لا يقطع «معرض الخريف» هذا العام الحبل مع دوراته السابقة، لكنه أيضاً لا يترك نفسه أسيراً للقديم. قفزة نوعية لناحية البرمجة والتحضير، تبرهن أنّ فريق المتحف بإدارته الجديدة، يتمتع بطاقة مدهشة على العمل المنظم المثمر. سنترقب المعرض الثالث والثلاثين بعد عامين. مثلاً، هذا أحد التغييرات الناضجة بالنسبة إلى التوقيت، فمعرض الخريف كان يقام سنوياً. لكن مديرة «متحف سرسق» زينة عريضة وفريق العمل الجديد، يدركان أهمية التمهّل للتحضير وبرمجة الأحداث الفنية الهامة مثل «معرض الخريف»، وفق ما صرّحت عريضة لـ«الأخبار». المجهود الضخم يستنفد كل طاقات فريق العمل المجند لإتمام التحضيرات التقنية منذ وقت. لذا، لا بد من إعطاء المعرض وقته وإقامته كل عامين. كل شيء جديد في ما يخص الترتيبات التي يقدمها المتحف، ذو النظرة الحديثة لبرمجة المعارض والنشاطات الفنية. حتى إن اللجنة التحكيمية لن تبقى هي نفسها، بل ستتغير بكامل أعضائها مع كل معرض خريفٍ جديد، وهذا أمر هام وضروري بلا شك. نجاح المعرض ببرمجته هذه الدورة، لم يستطع التغطية على الألغام والفخاخ التي وقعت فيها اللجنة التحكيمية. لجنة تكوّنت من خمسة أعضاء متنوعي الخلفيات الفنية، لكنَّ أحداً منهم لم يكن من طاقم «متحف سرسق» طبعاً. بقي دور طاقم المتحف تنظيمياً لوجستياً، وبعيداً عن المهمة المباشرة لاختيار الأعمال والتحكيم. مهمة حساسة ودقيقة ألقيت بكاملها على عاتق الأعضاء الخمسة حصراً (ريم فضة، وليد صادق، رشا السلطي، هند الصوفي وكايلن ويلسون ـ غولدي).

ما أنقذ اللجنة عملياً، أعمال متميزة أنجزتها نسبة كبيرة من المشاركين. الفنانون الـ 52 (كان يصل عدد المختارين سابقاً إلى 120 فناناً أو أكثر) قدموا بغالبيتهم أعمالاً جديدة، إذا استثنينا بضع الأسماء المكرسة التي لم تقدم جديداً، لكن تم اختيارها (والحق يقال، مثلها الكثير استبعد)، أو إذا استثنينا أيضاً المصورين الذين بغالبيتهم غرقوا في المألوف والتجاري، ولو كانت بعض المعارض الفوتوغرافية سابقاً قد كرستهم كفنانين/ مصورين، ربما لقلة المنافسة الجدية في لبنان على صعيد فن التصوير، فاستسهل بعضهم «امتهانها». لكن كيف تم الاختيار؟ وما هي العمليات الإجرائية للجنة التحكيمية؟ وكيف وضعت أسس هذه الدورة؟

