية للدول الراعية للمسلحين في الضغط عليهم وإيجاد تسوية تضمن خروج «جبهة النصرة» ومن يرغب خارج المدينة. وكما جرت العادة، جاء الاقتراح الأممي الجديد متزامناً مع اندفاعة للجيش السوري وحلفائه في حلب ومحيطها مقروناً بفشل ميداني للمجموعات المسلحة في المنطقة.
لكن هذه المرة، لم تحقق زيارة دي ميستورا لدمشق، أمس، هدفها المتمثل بالحصول على قبول ــ ولو مبدئي ــ بمبادرة تسوية «معدّلة» عن خطة إخراج عناصر «جبهة النصرة» من مدينة حلب، التي طرحت عقب فشل اتفاق جنيف الروسي ــ الأميركي.
رفض المبادرة جاء مباشراً وحاسماً. خرج وزير الخارجية السوري وليد المعلم، عقب اجتماعه والموفد الأممي، ليعلن رفض بلاده لجزء المبادرة الذي يتضمّن احتفاظ أحياء حلب الشرقية بشكل من أشكال «الإدارة الذاتية» عن طريق ترك الشؤون الإدارية والخدمية والأمنية فيها لـ«المجلس المحلي» المعارض. في المقابل، رحّبت دمشق بخروج «جبهة النصرة» من المدينة، وأكدت استعدادها لتسوية تضمن للمدنيين البقاء في أحيائهم، وللمسلحين خيار البقاء بعد تسليم أسلحتهم أو مغادرة الأحياء الشرقية نحو إدلب أو تركيا.
وقد تشير صيغة الحسم برفض المبادرة الأممية، والتأكيد على قبول تسوية سبق أن رفضتها فصائل الأحياء الشرقية بالكامل على مدى التهدئة الإنسانية الأخيرة، إلى أن خيار دمشق وحلفائها الحالي والراسخ، هو المضي في عمل ميداني على جبهات حلب ومحيطها، يفضي إلى حسم مصير بعضها وتحضير بعضها الآخر لقبول النسخة الروسية من التسوية. وتستند مقاربة دمشق والحلفاء إلى معادلة واضحة تقول بأنه تم استنزاف جميع فرص التهدئة، بعد رفضها من الفصائل المسلحة شرق المدينة. إذ التزمت القوات العسكرية بفترة التهدئة بشكل منضبط، بالتوازي مع وقف للطلعات الجوية فوق المدينة ومحيطها القريب، برغم هجوم «جيش الفتح» العنيف، الذي تم التصدي له على تخوم الأحياء الغربية. إضافة إلى فشل جهود التعاون الروسي ــ الأميركي بعد تعليق «اتفاق جنيف» بينهما، وإصرار موسكو على أولوية «فصل النصرة عن المعتدلين» في أي تسوية تخص مدينة حلب.
ويتضمّن رفض المقترح تأكيد دمشق المستمر على عدم شرعية «المجلس المحلي» أو أي إدارة «محلية» أخرى في المدينة، تسعى الأمم المتحدة إلى فرضها وتعزيز حضورها القانوني عبر اتفاق يضعها في موازاة الحكومة السورية. ولا يبدو موقف دمشق من هذا الموضوع، بعيداً عن حليفتها موسكو التي أعلنت بوضوح على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية، ماريا زاخاروفا، أن «المجلس المحلي في حلب هو لعبة بيد الإرهابيين... إذ منحت فصائل غير شرعية حق التحكم بمقدرات حياة المدنيين، من أجل كسب ولائهم عبر الابتزاز»، مذكرة بأنه لا وجود أصلاً لممثل وحيد، في ضوء وجود «هيئتين تديران الجزء الشرقي من المدينة، الأولى من مدينة غازي عنتاب التركية، والأخرى من مدينة الأتارب». وفي هذا الإطار، اعتبر الوزير المعلم أن مقترح «الإدارة الذاتية» يعدّ «مكافأة للإرهابيين الذين ما زالوا يطلقون قذائف عشوائية على غرب حلب»، مضيفاً أنه «في ما يتعلق بخروج المرضى والجرحى من شرق حلب، قدمنا ثلاث فرص بهدن متتالية لكي يتم إخراج هؤلاء. مع الأسف، لم يسمحوا لهم بالخروج». وأشار إلى أنه «لا بد بعد خروج المسلحين من عودة مؤسسات الدولة الخدمية والأمنية»، موضحاً أنه أبلغ دي ميستورا ترحيب بلاده «بمقترح خروج الإرهابيين من شرق حلب، بغض النظر عن اختلافنا حول أعدادهم».

