لم يفوّت الرئيس الاشتراكي، فرانسوا هولاند، فرصة اعتداءات باريس الأخيرة في 13 تشرين الثاني الماضي لتعويم نفسه سياسياً، تمهيداً لانتخابات الرئاسة التي ستجرى في نيسان وأيار 2017، فألقى خطاباً أمام الكونغرس الفرنسي، تضمّن حزمة إجراءات، منها إعلان حال الطوارئ، إضافة إلى مشروع تعديل دستوري يسمح بتوسيع مروحة إسقاط الجنسية الفرنسية عن المدانين باعتداءات إرهابية.
يهدف اقتراح التعديل الدستوري هذا إلى قطع الطريق على اليمين وشق صفوفه من خلال وضعه في موقف صعب سياسياً من جهة، والأخذ في الاعتبار الرأي العام الفرنسي الذي يؤيد بنسبة مرتفعة اقتراحات كهذه، خاصة بعد اعتداءات باريس، وقبلها ظاهرة التحاق عدد من الإسلاميين الفرنسيين من أصول أجنبية، وأيضاً من أصول فرنسية، بالجماعات الإرهابية في سوريا.
تقنياً، يقع التعديل الدستوري المقترح في مادتين: الأولى تتعلق بحالة الطوارئ، تُضاف تحت الرقم 36-1 بعد المادة التي تحمل الرقم 36، والثانية تتعلق بالجنسية، تتضمن استبدال البند الثالث من المادة 34 ببند جديد، وإضافة بند آخر بعده تماماً.
يشمل التعديل شقين: الأول توسيع وتبسيط شروط فرض حالة الطوارئ في فرنسا، لتشمل الحالات التي لا تنص عليها المادتان 16 و36 لدستور الجمهورية الخامسة (4 تشرين الأول 1958)، المتعلقتان بحالة الطوارئ وحالة الحصار تباعاً. إذ تتطلب الأولى شروطاً متعلقة بانقطاع في العمل المنتظم للسلطات العامة الدستورية، فيما تتطلب الثانية خطراً داهماً ناتجاً من حرب خارجية أو عصيان مسلّح. وهو ما يعكس اهتمامات المرحلة التي حكمت وضع دستور 1958، خاصة أحداث الجزائر وحالة عدم الاستقرار التي انعكست على فرنسا القارية نفسها. ويشار إلى أن إعلان حال الطوارئ منوط برئيس الجمهورية بعد استشارات رسمية مع رئيس الحكومة، رئيسي مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية، إضافة إلى رئيس المجلس الدستوري.
أما حالة الحصار، فيكون اتخاذها في مجلس الوزراء، ولمدة 12 يوماً قابلة للتجديد، إنما بناءً على إذن السلطة التشريعية. ولإعلان حال الطوارئ بعد أحداث باريس الأخيرة، ونظراً إلى عدم توافر الشروط المنصوص عليها في النص الدستوري، عمدت الحكومة إلى تأوين قانون يعود إلى عام 1955، عبر تعديله بقانون بتاريخ 20 تشرين الثاني 2015، أي بعد أسبوع على الاعتداءات.