أرادت اللجنة أن تقدم باقة واحدة موحدة ومتناسقة من مختلف الأعمال المختارة

التمرين الصعب

قصة «معرض الخريف» الـ 32 بدأت فعلياً قبل إعادة افتتاح «متحف سرسق». تشرح مديرة المتحف لـ«الأخبار» بداية التحضيرات: «فريق العمل الجديد وأنا، عملنا منذ سنتين على إعادة إحياء المتحف وقد أصبح أوسع، يتمتع بتجهيزات ومعدات وتسهيلات أكثر من السابق. شكل ذلك فرصة لإعادة التفكير في البرامج بطريقة جديدة وكيفية تطبيق النظرة الجديدة للمتحف، والإفادة من البنية الحديثة وكيفية استعمالها. وكان معرض الخريف بالنسبة إلينا جوهرياً لناحية ثباته والمضي قدماً به. نحن متعلقون بمعرض الخريف، وهو يعني الكثير لمتحف سرسق بشكل خاص، كما الفنانين. كان افتتاح المتحف عام 1961 عبر «صالون الخريف» أو «معرض الخريف»، إضافة إلى كون المجموعة الدائمة الخاصة بالمتحف قد نمت بشكل أساسي بسببه أيضاً».
عريضة المطلعة على وضع الفن البصري في لبنان والمنطقة، لم يفتها أن الفنان في الوقت الراهن يحتاج إلى شبكة متينة من العلاقات كي يعرض أعماله. كما أن وجود منسّق فني يختار أعماله ويقدمه في معرض أو بينالي أو غاليري، أصبح من البديهيات. لذا كانت عريضة وطاقم العمل واعيين لأهمية الدعوة المفتوحة، وهذا ما حصل في هذه الدورة في طريقة استقبال صور الأعمال وطلبات المشاركة في معرض الخريف عبر الإنترنت. تعلّق عريضة: «فكرنا كثيراً في هذه الأمور. حتى قبل أن نفتتح المتحف، كانت هناك طاولة مستديرة للنقاش حول معرض الخريف بالذات. أقمنا جلستين أو ثلاثاً، وفي كل مرة جمعنا 8 إلى 9 أشخاص لنقاش مفتوح، مثل الفنان سمير الصايغ الذي كان طوال سنوات عضواً في لجنة معرض الخريف. دعونا أيضاً السيدة نايلة كتانة ومروى أرسانيوس وكريستين طعمة وغيرهن. كان لدينا الكثير من الأسئلة، وطبعاً ساعدننا كي نتابع في الاتجاه الذي كنا نفكر به أو لنغير قليلاً. ومن القرارات الهامة التي اتخذت، فتح الدعوة المفتوحة على الإنترنت. هكذا نصل إلى أكبر عدد من الفنانين وفي الوقت عينه نسهّل مهمة الفنان، وخاصة لناحية سهولة إرسال الأعمال، ما كان يشكل سابقاً عائقاً حقيقياً لدى كثيرين منهم، وخاصة عملية نقل الأعمال الضخمة أو التجهيزات». وهذا فعلاً ما حصل. استقبل المتحف طلبات المشاركة من 324 فناناً، بعضهم قدم عملين. ثم تم الاتصال بالعديد منهم لإتمام طلبات المشاركة الناقصة. وبعدها، حضّر طاقم المعرض لوائح لكل أعضاء اللجنة بكل الأعمال والفنانين مع بيانهم الفني، ليساعد اللجنة على تتبع المسيرة الفنية لكل منهم، كما لإعطاء الفنان الفرصة لشرح عمله عبر هذا البيان إن أحب، إلى جانب صور عن أعمال سابقة لهم وسيرة ذاتية مختصرة. أرسلت جميعها إلى اللجنة. وكان على أعضاء اللجنة أن يتفحصوها طوال شهر لمناقشتها. وتضيف: «خصصنا يومين للتداول بين أعضاء اللجنة، وأول ما قمنا به هو جمع النتائج منهم. بداية، اطلعنا على الفنانين الذين استبعدهم الأعضاء الخمسة. كان ذلك الفرز الأولي، مستنداً إلى نوعية العمل وما إلى ذلك وكانوا 192 فناناً».
بعدها بدأت الجولة التالية لقراءة الأعمال الـ 132 المتبقية بعمق أكثر ومناقشة تفصيلية، ما أفضى إلى اختيار 52 فقط. تعلّق زينة عريضة: «أتصوّر أن أعضاء اللجنة كانوا واعين جداً للمسؤولية الملقاة على عاتقهم ومدفوعين بضميرهم. كان هدفهم أن يتفقوا ويوحدوا كلمتهم أكثر من أن يفكروا في الأغلبية. كانوا يريدون الوصول معاً إلى إجماع، ما يفسر بشكل أوضح أو يبرر العدد القليل للمشاركين».
مع إعلان النتائج، أصدرت اللجنة بياناً جاء فيه: «إنّ اللجنة على دراية كبيرة بأن تقليص عدد المشاركين في معرض الخريف الحالي إلى أقل من نصف العدد الذي كان عليه في الدورات السابقة، يمكن أن يُرى على أنه إجراء جذري راديكالي. بالإضافة إلى معايير الجودة وأهميتها، سعت اختياراتنا لتضخيم ما نعتبره مجالات القوة من خلال المقترحات بشكل عام، والنظر في كيفية تقديم الأعمال مع بعضها البعض كمعرض موحد».

