كل متابع لبرامج قناة «الميادين» المختلفة، والإخبارية منها على وجه التخصيص، يعرف مدير مكتبها في واشنطن الأكاديمي منذر سليمان. هو صاحب الموقع الإلكتروني «مركز الدراسات الأميركية العربية» (Center for American Arab Studies – CASAA) الذي أسسه عام 2005، والمعروف أيضاً باسم Think Tank Monitor - thinktankmonitor.org، قدم فيه مختلف المعلومات باللغتين العربية والإنكليزية «انطلاقاً من إدراكه لأهمية رصد المؤسسات والعناصر الأساس التي ترفد وتؤثر في بلورة صياغة السياسة الأميركية نحو القضايا العربية وتؤثر فيها وتوفر أدق المعلومات الموثقة للمراكز الأميركية حول تداعيات السياسة الأميركية وتجلياتها في منظور الشعب العربي».


ومن الجدير بالذكر أنّ المركز يصدر نشرة أسبوعية ترصد متغيرات السياسة الخارجية للولايات المتحدة ومؤشراتها، وتؤسس لمعرفة أدق في آلية صنع القرار في واشنطن.
هذه المقدمة عن المركز، ضرورية لمعرفة مؤهلات الكاتب ومؤسس المركز ومديره وخبراته في مجال عمله لفترة تزيد عن ربع قرن، عمل خلالها محللاً في «هيئة الإذاعة البريطانية» وقنوات «العالم»، و«أبي ظبي»، و«دبي»، و«الجزيرة» و«الفضائية السورية»، و«إل بي سي» اللبنانية، و«النيل» المصرية و«مونتي كارلو»، وقنوات أخرى في اليمن والجزائر والسعودية وأستراليا. هذا الاهتمام الواسع بالاستماع إلى آرائه العلمية الرزان، في مجال تخصصه الواسع أتى نتاج خبرة واسعة في مجال التحليلات السياسة والأمنية والاستراتيجية ذات العلاقة بالعالم العربي. كل من يصغي إلى تقاريره وتحليلاته في قناة «الميادين»، يسمع صوتاً هادئاً يعكس ثقة بالنفس وبما يقوله وينقله من أخبار وتحليلات، بعيداً من الصراخ والحماس الذي يغلب على كثير من البرامج العربية المشابهة.
يعلمنا الأكاديمي منذر سليمان كيفية الاختصار المفيد، بعيداً من الشعارات والتكرار والاستطالة في الكلام، مع احترام للآراء المختلفة معها.
ذكرنا أنّ «مركز الدراسات» آنف الذكر يصدر تقارير أسبوعية عن أهم الأحداث والتطورات المفصلية، بالتفصيل المهم. لكن بعيداً من الاستطالة الإنشائية، فإنّ «خمس سنوات رسائل في السياسة والأمن والاستراتيجية من واشنطن» (الفرات)، الذي يجمع فيه تقارير مختارة ـــ بعضها لم ينشر من قبل ـــ يحوي كماً كبيراً من المعلومات المرتبة كرونولوجياً وتاريخياً، بما يسهل على القارئ متابعة صحة آراء الكاتب والتحليلات التي أطلقها إما كتابة أو عند الحديث في قناة «الميادين». المواد جميعها تعكس معرفة عميقة بالمواضيع ورؤية واضحة للتطورات السياسية في بلادنا، بالعلاقة مع واشنطن وتل أبيب على نحو رئيس، رغم تركيزها على شرق المتوسط (نستخدم هذا المصطلح و«جنوب المتوسط» بديلاً من المصطلحين الاستعماريين الاستشراقيين «الشرق الأوسط والشرق الأدنى»).


