لم يكن الليل حنوناً على المدينة؛ كان الرعد يمزّق أحشاء السماء، والمطر يهطل بهمجيّة منتقماً من الذين طالما عشقوا الشتاء وانتظروا جنونه. أما الرياح، فكانت تضرب النوافذ وتخضّ الأشجار التي مال بعضها بخنوع.


تبدّل هذا كلّه مع بداية الصباح، تماماً حين أخذت السماء ذاك اللون باهت الزرقة، وطغى حضور الشمس حتى دون أن تُظهر وجهها. حينها خفّ هيجان الريح، وغدت نسائمه حبالاً حريريّةً تلاطف الوجوه. توقف المطر إذاً، وهنا أيقظت «ليندا» طفلها ذا الاثنيّ عشر ربيعاً.

■ ■ ■


نظرة واحدة من النافذة كانت تكفيه حتى يعي ما فاته من جنون المطر. كان نائماً، في الوقت الذي ندهته الأرض ليمتزج بطبيعتها كما أحب دائماً أن يفعل. كم تمنّى لو خرج مندفعاً بصحبة عجلته التي ورثها عن «تراكتور» خاله، ليطوف الحيّ مسابقاً حبات المطر، ومتحدياً الرعد بسترته المبلّلة ونعله الذي قلّما خلعه. لكنّ شيئاً من هذا لم يحدث. فغضِب لما فاته. وكما يفعل الأطفال عادةً؛ لام أمّه، التي اكتفت بدورها بالابتسام وتحضير شطيرة الصباح.

■ ■ ■


أخذ شطيرة الجبنة وجلس ينتظر كوب الحليب. في هذه الأثناء، عبرت خياله بعض اللقطات من اليوم الفائت. مرّت كسحابة خفيفة الظل، استقرّت فوق رأسه هنيهةً وتابعت طريقها. كانت المرّة الأولى التي يرى فيها شيئاً كهذا، قال دون أن يحرّك شفتيه: وااو! لطالما كره «جاد» المدرسة، فهي قبل كلّ شيء واجبٌ يؤدّيه مرغماً، دونما معرفةٍ بالسبب. ثمَّ كيف لا يكره المدرسة؟ وقد رأى يوم أمس روعة الحياة من دونها، ومن دون الوظائف والدروس والتوبيخ المتكرر على الخط الرديء.

■ ■ ■


فرغ من فطوره ونهض، كانت والدته قد هيّأت له كوب الحليب الساخن الذي يشربه كلّ صباح أمام باب البيت. تلك هي العادة الوحيدة التي ورثها عن أبيه الذي لم يرَه، لكنّه واظب عليها مذ سمع أمّه تقول لجارتها: «كان المرحوم في كلّ صباح يشرب قهوته أمام باب البيت».
أخذ كرسيّاً بلاستيكيّاً وخرج مرتدياً سترةً حمراء وقبعةً صوفيّةً من ذات اللون، جلس ينظر إلى الزقاق الذي مرّت به العاصفة ولم يهتز، فبقي شاحباً كعجوزٍ يحتضر.
جاء صوت العصافير التي تراقصت فوقه، تتشمّم رائحة أوراق الشجر المبتلّة. حينها ابتسم، وأشعل سيجارة مصّها بتلذذ.

■ ■ ■


كان كلبه الضخم ينتظر استيقاظه بفارغ الصبر. فما أن شعر بأن الحياة بدأت تدبّ في الداخل، حتى وقف ماطاً عنقه بترقّب، يلطم جانبيّ جسده بذيله الأسود ولعابه يتطاير يميناً ويساراً. كان الليل صعباً على «كاكا»، وسُمع نباحه هستيرياً في أوقاتٍ متفرّقة، محاولاً - ربما - إخافة الرعد كي يبتعد. لم يبد على «جاد» أنّه استعدّ للاستقبال الذي خصّه به كلبه الوفيّ، فسقط أرضاً مستسلماً لرشّاشٍ من اللعاب الذي انهمر على وجهه نتيجةً لأشواق «كاكا» المكبوتة منذ اليوم الفائت.