ألغام وورود

إذاً، أرادت اللجنة أن تقدم باقة واحدة موحدة ومتناسقة من مختلف الأعمال المختارة. فهل كانت كذلك؟ هل كان تقليص العدد بشكل جذري يخدم النوعية فعلاً؟ إذاً، كيف نفسر مشاركة بعض الأعمال على الورق (كانت لها الحصة الكبرى بعد اللوحات في الاختيار) غير الجديرة بمعرض متحفي، وهي أشبه بالبوسترز؟ ألم يكن الأولى أن تحيلها اللجنة ربما إلى معرض آخر كمعرض خاص بالتصميم الغرافيكي؟ لكن على الضفة المقابلة، هناك أعمال ورقية أنقذت الموقف وارتقت به إلى مصاف آخر، كعمل هلا شقير الدقيق والمحيَّك بمهارة، لناحية التكرار «العلاجي» لعيّنة بصرية أشبه بحركة النمل، أو كعملي الشابة أدليتا اسطفان الضخمين المنجزين بقلم الرصاص على ورق، من سلسلة «دوبامين» التي كانت الفنانة قد بدأتها في السنوات الأخيرة. لم تغرق أدليتا في مزاج الفنان العالمي سول لويت الذي تحب، بل استوحت منه هويتها الخاصة ذات الصدقية العالية. ألم يقل لويت نفسه: «كل شخص يرسم الخط بطريقة مختلفة، وكل شخص يفهم الكلمات بطريقة مختلفة»؟ في أعمالها، تبحث أدليتا في صلب التشكيل البصري الخطير الفاصل بين الفن المفهومي، والحركة الذهنية واليدوية للفنان. تحفز المشاهد على الاقتراب واللمس، أو ببساطة، تثير دهشة المتلقي لصبر وأناة الفنانة، التي استطاعت بحركة بسيطة متكررة (على ورقتين بقياس مترين طولاً ومتر ونصف متر عرضاً) أن تنشر عصفها الدقيق المتشابك وتشكل تأليفاً بصرياً متسامٍ. ولا ننسى أيضاً عمل عبير المقدّم الذي تميز عن الأعمال الورقية الأخرى، في اهتمامه بمسألة التأليف البصري وتوزيع المساحة المرسومة فنياً بالرصاص على الورق. وتبرز لوحة ماريا كساب «النصر الأخير» بتقنية الحبر الخضابي الأرشيفي على ورق قطن فني، مثبت على دايبوند. تقدم للرائي رحلة بصرية فريدة أقرب إلى عالم المنمنمات، لناحية التأليف أو اللون، أو ربما تذكرنا بالبحث التشكيلي الأيقوني البيزنطي enlumiure bysantine الذي تأثر به فن المنمنمات العثماني.
هي إذاً زهور كثيرة، وثمار شهية ناضجة قطفتها اللجنة المحكمة، من بين ألغام كثيرة أيضاً، كانت شبه حتمية للجنة بهذا التنوع، ولأعمال فنية مفتوحة على كل التقنيات. لكن الفن التشكيلي استنهض مستوى المعرض إلى حيث يجب أن يكون، ربما لأن نسبة التشكيليين الذين قدموا لوحات يشكلون الأكثرية، فتميزوا.
تقول عريضة: «لطالما كان «معرض الخريف» نشاطاً ثقافياً إشكالياً جدلياً بامتياز. وكنت أعلم منذ بداية تولي إدارة المتحف أن المعرض سوف يكون تحدياً كبيراً للمتحف ولي ولفريق العمل الجديد».
هذا التحدي قبلته زينة وفريق العمل ونجحوا فيه، وكذلك الكثير من الفنانين التشكيليين الذين غامروا وخاضوا التجربة الجديدة مع المتحف، بكثير من الشغف والعطش للفن ولإحياء النبض الفني فيه من جديد. هكذا، قدمت بلسم أبو زور عملاً بعنوان «غير قابل للتعقب». هو عبارة عن لوحة ضخت فيها الفنانة طاقتها التعبيرية التقنية الفذة، مازجة بين اللون والفحم على القماش، مقدمة خلاصة بصرية مدهشة للعين غنية بالتقميشات، ودسمة في المضمون. واختارت ليان رباط أن تشارك بـ Artybublble multicolor circle الذي هو عمل دائري متعدد الألوان كما تشير تسميته بالضبط. وفي الرحلة داخل المعرض، الذي صمم السينوغرافيا الخاصة به المهندس المعماري كريم بكداش، ناحية يطل منها عمل الفنان جميل ملاعب، فيعيد الرائي إلى تلك اللوحة التي ألِفها رواد مقهى الـ«ويمبي» للفنان نفسه هناك. في الناحية عينها، نرى عمل ريما أميوني ذا ضربات الريشة العريضة السميكة الدسمة، وعملاً للفنان ستيليو ساكامانغا، وهو لوحة تجريدية زرقاء من النسيج نفسه لتلك الناحية من المعرض. نصل أخيراً إلى «الحجر الأساس» للسيراميست القديرة سمر مغربل: عمل فني من خزف طبيعي من الأرض مجبولٌ يدوياً بالتبن، ومعرّض لدرجة حرارة عالية.

