مقدمة:
عمار: لا نمدّ يدنا إلا لقوى مستقلة مدنية لم تتحالف مع قوى الفساد خلال السنوات العشر السابقة

غالباً ما كانت دائرة بيروت الأولى تحظى باهتمام واسع من الأحزاب السياسية والمواطنين لعدة أسباب: أولها أن الأمر يتعلّق بالعاصمة، وثانيها لأن الدائرة هي بارومتر دقيق للمزاج الشعبي، وثالثها النوستالجيا التي تحفرها بيروت في ذاكرة المواطنين والسياسيين على حدّ سواء. لذلك، اكتسبت المعركة الانتخابية فيها طابعاً سياسياً حادّاً بخلاف بقية الأقضية التي امتزجت فيها العائلية بالانتماء الحزبي، ما أدى في معظم المناطق الى توزع حزب واحد على أكثر من لائحة ومنافسة نفسه. والخوف من خسارة البلدية يومها، قاد الى تحالف أحزاب واسع للمرة الأولى من تيار مستقبل الى تيار وطني حر وقوات وكتائب وغيرهم لمنع اختراق حصن السلطة. أما اليوم، فمجرد اتفاق تيار المستقبل والتيار الوطني الحر على رئاسة الجمهورية والحكومة من جهة، وإعلان النوايا المشترك بين العونيين والقواتيين من جهة أخرى، يؤكد بما لا شك فيه أن مشهد البلدية سيطغى على الانتخابات النيابية المقبلة في دائرة بيروت الأولى. وهو ما سيقود مجدداً الى تحالف وثيق بين هذه القوى السياسية بعكس المرات السابقة، حيث كانت تخاض الانتخابات بلائحتين مضادتين وحرب بالأسلحة البيضاء.

نحاس: سنواجههم في مختلف الساحات

يفترض بما سبق أن يحسم الانتخابات باكراً على اعتبار أن لائحة أهل السلطة ستنجح بالتزكية، والمحدلة الحزبية ستكون كفيلة بإطفاء أصوات بعض الأفراد المعترضين على اختزال العاصمة بممثليهم. هذا في المبدأ، إلا أن "بيروت مدينتي" و"مواطنون ومواطنات في دولة" وبعض المرشحين المستقلين؛ من أبرزهم القيادي السابق في التيار الوطني الحر زياد عبس، يجتهدون اليوم لتنغيص أحلام الأحزاب السياسية بالتزكية وجرّها الى معركة انتخابية أقسى من معركة البلدية، ولو أنها غير متكافئة من حيث المال والنفوذ السياسي. المشروع ليس اعتباطياً ولا "لعب ولاد"، فالاجتماعات بين أطراف المعارضة لتبادل الخبرات ومحاولة إرساء مبادئ مشتركة ورؤية واضحة من أجل خوض الانتخابات النيابية على لائحة واحدة، كفيلة بهزّ الأحزاب السياسية مجدداً ومضاعفة استفراسها على المجتمع المدني. وهو ما بدأه فعلياً عبس منذ نحو شهر عبر جمع الوزير السابق شربل نحاس بأعضاء من "بيروت مدينتي"، لتكثف الاجتماعات بعدها ويخرج الدخان الأبيض. المعارضون على ثقة بأن "السلطة ستكثف جهودها لابتكار انتخابات، في حال تقرر إجراؤها، على قياسها”، وعبس سيخوض الانتخابات على لائحة مشتركة ـــ إن وجدت ــــ ومنفرداً إذا تطلب الأمر.

قسم كبير من البيروتيين يأمل ترشح مجموعات شبيهة ببيروت مدينتي إلى الانتخابات النيابية

على ضفة الوزير السابق شربل نحاس، أصلاً "لا ثقة بأن الانتخابات ستحصل في موعدها ولا ثقة في إنتاج السلطة لنظام انتخابي يسمح بتوليد سلطة سياسية شرعية تتمتع بحرية الحركة". وهنا يهم "مواطنون ومواطنات في دولة" بلسان نحاس التأكيد أن المواجهة تنقسم الى شقين، الأول هو عبارة عن مواجهة سياسية حول النظام الانتخابي. فالأهم من الانتخابات، وفقاً لنحاس، هو الموقف السياسي من النظام الانتخابي. وحتى الساعة، النظام "عقياسن ويشرّع تمديدهم لأنفسهم مرتين". واقعياً، لا يأمل الوزير السابق تغييراً، لكن ذلك لا يعني "أننا سنترك لهم الساحة". فبنظره، دولتهم "دولة قائمة على ائتلاف طوائف يتسجل فيها الناس قسراً هي دولة لا يمكن أن يكون لديها الحدّ الأدنى من الفاعلية". وهو ما يقود المواطنين الى "عدم التصرف كمواطنين بل كأعضاء منضوين في منظومات سياسية مسماة طوائف". لذلك "سنواجههم أولاً بطرح سياسي وطني ونحن نعمل على وضع تصور لنظام انتخابي يحصر علاقة المواطن بالدولة من دون المرور بالطائفة". أما في ما يتعلّق بالانتخابات بحد ذاتها، فالتعامل معها سيتم "حسب التطورات". الجديد اليوم أو الخرق يتمثل "بالاتصالات الحاصلة مع جميع الأطراف من أجل الوصول الى أوسع كتلة ممكنة للمواجهة من حركة شعب الى بيروت مدينتي الى أفراد مستقلين، والنشاط لن ينحصر ببيروت بل سيمتد الى مواجهة مفتوحة في ساحات مختلفة".

