باريس | يشكل رشيد بوجدرة خير نموذج للشطط الذي يقول إنّه يطبع «الشخصية الجزائرية». شخصية اتخذت من شجرة الصبار في روايته «التين البربري»، تورية رمزية لتوصيف مزاياها وعيوبها: صبورة وجامدة. غير قادرة على الحركة، لكن لو اقتربت منها، ستلسعك على الفور بأشواكها!


تلك هي حال صاحب «الحلزون العنيد» منذ نصف قرن. هو لا يكفّ عن لسع من حوله، سواء كانوا خصوماً أو رفاق درب، بأشواك لسانه السليط وقلمه السجالي، مما جعله يتقلب بين المعارك المشرفة (مرافعته الشهيرة عن القضية الفلسطينية في «يوميات فلسطينية» (1972)، وتصديه الشجاع للأصولية الدينية المتطرفة في «الجبهة الإسلامية للحقد» (1992)، وتمرده المدوي على الإستبلشمنت الثقافة الغربي في «رسائل جزائرية»/ 1995)، وبين السجالات العقيمة والمعارك المجانية والخاسرة (تحامله غير المبرر على كاتب ياسين، متهماً إياه بـ «الرجعية»، عوض التضامن معه في مواجهة الرقابة والآلية الدعائية الرسمية، التي كانت تسعى لتشويهه بكل الوسائل (1986)، معاركه الطفولية النزقة مع صديق طفولته الطاهر وطار، التي دامت 20 سنة، حتى وفاة الأخير عام 2010، وصولاً الى هجومه المضحك على كمال داود، بحجة أنّ رائعته «معارضة الغريب» رواية صغيرة (152 صفحة)، وبالتالي لا تستحق تلك الحفاوة العالمية).
كشجرة الصبار، لم تخل معارك بوجدرة من الجمود والنمطية وعدم القدرة على الحركة (الفكرية). لكن كلما طرح جانباً أشواك النميمة والغيرة والخصومات العقيمة، وجلس مجدداً الى طاولة التأليف الأدبي، تتكشف سماته «الصبارية» الأبرز: الصبر والمثابرة وطول النفس والقدرة الدائمة على تجديد أدواته الفنية لنحت روائع أدبية مبهرة تنم عن شكل غريب (ولذيذ) من انفصام الشخصية، لأن هذه الروائع أبعد ما تكون عن النزق والنمطية اللتين يتصف بهما مؤلفها!
بعد كل سقطة أو معركة يعتقد القرّاء والنقاد أنّ الشطط والحقد (المجانيين) قضيا نهائياً على جذوة الإبداع لدى بوجدرة. لكن صاحب «الحياة على الوجه الصحيح»، سرعان ما ينبعث كالعنقاء من رماده. بعد غياب أربع سنوات، لم ينتج خلالها شيئاً بعد روايته الملحمية «الجنازات» (2003)، التي استعاد فيها مآسي سنوات الدم الجزائرية في التسعينيات، عاد وحقق في «فندق سان جورج» (2007) رائعة أدبية تكاد تضاهي في بنيتها التجديدية ولغتها المبهرة، تلك القطيعة الفنية التي شكلتها باكورته «التطليق» (1969). الأخيرة عدها النقاد بمثابة شهادة ميلاد الحداثة الروائية المغاربية، بعد عقود من هيمنة كلاسيكية الآباء المؤسسين.
لكن بوجدرة لم يلبث أن غرق في مستنقعات السجال، وأهدر أربع سنوات أخرى في المعارك الجوفاء، قبل أن يعود إلى الكتابة، محققاً في «ربيع» (2014) روايته الأكثر نضجاً واكتمالاً، إذ شكلت في عمقها الفكري واشتغالها على التراث الإسلامي، امتداداً – تأخر قرابة ربع قرن – للاجتهادات التراثية التي تصدى لها في ثلاثيته الثمانينية: «التفكيك»، «سقوط جبل طارق»، و«ألف عام وعام من الحنين».