شهادات الشباب

خلال زيارتنا، التقينا كوكبة من الفنانين الشباب الذين تألقت أعمالهم من اتجاهات تشكيلية مختلفة، واختيرت لوحاتهم للمشاركة في هذه الدورة. سألناهم عن سبب مشاركتهم، إلى جانب توقعاتهم من «معرض الخريف» هذا العام. التشكيلية إليسا رعد، التي حازت إحدى جوائز معرض الخريف سابقاً، تقول لنا «مشاركتي في معرض الخريف محفز لي كي أتشارك عملي مع المشاهد بتجرد، داخل إطار ومكان له قيمة عالية وحيز كبير على ساحة الفن التشكيلي والبصري في لبنان، خارج إطار السوق ومعاييره وشروطه». هذه الجملة اختصرت دوافع العديد من التشكيليين للمشاركة في المعرض. فهل قدم الأخير فعلاً أعمالاً فنيةً بصرية «خارج إطار السوق ومعاييره وشروطه»؟

إليسا رعد

سيكون للجمهور الكلمة الفصل حتماً. إليسا رعد من التشكيليات المنافسات بتقنياتهن العالية جداً، لناحية التمكن من تكييف الباليت اللونية لمصلحة الواقعية الصلبة، أو التأليف البصري المتين، أو حتى لناحية المضمون، إضافة إلى خاصية استثنائية ندر وجودها لدى الفنانين اللبنانيين اليوم هي فعل النقد الذاتي والسعي إلى التطوير والتحديث والبحث المتواصل بأخطر وسائله: الثورة على الموروثات الأكاديمية، بعد التمكّن العالي الجودة منه. وهو ما يفسر جمع أعمال إليسا رعد بين البراعة والمهارة التقنية من جهة، ثم خيارها في الأعمال نفسها على «الخرطشة» فوق العمل المنجز، بالفحم أو الأقلام، بشكل طفولي حرّ كاسر لهيبة ووقار الواقعية التي هي نفسها قد رسمتها. هنا تجدر الإشارة إلى أن فعل إليسا هذا كان بحثاً تشكيلياً جدياً قامت به في مشروع الماجستير في كلية الفنون، لكن أعضاء اللجنة المحكمة رفضوا المشروع، معتبرين أنّ بحث إليسا التشكيلي والفعلي ينحدر بها من واقعيتها المتألقة إلى مكان آخر لا يتلاءم مع ذائقتهم أو ربما موروثهم الأكاديمي.
عندما سألنا إليسا عن عملها المختار لمعرض الخريف، أوضحت بشفافية مطلقة: «هذا العمل توقفت فيه عند هذه المرحلة، لكنه لم ينته بعد بالنسبة لي». البحث الطليعي الذي تقوم به رعد ــ التي ترفض التصنيفات ــ لا يزال مستمراً لآفاق أبعد من الواقعية التي اعتادت أن تقدمها في المعارض السابقة. وهي تعتبر معرض الخريف «أفضل المعارض الجماعية في لبنان، إن لم يكن أفضلها. بعد توقف دام خمس سنوات تقريباً، لا أعرف ماذا أتوقع منه. هناك مشاركون كثر جدد. ليس لديّ أدنى فكرة عن أعمالهم. كما أنّ الكثير من المشاركين القديمين الذين أصبحت مشاركتهم في معرض الخريف «عريقة» (إذا صح القول)، لم يكونوا من بين المختارين لهذا الفصل. طبعاً معايير الاختيار عديدة ومختلفة وتفرض عدداً وتنوعاً وتجدداً في الأعمال. يمكنني أن أقول ببساطة إني أترقب وأنتظر الحدث باهتمام كالعادة».
الثورة على الموروثات الأكاديمية بعد التمكّن العالي منها أمر يختصر أعمال إليسا رعد

