لم يفلح رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في تفادي الصورة الرباعية اليوم في استعراض الجيش في عيد الاستقلال أو في قصر بعبدا، ولم ينجحا في إعطاء دفع قوي لتأليف الحكومة. وفيما يقف اليوم إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيسان للحكومة، المستقيل تمّام سلام والمكلّف سعد الحريري، فإن الاحتفال بعيد الاستقلال بعد غياب عامين، لن يحجب الغيوم الرمادية، إن لم تكن السوداء التي بدأت تخيّم على العهد في أولى أسابيعه، وعلى العلاقة بين عون وبري والحريري.

فقد كشف تعليق الحريري بعد زيارته بعبدا أمس وردّ بري التوضيحي عليه، جانباً من التوتر القائم، فيما تكفلت المعلومات المتداولة في تظهير صورة قاتمة في شأن الوضع الحكومي. إذ قال الحريري بعد لقائه عون لإطلاعه على مسوّدة ثانية للتشكيلة الحكومية: "نحن متفقون مع فخامة الرئيس على الأمور كافة، وهناك بعض العثرات أصبح معروفاً أين هي، نأمل أن تحل". وأضاف: "من يعقّد معروف، فاسألوه". وردّ بري على الحريري قائلاً: "ليس جواباً على دولة الرئيس سعد الحريري، بل توضيح له، الذي يعرقل هو الذي يخالف الدستور والأعراف وقواعد التأليف، وليس من يحذر من ذلك، وقد يكون الهدف الأبعد الإبقاء على قانون الستين". وبعد ورود "توضيح" برّي إليه، اتصل الحريري برئيس مجلس النواب قائلاً إنه لم يكن يقصده في كلامه عن المعرقل، من دون أن يكشف وجهة سهامه.

معلومات عن تخلّي عون عن مطلب المقعد الشيعي مقابل "شروط"

تشكيلة الحريري ناقصة

عملياً، بعد السجال حول حجم التمثيل القواتي في الحكومة، ظلت العقدة تراوح بين حقيبة المردة والمقعد الشيعي الذي كان عون يصر على أن يكون من حصته، فيما يرفض بري رفضاً قاطعاً التخلي عنه، لتنتقل لاحقاً إلى "حق" فريق 8 آذار في تكبير حصته التمثيلية.
إلا أن تطوراً مسائياً حمل معطىً جديداً، تمثل بمعلومات عن قبول عون التخلي عن مطالبته بمقعد شيعي. وكان رئيس الجمهورية قد حصل صباحاً من الحريري على تشكيلة حكومية معدّلة، لكنها ناقصة، لكونها تتضمن الحقائب والوزراء من دون الوزراء الشيعة. وضمّن الحريري تشكيلته وزيراً سنياً ضمن حصة رئيس الجمهورية، فيما حصل الحريري في المقابل على وزير ماروني، هو غطاس خوري، كما بات معروفاً. وأبقت التشكيلة على حصة القوات والتيار على ما كان عليه الاتفاق بينهما سابقاً، ومع تيار المستقبل لاحقاً، أي إن حقيبة الأشغال أعطِيت للقوات بعدما تخلت الأخيرة عن مطلبها بالحصول على الحقيبة السيادية. علماً أن أجواءً متناقضة حول العلاقة الثلاثية بين التيار الوطني والقوات والمستقبل ظهرت أخيراً. إذ يؤكد فريق من تيار المستقبل أن العلاقة الثلاثية على أفضل ما يرام، وأن الأطراف الثلاثة على تنسيق كامل في ما يتعلق بالحصص الحكومية، وأن الحريري عدّل تشكيلته الثانية بما يتناسب مع هذا التوجه. وفي المقابل، يحاول فريق آخر في المستقبل معزز بأجواء قريبة من قصر بعبدا، الإيحاء بأن المستقبل والتيار مستاءان من تكبير حصة القوات، قياساً إلى حجم كتلتها النيابية.

عقدة المردة

وفيما تسرّبت من تيار المستقبل إشارات إيجابية توحي بانفراج حكومي قريب، ذكرت معلومات أن الاتفاق صار شبه تام على توزع المقاعد المسيحية كالآتي: 2 لرئيس الجمهورية، 3 للقوات، 3 للتيار الوطني، واحد للكتائب، وواحد للحريري، والوزير ميشال فرعون المقرب من القوات والحريري وعون معاً، وواحد للمردة. إلا أن العقدة بقيت في الحقيبة التي يتولاها وزير المردة الذي أُعطي وزارة التربية في تشكيلة الحريري المعدلة. مع أن الرئيس المكلف سبق أن حاول إقناع المردة بهذه الحقيبة، لكن النائب سليمان فرنجية رفض ذلك تماماً. وأكّدت مصادر المردة لـ"الأخبار" أن "من يعتبر حقيبة التربية مهمة، فليأخذها من حصته وليقبل بها هو، لكن نحن لن نقبل بها".

