منذ تسعينيات القرن الماضي، ترسّخ نموذج اقتصادي في لبنان يقوم على تمويل الاستهلاك العام والخاص بواسطة الدين وتحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج وتدفقات الاموال الموجّهة نحو المضاربات العقارية والمالية والاستثمارات السياحية. في ظل ذلك، ارتفعت مديونية الدولة (الحكومة ومصرف لبنان) من أقل من 3 مليارات دولار الى أكثر من 120 مليار دولار حالياً، وكذلك ارتفعت مديونية الاسر وشركات القطاع الخاص الى نحو 60 مليار دولار، ما يعني أن المجتمع اللبناني بات رازحاً تحت عبء مديونية مباشرة تبلغ 180 مليار دولار، أي ما يمثل 352% من حجم الاقتصاد (مجمل الناتج المحلي). هذا العبء يشكّل، في المقابل، مصدر الربح الوحيد للمصارف، إذ تكفي الاشارة إلى أن حجم الفوائد المقبوضة عبر المصارف بلغ في العام الماضي نحو 9.8 مليارات دولار (أعيد توزيع نحو 6.6 مليارات دولار منها الى كبار المودعين واحتفظت المصارف بنحو 3.2 مليارات دولار بالإضافة الى نحو 622 مليون دولار من العمولات الصافية).

بدلاً من الانكباب على معالجة الوضع الناشئ بسبب ذلك، يعمد مصرف لبنان عبر ما يسمّى "الهندسة المالية" (الجارية حالياً) الى الذهاب أبعد ومراكمة المزيد من المخاطر، فهذه "الهندسة" حققت للمصارف أرباحاً استثنائية (تقارب خمسة مليارات دولار) وزادت مديونية الدولة (دفعة واحدة) بنحو 10 مليارات دولار... وكذلك أغرقت السوق بسيولة إضافية بالليرة تقدّر بنحو 24 ألف مليار ليرة، يجري حالياً امتصاصها مجدداً بأدوات الدين العام، ما يعني المزيد من الارباح والمزيد من الأعباء.

القروض التعليميّة والجامعيّة بلغت 157 مليون دولار

115 مليار دولار موظّفة لدى الدولة

يمكن لأي كان ملاحظة الاعلانات المنتشرة حالياً على الطرقات وشاشات التلفزيون وصفحات الجرائد والمجلات. تدعو هذه الاعلانات الناس إلى الاقتراض بالليرة من المصارف، كما لو أنها الحل لكل المشاكل، لا بوصفها المشكلة الأهم والأكثر ثقلاً. لا تكشف هذه الاعلانات عن منتج جديد أو وضع ناشئ، بل تكشف عن عمق الازمة ومستوى المخاطر التي باتت ترتّبه على المقيمين في لبنان.
فالمصارف اعتادت أن توظّف موجوداتها بالطرق السهلة والمضمونة وذات العوائد المرتفعة، التي تمثلها أدوات الدين العام (سندات خزينة وشهادات إيداع وودائع لدى مصرف لبنان)، وبحسب الاحصاءات حتى منتصف هذا العام، بلغت موجودات المصارف نحو 200 مليار دولار، منها ودائع بقيمة نحو 154 مليار دولار. توظّف المصارف نحو 77 مليار دولار منها لدى مصرف لبنان (بالليرة والدولار) ونحو 38 مليار دولار في سندات الدين (سندات خزينة ويوروبوندز)، أي إن 115 مليار دولار من موجودات المصارف موظّفة عبر الدولة وتبلغ كلفة خدمتها على المجتمع اللبناني نحو 7.5 مليارات دولار سنوياً.
إلا أن كلفة خدمة أرباح المصارف وكبار المودعين لا تقتصر على المديونية العامة، بل تشمل أيضاً المديونية الخاصة، التي بلغت حالياً أكثر من 60 مليار دولار، معظمها يتركّز في قروض السكن والبناء والشركات العقارية والانشطة المتصلة بها، وهو ما يحذّر منه الخبراء، إذ يرفع مستوى مخاطر التركّز بشكل مقلق، ويضع النظام المصرفي برمته رهينة المضاربات العقارية ومستوى الاسعار المرتفع.
بحسب تقرير حديث أعدّه بنك لبنان والمهجر، فقد نمت القروض المصرفية للشركات الخاصة والأسر بنسبة 2.4% منذ بداية عام 2016 حتى شهر تموز الماضي، ووصلت إلى 59.32 مليار دولار أميركي.
بحلول تموز 2016، حصدت القروض الشخصية (الافراد) الحصة الأكبر من إجمالي القروض الممنوحة، وبلغت نسبة 32.4%، ومثّلت 37% من الناتج المحلي المقدّر، ما دفع مصرف لبنان المركزي إلى إحياء تعميمه الرقم 369 الصادر منذ عام 2014، لناحية إصدار لوائح أكثر صرامة بشأن قروض التجزئة، فيما حصدت قروض المقاولات والبناء نسبة 19% من إجمالي القروض، تليها قروض التجارة بالجملة بنسبة 14.9%، ومن ثمّ قروض الصناعات التحويليّة بنسبة 9.6%، وبعدها قروض تجارة التجزئة بنسبة 6.1%، تليها قروض العقارات والإيجارات وخدمات التوظيف بنسبة 5.7%، ومن ثمّ قروض النقل والمستودعات والاتصالات بنسبة 2.9%، وأخيراً قروض الفنادق والشقق المفروشة والمطاعم بنسبة 2.7%.