عبد القادري

اهتمام شاركها فيه أيضاً الفنان الشاب عبد القادري الذي اختير عمله أيضاً للمعرض. هوعمل ضخم بالفحم والألوان على قماش يقارب المترين. قبل سفره الى الكويت، كان هناك معرض الخريف، ورغب عبد القادري أن يشارك حينها وكان لا يزال في الجامعة. لكن الظروف لم تسمح له بالمشاركة بسبب مغادرته لبنان. اليوم بعد عشر سنوات، عاد القادري إلى وطنه، وكانت عودته بتوقيت عودة «متحف سرسق» بحلته الجديدة إلى الحياة. «وهذا يعني لي الكثير على المستوى الشخصي. وتحمست أكثر عندما علمت أن صالون الخريف سيعود أيضاً، لأنني مؤمن بأهمية متحف سرسق وبأهمية إقامة معارض سنوية في لبنان». وعند سؤاله عن توقعاته لهذه الدورة، يجيب «لست أدري إن كانت كلمة توقعات مناسبة للتعبير، لكن يمكنني القول إنني متحمس وأتمنى أن يكون المعرض شاملاً وقادراً فعلاً على أن يعطي صورة عن الفن اليوم في لبنان، وخصوصاً مع العدد الكبير من الفنانين المشاركين. المتحف اليوم أمام تحدٍ كبير هو أن يقول للجمهور على أي أساس تم الاختيار، وما هي المعايير، والهدف والرؤية، وخاصة أنه لم تكن هناك ثيمة أو فكرة واضحة للمعرض، ولم تحدد التقنيات، بل كانت مفتوحة جداً، وهذا ما يصعّب الأمر، ولا سيما في حال تضارب التقنيات بين التصوير والتجهيز والرسم... ما يخلق نوعاً من الاستياء عند الفنانين في حال عدم قبول عملهم، وهذا غالباً ما يحصل عندما تكون هناك دعوة مفتوحة».
لحل هذه الأزمة، تمنّى القادري، الذي كان سابقاً مدير «منصة الفن المعاصر» في الكويت، أن يتم تحديد محاور المعرض كي يكون أوضح وغير مفتوح، فتحديد الموضوعات مثلاً كل عامين يتيح فرصة للفنانين أن يختاروا من دون حيرة أو قلق إما بالتقدم بطلب المشاركة أو بعدمه. كما كان للقادري اقتراح تفصيلي أيضا كأن يكون للمعرض ثلاثة أقسام: قسم للوحة والنحت، وقسم للصورة، وقسم لفنون الأداء أو التجهيز. ولكل جائزته، ولكل لجنة خاصة متخصصة. وهذا باعتقاد القادري وخبرته سيخفف الوطأة عن كاهل اللجنة المتنوعة. يختم القادري «أتمنى أن يكون للمعرض حضوره وأهميته، وخصوصاً بعد هذه الفترة الطويلة التي غاب فيها. كما أتمنى أن تكون الجوائز منصفة بالنسبة لمن سيحصدونها، فمعرض الخريف اليوم في موقع حساس جداً كي يثبت نفسه مرة جديدة كإحدى أهم المنصات الفنية في لبنان، وأن يكون له صدقيته، ويعود مرجعية فنية أساسية في لبنان، لأن متحف سرسق فعلاً مكان مهم بمقاييس عرض عالمية وهذا مدعاة فخر، بالإضافة إلى عمقه التاريخي والثقافي في بيروت والمنطقة».