«الجامعة العربية» مطية لفرض سياسات الهيمنة الاستعمارية على المنطقة


قسم الكاتب مؤلفه إلى ثلاثة أجزاء هي: «السياسة»، و«الأمن»، و«الاستراتيجية» تضم عشرات المقالات الإخبارية والتحليلية، لكنه خص القسم الأول «السياسة عربياً» بالحديث في التطورات العربية والأحداث ذات الصلة، ضمن السنين الخمس المذكورة في عنوان المؤلف (2011 ـــ 2016). وفق المنهج العلمي المنتَظر، شرح المصطلحات الموظفة وضرورة ضبطها وكيفية استعمالها. أمر كثير ما يغيب عن الكتابات السياسية العربية الصحافية بل وحتى العِلمية. كذلك، تناول المؤلف بالتحليل المفيد الأمن القومي العربي ومعناه وكيفية استحالته، مع ضرورة مراجعة التجارب السابقة مثل «الجامعة العربية» التي أثبتت الأحداث عدم جدواها بل إنّها تستخدم مطية لفرض سياسات الهيمنة الاستعمارية على مقدرات أمتنا. في الجزء الثاني، تجدر الإشارة إلى تناول الكاتب بالتحليل النخب العسكرية العربية وأدوارها في الانقلابات وأوضاعها في الدول المستقرة والتجربة العربية، منهياً الجزء بالحديث في مستقبلها. كما ركز هذا القسم بنحو خاص على الجيش المصري والإصلاح.
بحث الكاتب في هذا القسم في إمكانيات اندلاع انقلابات عسكرية في دول مجلس التعاون أياً كان شكلها، أي انقلابات القصر، المعروفة جيداً في دول الخليج، بدءاً من قطر مروراً بآل سعود وفي مشيخات الإمارات والبحرين والكويت. كما بحث في الدور الممكن للمرتزقة الذين استقدمتهم تلك الدول لدعم أنظمتها العصر ــ حجرية في مواجهة أي تحركات شعبية معادية لسلطة شيوخ الأعراب الحاكمين.
ومن المواد الأخرى التي يحويها هذا القسم هي أحداث ليبيا ومستقبلها بعد العدوان العسكري الناتوي ــ الأعرابي عليها وما ستؤول إليه البلاد، التي كانت دولة.
التوثيق والتحليل الذي أورده الكاتب في تقاريره عام 2013 عن المأساة السورية والحرب فيها وعليها، وأدوار الأطراف الإقليمية والدولية، تعكس نظرة ثاقبة متحررة من الأوهام والأغلاط والتمنيات التي كثيراً ما نسمعها ونقرأها من مصادر أخرى. كما قرأ الكاتب بالعلاقة في العام ذاته إخفاقات سياسات واشنطن، مما أفسح في المجال أمام انتهاء عالم القطب الواحد والانتقال إلى التعددية القطبية.
ومن المواد الأخرى التي تناولها بالحديث والتحليل المعمق الافتراق الأميركي ــــ السعودي والعدوان على اليمن ومآلات ذلك العدوان الأميركي ــ الصهيوني ــ السعودي، والاتفاق النووي الأميركي ــ الإيراني وتأثيراته في حاضر شرق المتوسط ومستقبله، عالمياً وإقليمياً.
الجزء الثاني خصصه المؤلف للحديث في مجال «السياسة»، يحوي مقالات الكاتب وتحليلاته دولياً بدءاً من عام 2011، وينطلق من تحليل مواقف روسيا والصين وطبيعتها الاستراتيجية أو التكتيكية، مع العروج على الدورين الأردني والتركي في العدوان على سوريا ومآسيها، وما سيؤول إليه ذلك التدخل، موضحاً في ذلك الوقت المبكر أن نهاية الأزمة سيكون كما نراه في أيامنا هذه بعد تمكن الجيش السوري وحلفائه من حسم معركة إعادة توحيد حلب.
قرار المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروبي، يحظى بتغطية خاصة في تقارير الكاتب والأبعاد الأمنية والقومية والسياسة والاقتصادية لذلك القرار. من ناحية أخرى، يتوقف عند الأحداث الأمنية الخطيرة التي شهدتها الولايات المتحدة ابتداءً من مظاهرات وسكنسن وفيرغسن والمواجهة في مزرعة بندي وعسكرة أجهزة الشرطة وتأصل النزعات العنصرية في المجتمع الأميركي، علماً بأن كثيراً من المحللين يصفون الرئيس المنتخب ترامب بأنه عنصري وفاشي. يتناول كذلك المليشيات الأميركية المسلحة ودورها في النزاعات الاجتماعية، إضافة إلى ممارسة التعذيب ودور خبرة العدو الصهيوني الموضوعة في خدمة واشنطن التي تمارسه بحق مواطنيها أيضاً، إلى جانب العنف الداخلي الذي صار يعرف باسم Black Lives Matter، أي «حياة البشر الأفرو ــ أمريكيين مهمة»، وانتهاءً بغابة السلاح في تلك الدولة التي لا تزال تودي بحيوات الأبرياء، وتحولها إلى دولة بوليسة. ثمة مداخلة مهمة في هذا الجزء عن أسطورة الصوت اليهودي ودوره في حسم نتائج الانتخابات في الولايات المتحدة، وهو ما أثبتته الوقائع، إذ ذهب الصوت اليهودي لهيلاري كلينتون، لكنها خسرت الانتخابات.