بيروت مدينتي: التعددية قوتنا
نحاس: الأهم من الانتخابات هو موقفنا السياسي وسنواجه النظام بنظام آخر

منذ الإعلان عن لائحة "بيروت مدينتي" البلدية، والشائعات تلفّ الحركة تارة لاتهامها بأنها جزء من فريق 14 آذار، وطوراً لوضعها في إطار الجمعيات الخيرية التي تنفذ مشروعاً خارجياً. ما سبق كفيل بإخراج أي فريق عن طوره ودفعه الى تدمير نفسه عبر الانشغال بردّ الشائعات ونسيان سبب وجوده. وربما أبرز نقاط قوة "بيروت مدينتي" والسبب الرئيسي لنجاحها هو متابعة شبابها عملهم ومشاريعهم وكأن شيئاً لم يكن. العوامل هذه ممزوجة بعوامل أكثر قوة تتعلق بانتقام البيروتيين من زعمائهم وسعيهم لمحاسبتهم ومللهم من السياسة ككل، ساهمت في حصد المجموعة المدنية لأكثر من 30 ألف صوت، وهو أول خرق جدي منذ عشرات السنوات. يومها تكاثرت الانتقادات والآراء حول تضييع فرصة ربح تاريخية على الأحزاب السياسية من خلال تقسيم المعارضة الى عدة لوائح وعدم تعاونها بين بعضها البعض. "بيروت مدينتي" اتخذت قرارها، وهي لن تخوض الانتخابات النيابية بلائحة مقفلة، وفقاً لأحد أعضاء هيئة التنسيق فيها ومنسق الشؤون الانتخابية طارق عمار. فبعد قيام المجموعة بدراسات عديدة، توصلت الى أن الانتخابات "يجب أن تؤمن فرصة وصول قوى سياسية بديلة عبر تضافر جهود القوى المستقلة في إطار وطني جامع لمواجهة طبقة المحاصصة". من هذا المنطلق، ستشجع "بيروت مدينتي القوى المستقلة كافة والأفراد من داخل مجموعتنا وخارجها التي تقدم مشروعاً وطنياً غير فئوي وغير مذهبي، على البناء على تجربتنا وخوض الانتخابات المقبلة في جميع المناطق اللبنانية بما فيها بيروت". طبعاً، المطالبة بقانون عصري يراعي النسبية من المسلمات هنا. أما عدم التعاون مع الأحزاب السياسية وخصوصاً التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، فمن المسلمات أيضاً وفقاً لعمار، لأنه وبكل بساطة "لا نتعاون مع قوى محاصصة تأتي بخطاب طائفي". موقف "بيروت مدينتي" واضح من حيث عقد التحالفات، "فنحن لا نمدّ يدنا إلا لقوى مستقلة مدنية لم تتحالف مع قوى الفساد خلال السنوات العشر السابقة ولا سكتت عنها". وربما إذا ما "تراجعت هذه الأحزاب عن خطابها الطائفي وتغطيتها للفساد سنعيد النظر فيهم وإلا هم بنظرنا اليوم مأساة البلد". وعن الاتهامات حول الجهة التي تقف وراء المجموعة، يقول عمار "أحلى شيء في تجربتنا أنها تمكنت من جمع اليسار واليمين في غرفة مشتركة ولائحة واحدة. نحن قوة مدنية بديلة، تتسلح بتعدديتها لتغيير سلطة المحاصصة المذهبية".
في بيروت اليوم وجهتا نظر، إحداهما تؤكد تأثير الوهج الرئاسي وتحالف الأحزاب السياسية على المزاج الشعبي، وبالتالي ضمان السلطة تمديدها لنفسها بغض النظر عن طبيعة القانون الانتخابي. فيما الوجهة الأخرى تعتبر كل ما سبق عنصراً إضافياً لمضاعفة قرف المواطن ونقمته على الطبقة السياسية التي أفقرته وأذلّته ولا تزال تتاجر به. "بيروت مدينتي" تدعّم بالدراسات وجهة النظر الثانية. 90% تقريباً من البيروتيين باتوا على معرفة تامة بها، وعدد كبير منهم أو بالأحرى غالبيتهم يتمنّون ويأملون أن تترشح قوى مماثلة في الانتخابات النيابية المقبلة. وهو ما دفع المجموعة الى تشجيع تشكيل لائحة مستقلة مع المجموعات الشبيهة لها: “فتحنا طاقة"، يقول عمار، و"الطاقة دحرجت كرة تكبر شيئاً فشيئاً ولا بدّ لها من أن تطيح السلطة السياسية لتستبدلها بالمواطنة".