فاطمة مرتضى

هذا ما توافقه عليه تماماً الفنانة الشابة فاطمة مرتضى: «لقد سررت بعودة معرض الخريف كأن قطعة من الزمن عادت إلى الحياة، وخاصة لارتباط ذلك بعودة المتحف وانطلاقته الجديدة هذا العام». لم تكن فاطمة تعرف «متحف سرسق» إلا عند دخولها إلى معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية (وللمناسبة العدد الأكبر من الفنانين المختارين هم من متخرجي المعهد نفسه أو جامعة الـ«ألبا»). تعلّق: «كان معرض الخريف بالنسبة لنا هو الحدث السنوي الذي نقصده كلنا كطلاب لنرى أعمال أساتذتنا أو الطلاب الجدد أو الفنانين الشباب المتخرجين حديثاً. كأن متحف سرسق يعيدني إلى تلك الفترة الذهبية لبيروت، وللأهمية الثقافية والمعنوية لهذا المتحف، للحدث بذاته».
تقدّمت فاطمة هذه السنة بطلب المشاركة في المعرض عبر لوحتها «الشهيد الأكبر». عمل فريد تدخل فيه الحياكة وتمزجها بعجينة واحدة مع التقميشة واللون. تقول: «سررت أن اللجنة قبلت العمل رغم أنها المرة الأولى التي أتقدم بها للمشاركة في معرض الخريف. أتوقع أن أرى أعمالاً لفنانين شباب جدد، لأنّ ذلك ضروري، بالإضافة طبعاً إلى الفنانين المخضرمين أو المكرسين الذين نرى أعمالهم».

غادة الزغبي

التشكيلية الشابة غادة الزغبي تشارك في المعرض بعملها «فيض». هو عبارة عن لوحة زيتية وأكريليكية في آن على خشب، ذات هوية مائلة إلى الواقعية، من منظر داخلي. تبرر لـ«الأخبار» سبب مشاركتها في المعرض: «شاركت لأنني أعتبر معرض الخريف إحدى الطرق التي لطالما سلكها فنانون كثر من رواد الفن في لبنان، ومن الأساتذة الكبار الذين علّمونا، وأغنوا الإرث الفني اللبناني. كما أنّ المعرض يشكل فرصة كي أعرض عملي للجمهور الفني اللبناني في صرح ثقافي عريق، لطالما ترك بصمة في سجل من عرض فيه».

رسالتان من مديرة المتحف

في نهاية الحوار، وجهت عريضة رسالتين: الأولى للجمهور الذي دعته «لحضور المعرض وتشجيع من يعتقد أنّه الأهم من بين الأعمال المعروضة، وليس فقط لأصدقائه. وفي كل الأحوال، يجذب المتحف جمهوراً كبيراً، وليس بالضرورة من هم على علاقة مباشرة بالفنانين. بالتأكيد، ستعكس النتيجة ما يريده أو يختاره الجمهور كعمل متميِّز بحسب ذائقته الفنية». أما الرسالة الثانية، فتوجهها إلى الفنانين الذين تقدموا بطلبات مشاركة في هذه الدورة ولم يتم اختيار أعمالهم، وكذلك للفنانين الذين لم يتقدموا بطلب للمشاركة. تقول: «أولاً عدم اختيار أحد الأعمال هذا العام، لا يعني بالضرورة أنّه لن يتم اختيار أعمال الفنان الأخرى في دورات لاحقة. كما أنّ ذلك لا يعني ابداً أن لا يتقدم الفنان لاحقاً للمسابقة. والأهم أن لا تثبط عزيمته، فهذه المنصة الموجودة في «متحف سرسق» ربما تناسبه في وقت لاحق. ثم إنّ الكثير من الفنانين كانوا مترددين أصلاً في المشاركة في هذه الدورة. كانوا يترقبون النتائج على أن يتقدّموا بعد سنتين بطلب للمشاركة. فمنهم من كان ينتظر أن يرى نتيجة التغييرات ليقرر كيف سيكون عليه معرض الخريف بعد سنوات من التوقف. وأنا أدعوهم أيضاً للحضور ورؤية المعرض والمشاركة لاحقاً. وفي كل الأحوال، فإن معرض الخريف لحظة حيّة وحيوية في متحف سرسق، وهذا طبيعي أو بديهي بما أنّ الفنانين هم مكون أساسي فيه».
52 فناناً تشكيلياً يوضعون اليوم تحت الأضواء، يعرفون تماماً أنهم باتوا يحملون إرث معرض الخريف الخطير الذي سيسم سيرهم الذاتية، وسيضم «متحف سرسق» اسمهم إليه كمشاركين في صنع 56 عاماً من الإرث الفني البصري في «الصالون».