تتزامن المبادرة مع عودة التصعيد الأميركي تجاه دمشق وموسكو

ولا تبدو زيارة دي ميستورا، لدمشق، خارج السياق السياسي المألوف، في وقت تكتمل فيه تحضيرات كبيرة يعدّها الجيش السوري وحلفاؤه في المدينة ومحيطها. إذ إن نظرة واحدة إلى المسار الذي سلكته المبادرات الأممية خلال العام الماضي، مع ربطها بخريطة الميدان، تكفي لإظهار حضورها الدائم في مواعيد مناسبة لإجهاض أي تقدم ميداني محتمل لدمشق وحلفائها، وإعطاء مهل إضافية للفصائل المسلحة لتحسين موقعها وإمكاناتها.
وتتزامن المبادرة الحالية مع عودة التصعيد الغربي وتحديداً الأميركي، تجاه دمشق وموسكو وحلفائهما، من بوابة تجريم القصف والغارات الجوية ضد المدنيين. فبينما حذّر دي ميستورا من أن «الوقت ينفد ونحن في سباق مع الزمن» في شرق حلب، معبّراً عن الاستنكار الدولي لحملة القصف المكثف التي تتعرض لها الأحياء الشرقية في المدينة، طالبت المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة سامانثا باور، بـ«وقف فوري للغارات الوحشية التي تقتل الأطباء لا الإرهابيين».
وبالنظر إلى مقترحات دي ميستورا الماضية حول التسوية في مدينة حلب، كان سيظهر أن المقترح الأخير لن يلقى ترحيب دمشق وحلفائها. إذ إن مبادرته التي جرى العمل عليها بداية العام الجاري وتبلورت في مطلع شباط، حول تجميد القتال في مدينة حلب، لقيت اعتراضاً مماثلاً من دمشق، التي كانت تعدّ العدّة حينها للبدء بمعارك الطوق الشمالي لمدينة حلب، وصولاً إلى نبّل والزهراء، بسبب إصرار الجانب المعارض حينها على تجميد القتال في مجمل الريف الحلبي لا المدينة فقط.
يومها، أكد مصدر سوريّ رفيع لـ«الأخبار» (العدد ٢٥١٢) أن «توسيع رقعة التجميد لتشمل الريف الحلبي، يعني عملياً إراحة المعارضة والسماح لها باستغلال قواتها الموجودة في حلب ونقلها إلى مناطق قتال أخرى، إضافة إلى الاعتراف بنوع من الحكم الذاتي والشرعية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة»، وهو ما ترفضه الحكومة السورية.
وتعدّ المبادرة الأخيرة لدي ميستورا نسخة مطوّرة عن الاقتراح الذي خرج به خلال مؤتمر صحافي، في خضمّ حملة التصعيد الغربية ضد موسكو في مجلس الأمن، وصاغه على شكل نداء إلى عناصر «النصرة» بأنه «مستعد لمرافقتهم إلى خارج المدينة في حال كان ذلك كفيلاً بوقف الغارات الجوية».
يومها، تلقّفت موسكو المبادرة وحملتها إلى مجلس الأمن، في وجه مشروع قرار فرنسي ــ إسباني يدعو إلى وقف غير مشروط لإطلاق النار في حلب. وأعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، عن تأييد بلاده لهذا المقترح، مضيفاً أنها «ستعمل على إقناع الحكومة السورية بالموافقة على انسحاب مسلحي (جبهة النصرة) بأسلحتهم إلى مدينة إدلب». وأشار في الوقت نفسه إلى أنه «يجب على المسلحين الراغبين في البقاء في حلب، التبرؤ علناً ورسميّاً من (جبهة النصرة) والتنسيق مع الأجهزة السورية الحكومية لضمان الأمن هناك». وفشل الاقتراح حينها في تحصيل توافق دولي أو حتى على مستوى الأطراف المنخرطة بشكل مباشر، إذ رفضت الفصائل المسلحة المشروع بالمطلق، وأعلنت «الحكومة المؤقتة» التابعة لـ«الائتلاف الوطني» قطعها التعاون مع دي ميستورا على خلفية مقترحه.
(الأخبار)