■ ■ ■


كان من الممكن أن تستمرّ هذه الجلسة الصباحيّة لساعات، وأن تحرق بين شفتيه السيجارة تلو الأخرى، لكنّه تعلّم الضرر الذي قد تجلبه هكذا حماقة، كأن يفوّت هذه الساعات - الحساسة - من الصباح في شرب الحليب. نهض جسده الصغير وخرج صوته ناعماً مصبوغاً بالطفولة، بالرغم من المحاولات الدائمة لجعله أكثر غِلظة : «مع السلامة يا إمي». وسرعان ما أطلّت والدته برأسها، وردت: «الله معك».

■ ■ ■


خرج أخيراً، لكنّه ظلّ مسيطراً على سرعته، فقط إلى حيث تعرّج به الطريق وغاب عن نطاق رؤية أمّه، سرّع خطاه بعدها وعلا لهاثه. لم يكن متأكداً إن كان هذا هو الموعد أم لا، لكنّه شعر بحقيبته وقد تحوّلت إلى أجنحةٍ تحمله بخفّة وتسرّع من التهامه للطريق. وقف عند الشجرة الكبيرة، ولم يفعل شيئاً سوى الانتظار.

■ ■ ■


ليس اليوم سوى نهار آخر بالنسبة له، تأخر قليلاً. يجب ألا يتأخر أبداً، فهذا الوقت هو الأهم، حين يبدو له العالم كأنّه خليّة نحل. لا تُرى المدينة بهذه الحيوية إلا من الساعة السابعة صباحاً حتى الثامنة والنصف تقريباً. أكمل الطريق، وبقيت العصافير تلاحق خطاه، حتى بدت كأنها تغيظه بالمطر الذي شهدته أثناء نومه.

■ ■ ■


نظر حوله ولم يرَ أية إشارة. وقبل أن يمضي مطأطئ الرأس، سمع الصوت يأتيه من الخلف، خافتاً في البداية، ثمّ واضحاً كسهم. كان الضجيج يصدر من عجلات العربة التي شاهد يوم أمس، نعم، يجرّها الطفل اللطيف ذاته الذي أهداه كوز الذرة المحمّص (عرنوس الذره)، دون أن يدفع ثمنه. حين التقت عيناهما، تبادلا الابتسام بلطف. تمنى «جاد» لو أن ذا السترة الحمراء يتوقف قليلاً، ربما يسمح له بجرّ العربة لبعض الوقت. كانت كبيرة، لكنّه واثق من قدرته على جرّها بذات البراعة التي لا بد اكتسبها هذا الطفل من الممارسة. شعر بالغيرة، فهو سيمضي بعد دقائق إلى ذاك السجن المكتظ، في حين سيستمتع هذا الغريب بجرّ عربةٍ تزيّنها أكواز الذرة الذهبية، والتي يستطيع أكل أيّ منها متى شاء. ابتسم وسع وجهه مجدداً، لكنّ الطفل القادم صوبه لم يبدُ وكأنّه ميّزه على الإطلاق. لم يعرفه، لكنّه توقّف قليلاً منتظراً طلباً من الصغير ليفتتح رزق هذا اليوم. وحين لم تأته سوى الخيبة والنظرات البلهاء، تابع طريقه، جاراً عربته باليد اليسرى وباحثاً بيمناه عن علبة السجائر.
تسمّر جاد في مكانه. كان ينظر إلى الطفل الذي مرّ به دونما التفات، بسترته الحمراء البالية، والحذاء الذي لا بد أن يتسبب يوماً ما بتجمّد أصابع أقدامه. راقبه يبتعد، وسرعان ما خرج الصوت حاداً:
«عاااارَنييس... عاااارَنييس».
* كاتب من سوريا