* «معرض الخريف الثاني والثلاثون»: بدءاً من اليوم حتى 27 شباط (فبراير) ـــــ متحف سرسق ــــ
sursock.museum/content/32nd-salon-dautomne




استبعاد الإشكاليات الراهنة؟

الألغام التقنية في المعرض كثيرة، كاختيار أعمال متكررة لم تتغير منذ عشرات السنين وبشكل خاص لفنانين مكرسين، أو اختيار لوحات من الواضح أنّ تأليفاتها غير مبتكرة، بل منسوخة بوضوح من رسامين عالميين (ما يدل على قصور عند اللجنة في التقاط ذبذبات العمل المبتكر وتمييزه عن العمل المقلِّد الخالي من الإبداع). لكن الأهم وفق ما صرّحت لنا زينة عريضة هو «استبعاد الأعمال التي تعالج إشكاليات راهنة كونها ليست مدروسة بعد في العمق وما زالت مستمرة في الزمن». هنا يظهر سؤال بديهي يتعلّق بتجهيز الفيديو الوحيد المقبول في المعرض الذي أعطيت له غرفة خاصة. التجهيز الذي أنجزه الفنان الشاب مروان مجاعص، كناية عن فيديو للشمس يوم 21 آب (أغسطس) 2013، طلبه مجاعص من الناسا كي يؤرشف لحظة إشكالية «راهنة» من تاريخ الحرب السورية الدائرة. إنّها عملية قصف الغوطة الشرقية بـ«غاز السارين»، التهمة التي تبادلها النظام والتكفيريون على حد سواء. فهل اعتبر هذا الفيلم خارج إطار الإشكاليات الراهنة وفعل البروباغاندا للبشر التي يستثمرها كلا الطرفين المتنازعين في الحرب الدائرة على الأراضي السورية؟
نظراً إلى دقّة الموضوع، اتصلت «الأخبار» بالفنان مروان مجاعص الذي شرح ماهية العمل، معتبراً أنه بعيد كل البعد عن السياسة الضيقة. وأوضح أنّ «العمل هو عملية حداد ما دامت الشمس تدور، وهذا الحداد مستمر. وهذا التآكل مستمر. فهنا بداية العمل وهنا نهايته. وهذا طرح سياسي من نوع آخر يعالج مشكلة الجسد ومشكلة الموت ومشكلة الحداد، وكلها في صلب السياسة».




الفنانون المختارون

بلسم أبو زور، ريما أميوني، ريم عاصي، محمود بعيون، فتاة بحمد، تمارا براج، اتيان بسطرمجي، نفين بويز، قاسم دبجي، جيمي دباغ وكريستين لبان، رولا دلي، كريستيانا دي ماركي، مجموعة انغرام، شانتال فاهمي، جوزف فالوغي، كريمة الجيلاني، ريمون الجميل، سعادة جورة، جيلبير حاج، ديانا الحلبي، عيسى حلوم، ايمي حنا، عبد القادري، ماريا كساب، ناتالي خياط، بتينا خوري بدر، سيرج اهانس مانوكيان، ليان ماتس رباط، ادكار مازجي، ريا مازجي، سيمون مهنا، سمر مغربل، جميل ملاعب، فاطمة مرتضى، مروان مجاعص، عبير المقدم، طارق مراد، دالا ناصر، عليا نويهض نهرا، اليسا رعد، جاكو رستيكيان، محمود الصفدي، هلا شقير، ستيليو سكامنغا، أنطوان سويد، هانيبال سروجي، أدليتا اسطفان، لارا تابت، تانيا طرابلسي، كارمن يحشوشي، حسان زهر الدين وغادة الزغبي.