يراهن فرانسوا هولاند على انقسام اليمين حول هذا المشروع وهو رهان صائب


شرح التعديل الدستوري في شقيه
يقترح نص التعديل الدستوري تخفيف شروط حالة الطوارئ لتتلاءم مع طبيعة التهديدات الحالية التي تواجهها فرنسا، فينيط إعلان حال الطوارئ بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، في حال خطر داهم ناتج من اعتداءات خطيرة على الانتظام العام، أو في حال وقوع أحداث تشكل، من حيث طبيعتها وخطورتها، طابع الكارثة أو النكبة العامة. إضافة إلى ذلك، يلحظ النص المقترح دوراً للسلطة التشريعية في تمديد حالة الطوارئ الأصلية لأكثر من 12 يوماً، إضافة إلى أدواتها القانونية، ويذكر بدور القضاءين الإداري والعدلي بما قد ينتج من تقاضٍ من جراء حالة الطوارئ، وصولاً إلى انتهاء هذه الحالة.
قد يبدو النص مقنعاً إلى حد بعيد، خاصة في ضوء ثلاثة معطيات: الأول أن طبيعة التهديدات التي حكمت شروط النص الدستوري الأساسي العائد لسنة 1958 قد تغيرت كثيراً، ما يفرض تبديلاً في النص يتيح للسلطات التصرف بهامش أكبر من الحرية في حالات مثل التي عاشتها فرنسا بعد 13 تشرين الثاني الماضي. ثانياً، الدور الذي تضطلع به الجمعية الوطنية في تمديد حالة الطوارئ لأكثر من 12 يوماً. أخيراً، الدور الذي يلعبه القضاء، والقضاء الإداري تحديداً، في تشكيل حماية للأفراد، خاصة في حالات التدابير المانعة للحرية، في دولة صاحبة تقليد قضائي عريق ونظام قضائي فعال.
أما الشق الثاني من التعديل الدستوري فهو أكثر إشكالية، إذ يتعلق «بدسترة» إسقاط الجنسية الفرنسية عن فرنسيين بالولادة، بعدما كان هذا الإجراء يشمل الفرنسيين بالتجنيس فقط، وبقانون عادي.
عملياً، إن إسقاط الجنسية الفرنسية إجراء تنص عليه المادة 25 من القانون المدني وتحصره صراحة بالمجنسين، وهو مشروط بأن يكون الشخص يحمل جنسية أخرى كي لا يصبح عديم الجنسية، بموجب التزامات فرنسا الدولية، تحديداً المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 8 من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1961 حول الحد من حالات عديمي الجنسية. مع العلم أن فرنسا تستطيع نظرياً عدم التزامهما، خاصة الاتفاقية الثانية لاعتبارات عديدة يطول تفنيدها.
والفرنسي بالتجنيس هو الأجنبي الذي اكتسب الجنسية الفرنسية بموجب أحد شروط اكتسابها كالزواج، الإقامة، أو الولادة من أبوين أجنبيين، والإقامة في فرنسا وفق شروط معينة... أو حالات التجنيس بناء على قرار السلطات العامة. تحدد المادة 25 المذكورة شروط نزع الجنسية عن الفرنسي بالتجنيس.
في حالة أخرى وحيدة ينص البند السابع من المادة 23 من القانون المدني، على أن الفرنسي الذي يتصرف كمواطن في بلد آخر يحمل جنسيته، يمكن إعلانه فاقداً للجنسية الفرنسية بناءً على مرسوم وبعد أخذ رأي ملزم من مجلس شورى الدولة. كذلك يمكن الفرنسي الذي اكتسب جنسية أخرى طلب إسقاط جنسيته الفرنسية عنه بفعل إرادي.
الجديد الذي يأتي به النص المقترح هو توسيع مروحة إسقاط الجنسية لتشمل المولودين فرنسيين مع حملهم لجنسية أخرى، كالمولودين لزوجين أحدهما فرنسي، أو مولود في فرنسا وفق أحكام المادة 19 وما يليها من القانون المدني، وهو ما يتعارض مع كل القوانين الفرنسية السابقة التي نصت على إسقاط الجنسية، لكونها نصت عليها للمجنسين حصراً، كقوانين 1915، 1927، و1938، وهو ما يذكر به نص الأسباب الموجبة المقدم للجمعية الوطنية صراحة. إضافة إلى ما سبق أن أشرنا إليه من أن الفرنسي بالولادة لا يفقد جنسيته إلا بفعل إرادي أو من جراء أمر واقع، يكون فيه للمرسوم المنصوص عليه قانوناً والذي يعلن فقدان الشخص لجنسيته الفرنسية بمثابة مرسوم ذات مفعول إعلاني لا إنشائي، ومن باب أولى لا يشكل إجراء عقابياً كما هو الحال في إسقاط الجنسية.
يحدد النص شرطين إضافيين لإسقاط الجنسية عن الفرنسي بالولادة، أولها أن يكون الحكم الصادر بحق الشخص المعني مبرماً (بانقضاء المدة أو نفاذ طرق الطعن)، وإلا يصبح الشخص عديم الجنسية. يضيف نص الأسباب الموجبة أن إسقاط الجنسية محفوظ لحالات الجرائم التي تشكل انتهاكاً لمصالح الأمة، وينيط بالسلطة التشريعية تحديد مضمون مفهوم الجرائم التي تشكل مثل هكذا انتهاك.

...وأسئلة بشأن الجدوى
يراهن فرانسوا هولاند على انقسام اليمين حول هذا المشروع، وهو رهان صائب. وفي الوقت عينه فهو يحتاج لقسم من اليمين والوسط لإمرار المشروع أمام مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية، إذ يحتاج التعديل الدستوري إلى 3/5 من الأصوات، أي إلى 555 صوتاً من أصل 925، إذا صوّت الجميع.
أخيراً، يطرح السؤال نفسه عن جدوى هذه الخطوة. إذ لو جرت محاولة تعديل القانون العادي، ولا سيما المادتان 23-7 و25 من القانون المدني، لاصطدم التعديل برقابة المجلس الدستوري، أما التعديل الدستوري نفسه فيشكل التفافاً على هذا الاحتمال، خاصة أن الطريقة الثانية أي الاستفتاء غير مطروحة اليوم أبداً، لأنها ستشكل استفتاءً على شخص الرئيس أكثر من أي شيء آخر.
الأكيد هو أنّ هذا التعديل إن مرّ ــ وهو أمر من المبكر الحكم عليه ــ سيكون رمزياً أكثر من أي شيء آخر، ولن يشكل أداة قانونية فعالة في التعامل مع العناصر الراديكالية، خاصة تلك العائدة من سوريا. كان الأجدى عدم السير بسياسة تشريعية سائبة في المجال الجزائي، همها الهدم الممنهج لما بناه الرئيس السابق، نيكولا ساركوزي، في هذا المجال، والتركيز على منع العناصر الراديكالية من الالتحاق بالجماعات المسلحة في سوريا، أو ضبطها فور عودتها إلى فرنسا، بدل البحث عن زخرف دستوري للصرف الانتخابي.




زار الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، أمس، بشكل مفاجئ المسجد الكبير في باريس، وذلك عقب تكريم ضحايا الاعتداءات «الداعشية» في تشرين الثاني وكانون الأول الماضيين، في ساحة الجمهورية، بحسب أوساط الرئاسة الفرنسية.
وأضافت المصادر أن «الرئيس تبادل الحديث وسط أجواء من العيش المشترك حول كوب من الشاي»، في وقت تفتح فيه المساجد أبوابها، خلال العطلة الأسبوعية، لإحياء ذكرى ضحايا الاعتداءات.
بالتوازي، أعلن وزير الداخلية الفرنسي، برنار كازنوف، أن الرجل الذي قتلته الشرطة، الخميس الماضي، بعدما حاول مهاجمة مفوضية في باريس، لم «يكن لديه شركاء».
وعن المعلومات الأخيرة المتعلقة بالمهاجم، دعا كازنوف وسائل الإعلام إلى «توخي أقصى درجات الحذر»، مضيفاً أن ما نعرفه «هو أنه من أصل تونسي، واسمه طارق بلقاسم، وأقام في عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي».
( أ ف ب)