قروض الافراد
القروض السكنيّة وصلت إلى 11.54 مليار دولار

ارتفع إجمالي قروض الافراد بنسبة 7% حتى تموز 2016، ووصل إلى 19.21 مليار دولار أميركي، علماً بأن القروض السكنيّة تمثل أكثر من نصف قيمة إجمالي القروض الفرديّة، وهي نمت بنسبة 5.7% منذ بداية العام حتى تموز 2016، ووصلت إلى 11.54 مليار دولار أميركي. إلى ذلك، تمثّل قروض الاستهلاك الحصّة الثانية الأكبر ضمن إجمالي القروض الشخصية، بنسبة 28.9%، وهي نمت بنسبة 14.1 عن العام الماضي ووصلت إلى 5.56 مليارات دولار أميركي بحلول تموز 2016، تليها قروض السيارات مع حصّة بلغت نسبة 6.7% من إجمالي القروض الشخصية، علماً بأنها الفئة الوحيدة بين القروض الشخصية التي انخفضت بنسبة 4.5% عن السنة الماضية، ووصلت إلى 1.29 مليار دولار أميركي حتى تموز 2016، نتيجة السياسة المفروضة من مصرف لبنان والقاضية بدفع 25% من قيمة أي سيارة، للاستحصال على قروض. إلى ذلك مثلت قروض بطاقات الائتمان نسبة 3.3% من إجمالي القروض الفرديّة، وهي نمت بنسبة 0.6% ووصلت إلى 633 مليون دولار أميركي. أمّا بالنسبة إلى القروض التعليميّة والجامعيّة فقد استحوذت على نسبة 0.8%، وهي نمت أيضاً بنسبة 4.7% وبلغت 157 مليون دولار أميركي.

قروض المقاولات والبناء

في عام 2016، تعافى نشاط البناء نسبياً، ما انعكس تالياً على القروض الممنوحة لهذا القطاع، علماً بأن ما يشهده هذا القطاع هو أقرب من كونه تعديلاً على الأنشطة، من كونه انتعاشاً في القطاع. شهد القطاع السكني، على سبيل المثال، تعديلاً في مواصفات المشاريع المشيّدة حديثاً، التي أضحت قريبة من طلب السوق الموجّه نحو الوحدات الصغيرة، والدليل انخفاض مساحات البناء المرخّص لها، من 8.22 ملايين متر مربّع في آب 2015 إلى 7.93 ملايين متر مربّع في آب 2016. مع الإشارة إلى أن عدد رخص البناء بحسب نقابة المهندسين في بيروت وطرابلس ارتفعت من 9814 رخصة من تموز عام 2015 إلى 11289 رخصة في تموز 2016. وهو اتجاه طبيعي وخصوصاً أن الناتج المحلي الإجمالي ينمو بنسب ترواح بين 1 و2% خلال السنوات الست الأخيرة.
ووفقاً لإحصاءات المصرف المركزي، تمثّل قروض المقاولات والإنشاءات الحصة الثانية الأكبر ضمن إجمالي قروض المصرفية للقطاع الخاص، بنسبة 18.7%، علماً بأنها نمت بنسبة 3.9% ووصلت إلى 11.26 مليار دولار منذ بداية العام حتى تموز 2016. إلى ذلك، حصدت قروض المقاولين السكنيّة نسبة 3.8% من إجمالي قيمة قروض المقاولات والبناء ونمت بنسبة 12.1% ووصلت إلى 2.48 مليار دولار حتى تموز 2016، فيما حصدت قروض المقاولين التجاريّة نسبة 5.9% من إجمالي قيمة قروض المقاولات والبناء ونمت بنسة 4.9% ووصلت إلى 3.56 مليارات دولار حتى تموز 2016. إضافة إلى ذلك، نمت قروض مواد البناء بنسبة 0.5% منذ بداية العام حتى تموز 2016 ووصلت إلى 309 ملايين دولار خلال الأشهر السبعة الاولى من العام، فيما تراجعت قروض بناء الملاعب والمراكز الرياضيّة والمجمّعات السكنيّة بنسبة 1% ووصلت إلى 90 مليون دولار أميركي، وكذلك قروض بناء المصانع والمعامل بنسبة 1.6% ووصلت إلى 46 مليون دولار أميركي، وقروض بناء المسالخ والمطاحن والمصانع التي انخفضت بنسبة 9.8% ووصلت إلى 16 مليون دولار حتى تموز 2016.

قروض التجارة بالجملة

تشغل قروض التجارة بالجملة، المرتبة الثالثة، بين القروض الممنوحة عام 2016، بحصة بلغت 14.9%؛ وفي تفصيل للقروض الممنوحة ضمن هذا القطاع، فقد حصدت قروض المواد الغذائيّة والمشروبات نسبة 18.7% من إجمالي قروض التجارة بالجملة، وهي انخفضت بنسبة 3.8% منذ بداية العام حتى تموز 2016، ووصلت إلى 1.66 مليار دولار أميركي. وترافق مع ذلك، انخفاض بنسبة 1.6% بنسبة القروض الممنوحة لمخازن المواد الغذائيّة التي وصلت إلى 265 مليون دولار أميركي حتى تموز 2016. ونتيجة انخفاض أسعار النفط عالمياً، تأثرت حصّة قروض المنتجات النفطيّة التي انخفضت بنسبة 12.1% منذ بداية العام ووصلت إلى 705 ملايين دولار أميركي، علماً بأنها تمثّل 8% من إجمالي قروض تجارة الجملة.