بري و"فترة السماح"

وفي موازاة عقدة المردة، برز تطور آخر على خط عين التينة. فبري الذي يحضر اليوم إلى بعبدا للمرة الثانية، للمشاركة بروتوكولياً في مراسم الاستقبال بعيد الاستقلال، يفصل تماماً بين موقعه رئيساً لمجلس النواب في مناسبة وطنية، وموقعه مفاوضاً أساسياً في تأليف الحكومة. وبحسب المعلومات، فإن بري لن يكتفي بردّه أمس على الحريري، بل إنه يتجه إلى إعلان نهاية "فترة السماح" بعد عطلة الاستقلال، وهو "لن يوفر أحداً، وسيرد على كل من يتناوله، مباشرة، وسيواجه الموقف بالموقف، والتسريب بالتسريب".
مصادر المردة: من يعتبر حقيبة التربية مهمة، فليأخذها من حصته

وتوقفت مصادر من فريق 8 آذار عند واقع أن تكتلاً من 35 نائباً (يضم كتل حركة أمل وحزب الله والمردة والسوري القومي الاجتماعي والبعث والنائبين طلال أرسلان وإميل رحمة) سيتمثل حصراً بخمسة مقاعد شيعية، ومقعد مسيحي للمردة. وتلفت المصادر إلى أن على المعنيين بتأليف الحكومة الالتفات إلى أن كتلتي حزب الله وحركة أمل مجتمعتين تضمّان 27 نائباً، وستحصلان على 4 حقائب ووزير دولة، فيما القوات اللبنانية التي تضم كتلتها 8 نواب ستحصل على 3 حقائب، "وقرروا منحها الأشغال والشؤون الاجتماعية والإعلام ومنصب نائب رئيس الحكومة، إضافة إلى حقيبة للوزير ميشال فرعون". ولفتت المصادر إلى أن بري لن يقبل بأن تكون حقيبتا المال والأشغال خارج حصته، وخاصة أن الكتل الرئيسية احتفظت بحقائبها الأساسية (الخارجية والطاقة والتربية للتيار الوطني الحر، والداخلية للمستقبل الذي "سيرث" أيضاً حقيبة الاتصالات من الوزير بطرس حرب). وتقول مصادر بري إن حقيبة الأشغال لكتلة التحرير والتنمية، وحقيبة ترضي فرنجية شرطان لمشاركة حركة أمل، ومن خلفها باقي فريق 8 آذار، في الحكومة. ولا يخرج بري في هذا الإطار عن التنسيق مع حزب الله، خلافاً لما تقوله أوساط في التيار الوطني الحر عن أن الحزب سيتدخل لخفض سقف مطالب الرئيس بري. وتؤكّد معلومات "الأخبار" أن الحزب لن يتدخل، لا من قريب ولا من بعيد، ولن يضغط على بري، ولن يقبل أن يمارَس أي ضغط عليه، في شأن تشكيل الحكومة أو تغيير موقفه.
في المقابل، أكّدت مصادر في التيار الوطني الحر أن "كل عقد الحكومة جرى حلّها، باستثناء عقدة الرئيس بري الذي سبق أن رضي بالتخلي عن وزارة الأشغال، ثم عاد ليطالب بها". وقالت المصادر: "إذا كان مفهوماً تمسّك برّي بحقيبتي الأشغال والمالية، فمن غير المفهوم تمسّكه بمطالب غيره، وخاصة أن الحقائب الستّ الأساسية (العدل والصحة والتربية والاتصالات والطاقة الأشغال) مقسّمة مناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وبين المسيحيين، فهي موزعة على رئيس الجمهورية والتيار والقوات، فيما لدى المسلمين موزعة على السنّة والشيعة والدروز. وما يطالب به بري يتخطى هذا التوزيع، ليحصل على حقيبة أساسية لحركة أمل، وأخرى لفرنجية". ولفتت إلى أن "تخلي عون عن مطلب الحصول على مقعد شيعي دونه شروط، كمنح هذا المقعد للحزب السوري القومي الاجتماعي".

السعودية وعون

على خط آخر، تلقى عون دعوة من السعودية لزيارة الرياض، حملها مستشار العاهل السعودي أمير مكة خالد الفيصل، الذي زار بعبدا أمس، حاملاً إلى رئيس الجمهورية تهنئة الملك سلمان بانتخابه، ودعوة إلى زيارة المملكة، وعد عون بتلبيتها "مباشرة بعد تشكيل الحكومة"، بحسب ما قال الفيصل. وكان لافتاً اهتمام عون بالضيف السعودي، الذي استقبله في مطار بيروت وزير الخارجية جبران باسيل، ممثلاً رئيس الجمهورية، وودّعه وزير التربية الياس بو صعب. وزار الفيصل بري، ومن ثم الحريري الذي أقام على شرفه مأدبة عشاء.
وألقى عون أمس "رسالة الاستقلال" التي ركّز فيها على وجوب محاربة الفساد، وضرورة تنمية المناطق الريفية الحدودية، "من الشمال إلى الجنوب، حيث يقطن المواطنون الذين يشكّلون الدرع الأول لحماية لبنان". ولفت إلى أن "الوطن لا يحيا فقط بمدنه وضواحيه المكتظة، بل بانتشار سكاني متوازن على مختلف أراضيه".