تكاد «ربيع» تلخص كل إنجازات بوجدرة الأدبية: البنية التجريبية المجددة (مقاربة نفسية تخضع الحبكة السردية لتداعيات متداخلة تتلاعب بإتقان بالشخوص والأماكن والأزمنة)، جرأة المضمون (قصة حب مثلية تجمع «ثلج» بزائرة إسبانية تأتي لاكتشاف الجزائر)، وصفاء الرؤية الفكرية في اتخاذ الأبحاث التراثية التي تقوم بها بطلته، مدفوعة بفجائعها الشخصية، خلال سنوات الدم الجزائرية، منطلقاً للمرافعة ضد «الجراد الأسود» الذي فرّخته انتفاضات «الربيع العربي» بتواطؤ الغرب ومباركته.
لكن الفرحة لم تعمّر، فسرعان ما غرق بوجدرة مجدداً في إحدى أسوأ معاركه السجالية، حين حل ضيفاً على برنامج مثير للجدل بعنوان «المحاكمة» على قناة «الشروق» المعروفة بالإثارة والإسفاف، وجاهر طوال ساعة كاملة بـ «كفره وإلحاده». عاد وخيّب المئات ممن أيدوه، من منطلق دعم حرية المعتقد، ضد الحملة السلفية التي شنت ضده، بتحريض من قناة «الشروق» ذاتها. إذ سارع، على غير عادته، إلى الانحناء للعاصفة، وتراجع عن أقواله، مصرحاً لجريدة «الخبر»: «لست ملحداً، بل وقعت في مصيدة («الشروق») كالأبله».
لم تكن تلك أول سقطة سياسية لبوجدرة، فقد أثار الجدل سابقاً بشهادته التي زكّى فيها نظام الجنرالات الجزائري عام 2005، خلال المحاكمة التي جرت في باريس بين الجنرال خالد نزار ومؤلف كتاب «الحرب القذرة»، الملازم حبيب سوايدية. وقبلها بسنوات، أثار موجات عارمة من النقد والاستغراب بتزكيته لنظام الرئيس الشاذلي بن جديد، خلال الثمانينيات، متجاهلاً ما اتسم به من فساد وظلم، بحجة أنه (أي الرئيس بن جديد) ليس غبياً، كما يعتقد الجزائريون، بل هو رجل مثقف «يفهم في الفنون التشكيلية»!
تلك السقطات الفكرية والسياسية، التي أضيفت الى خصوماته الشخصية النزقة، قوّت شوكة خصوم بوجدرة. في ظل زوابع الجدل، التي لم تفارقه منذ نصف قرن، اعتبر كثيرون أن بوجدرة مجرد محارب دونكيشوتي يقارع طواحين الهواء، بحثاً عن بطولة وهمية أو شهرة زائفة، فيما أُسقط بأيدي المدافعين عنه ممن كانوا يرون، بالعكس، أنّه أشبه بالبطل السيزيفي الذي يصرّ على الإمساك بجمرة الحقيقة، مهما كانت حارقة، ولا يكلّ عن رشق المستنقعات الآسنة التي تسبح فيها الحياة الثقافية في بلاده بحصى النقد، أملاً في إيقاظ الضمائر والتأسيس لـ «وعي وطني متجدد».
رغم كل ذلك، فإن محبي بوجدرة، وهم كُثر، يأملون أن يكون لضراوة الحملة التكفيرية التي تعرض لها، وأرغمته على التراجع والمهادنة، مفعول إيجابي في كبح جموح «الحلزون العنيد» عن خوض المزيد من المعارك والخصومات العقيمة، التي تشغله عن عمله الإبداعي. فالثقافة الجزائرية تحتاج الى المزيد من روائعه الأدبية، أكثر من حاجتها الى شططه اللفظي وسجالاته المجانية والخاسرة.