لا يمكن فهم الهجمة الخليجية "الايجابية" على العهد الجديد، والترحيب العارم من دول خليجية عدة بانتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية وبتكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، الا من خلال اعادة قراءة الترتيب الذي جاء بعون الى قصر بعبدا، والذي لا يبدو انه قارب بعد التسوية الشاملة. ورغم محاولات استثمار خليجية لهذا الترتيب، واستعادة كل طرف حيوية مصالحه في لبنان ليتحرك في اطارها، من خلال شدّ العهد الجديد في اتجاهه، الا ان الوضع لا يزال مبهماً، ولا يبشر بتسوية سريعة وشاملة، وفق ما يتضح. علماً ان هذا الترتيب لا أم ولا أب له معلنان، وليس له مندرجات يعول عليها في رسم خريطة العهد، كما كانت حال الدوحة، التي كانت، رغم علاتها، تسوية شاملة، لكنها تعرضت مرارا للاهتزاز وتخلى عنها اكثر من طرف حين سنحت له الفرصة.

وبحسب اوساط سياسية متابعة، فان ثمة اسباباً موجبة كثيرة، يمكن التعامل معها بموضوعية لقراءة التأخير في تأليف الحكومة، بعدما بدا ان الصفقة كانت متكاملة الى الحد الذي لم يترك مجالا للشكوك حول سرعة التكليف والتأليف. لكن مشكلة بعض الدوائر السياسية انها استعجلت في رسم صورة ايجابية متكاملة لانطلاقة العهد، من دون احتساب عوامل محلية بحت، تتراوح بين شهية التوزير وتقاسم المغانم، وعامل اساسي يتعلق بقانون الانتخاب واجراء الانتخابات النيابية، وعقد اقليمية لم يظهر انها حُلت تماماً بما يكفي للافراج سريعا عن الحكومة. الامر الذي يمكن ان يحصل في اي وقت، لكن وفق اسلوب "القطارة" فتعطى الحلول الداخلية الشاملة قطرة قطرة.

سلة الشروط التي كانت مطلوبة قبل الانتخاب باتت اليوم تنفذ بالممارسة

والمفارقة ان سلة الشروط التي كانت مطلوبة قبل الانتخاب ولم يجر العمل بها في شكل متكامل وجلي، باتت تنفذ بالممارسة يوماً بعد آخر. وها هي شروط التأليف والتشكيلة الحكومية المتعثرة، تصبح تلقائيا احد بنود السلة فتتحول شروطا تعجيزية، لم يعد اي مراقب سياسي يقتنع بانها اسباب كافية لعرقلة التأليف، فضلا عن التلميح إلى قانون الانتخاب واحتمالات التمديد "التقني" للمجلس النيابي، التي أصبحت بدورها عناوين السجال السياسي والشروط المتبادلة لتأليف الحكومة، على قاعدة انها لبّ الصراع الاساسي بين من أيّد انتخاب عون ومن عارضه.
قد يحلو لسياسيين وفق ذلك استذكار مرحلة تأليف حكومة الرئيس تمام سلام التي استغرقت 11 شهراً، وتداخلت فيها عوامل ايجابية وسلبية، محلية واقليمية، جعلت من المتعذر تأليف الحكومة، لأشهر. وحالما صدر القرار استدعي الجميع من منازلهم، في ساعات قليلة، واعلنت مراسيم التأليف. وهذا ما قد يتكرر اليوم اذا استمر التجاذب المحلي والاقليمي على حاله.
لكن ثمة عامل اساسي قد يغفل عنه البعض، وهو ان من انتخب رئيسا للجمهورية هو العماد ميشال عون الذي يقول هو عن نفسه انه لا يمكن لأحد ان يتوقع ما يقوم به. وبحسب احد السياسيين المطلعين، فان العامل الجديد الذي دخل على المشهد السياسي هو شخصية عون الذي من الصعب التكهن بما يتصرف به، بغض النظر عما اذا كان هذا التصرف ايجابيا او سلبيا. فعون لن يكون شاهد زور على حكومة يوقع مراسيمها وهو ابدى ملاحظات ليس على الحقائب الوزارية فحسب، بل حتى على الاسماء المرشحة، اذ تحفظ والتيار الوطني عن اسم احدى الشخصيات التي اقترحها تيار المردة للتوزير. وهو لن يقبل التأخير اكثر، واجندته باتت مليئة بالمواعيد والاستحقاقات الداخلية والخارجية، ولا سيما ان الانظار موجهة اليه اليوم، اكثر مما هي موجهة نحو الحريري. واذا ظلت العقدة "الشيعية" على ما هي عليه، فانه لا احد يمكن ان يقدر رد فعل عون، الذي لن يقبل عملية الابتزاز لفترة طويلة تتعدى المعقول التقليدي، وقد يقلب الطاولة على الجميع، ويدفع في اتجاه اصدار مراسيم حكومة بما يراه والحريري مناسباً، وخصوصا ان عامل شخصية عون يرتبط، ايضا، بعامل اضافي، كون عون في بداية عهده وليس في آخره، كما كانت حال الرئيس ميشال سليمان عند تكليف سلام. وهو وفق ذلك لن يقبل ان تفرمل اندفاعة العهد، اسابيع اضافية، لان ذلك سيسرق وهج انتخابه، ولا سيما في ظل الاحاطة الاقليمية والدولية به، وبما يؤمل منه ان يحققه. لان هناك فارقا بين من انتظر طويلا للوصول الى بعبدا، ومن لا يمكنه ان ينتظر اسبوعا اضافيا لتأليف حكومة يطلق معها عجلة العمل المؤسساتي، ولا سيما انه بات متحررا من قيود كثيرة.
فصحيح ان عون يرى ان الحكومة حكومة مجلس عام 2009 وهو بدأ يردد ذلك جهارا، الا انه لا يمكن ان يتساهل في محاولة ضرب اولى محاولاته الجدية في بعبدا، وخصوصا ان امامه مرحلة اساسية، تتعلق بقانون الانتخاب والانتخابات النيابية. لان العمل الحقيقي، بحسب هذه الاوساط، سيكون منصبا على انجاز هذا الاستحقاق الذي يعول عليه رئيس الجمهورية، كمحطة اساسية تؤشر فعليا لما يرسم له، في قانون انتخاب، وخريطة تحالفات ومجلس جديد، تنبثق عنها حكومة العهد "الاولى" الفعلية التي يراهن عليها. وهذا عمل في حدّ ذاته يحتاج الى جهد كبير واستثمار اكبر في السياسة وفي ربط مجموعة من العوامل وفك الكثير من العقد. وكلما استغرقت مرحلة التأليف وقتا اضافيا، وفقدت فرص التسريع في الوصول الى الاهداف المرجوة في الاشهر الستة الاولى، راكم عون اسبابا موجبة اكثر، تدفع بعض عارفيه الى الخشية مما يضمره، لانه لن ينتظر طويلا قبل ان يقول كلمته النهائية.