بحث في إمكانيات اندلاع
انقلابات عسكرية في دول
مجلس التعاون

القسم الثاني من المؤلف خصصه الكاتب للحديث في «الاستراتيجية» بدءاً من عام 2012، إذ ضم نظرة فاحصة على قوات العدو الصهيوني الخاصة وأبرز تشكيلاتها بالتفاصيل المهمة. كما يُذكِّر القارئ بخرافة كل من نظام القبة الحديدة وبتفوق جنود العدو الصهيوني وأسلحتهم التي ثبتت رداءتها في الميادين أكان ذلك في لبنان ضد قوات «حزب الله»، أو في قطاع غزة المحاصر «إسرائيلياً» ومصرياً.
من الأمور المهمة الأخرى التي يتناولها الكاتب بالتحليل، قرار أوباما الكاذب بمواجهة داعش، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى حصد واشنطن الحيرة والارتباك، وإخفاق سياسة أوباما على نحو كامل في شرق المتوسط، بعدما لقي حزبه وإدارته هزيمة مفجعة. كما يفضح الكاتب عدم صحة الادعاء بقرار عدم خوض أي حروب جديدة، إذ يخصص تقارير للحديث في الاغتيالات التي تمارسها بوساطة المسيرات، أي الدرون، وهي سياسة العدو الصهيونية الدائمة، دوماً وفق منذر. كما يعرج الكاتب على تحليل ظاهرة داعش وسياساتها التجنيدية القائمة على الجنس وتحويل المرأة «العورة» إلى غنيمة حرب، وبالتالي إلى سلعة، مع تخصيص قسم خاص للحديث في «دليل نكاح السبايا»!
القسم الأخير من الكتاب خصصه الأكاديمي منذر سليمان لمسألة الأمن والأخطار المحدقة بالنظم المعرضة للهجمات الإلكترونية في شرق المتوسط مثل البنية التحتية لاستخراج النفط وتصنيعه، إضافة إلى الشبكات الكهربائية وقطاعات الاتصالات والنظم المصرفية.
من المواضيع الأخرى التي عمل الكاتب على عرضها وتحليلها في كتاباته في عام 2014 هي الصراع البارد بين واشنطن وموسكو، خصوصاً بالعلاقة مع أزمة أوكرانيا وتأثير ذلك في بدء تحلل الموقف الأوروبي الموحد الموالي لواشنطن وسياساتها.
كما يستعرض الكاتب في مقالات تعود إلى عام 2015 تأثير الإرهاب في أوروبا الذي يساء استخدامه، بذريعة تقويض الحريات الشخصية والعامة والانتقال إلى الدولة الأمنية. أبرز هذه التأثيرات تجديد واشنطن العمل بقانون التجسس وتسييس المراقبة والترصد وتحويل المؤسسات الحاكمة في الغرب لدعم استحالة خيار الدولة الأمنية إلى أولوية مطلقة. ختم الكاتب مقالاته المختارة بملحق خصصه للحديث عن إمبراطورية ميردوخ الإعلامية/ التضليلية، المهددة بالسقوط، ودور مثلث النفوذ أي الإعلام والسلطة والمال.
قراءة تقارير الكاتب المرتبة وفق الموضوع وتسلسلها الزمني تثبت ــ في ظننا ـــ وضوح رؤياه في مختلف المواضيع التي تناولها. علماً بأن المؤلف يحوي تقارير ومقالات مختارة بعناية من مجمل تقاريره ومقالاته التي تجاوز عددها الثلاث آلاف، وليتنا نحظى يوماً برؤيتها تصدر في مؤلف واحد نظراً إلى أهميتها، وليت كثيراً من «المحللين» و«المفكرين» و«الاستراتيجيين» الذين يملأ صراخهم وتحاليلهم العقيمة (ليست أكثر من خطابات صدى لآراء سلطات بلادهم أو مموليهم ومشغليهم أو الخاضعة لأحكام أيديولوجية مسبقة الصنع!) يتعلمون من منذر فن الحديث المختصر المفيد والهادئ.
أخيراً، أخبرنا منذر أنّه كان ينوي الاستجابة لدعوة الحضور إلى «معرض الكتاب العربي الدولي في بيروت» الأخير لتوقيع مؤلفه الثمين، لكن الأطباء منعوه من ذلك حرصاً على صحته بعد خضوعه للعلاج الكيميائي المرتبط بذلك المرض اللعين. ونتمنى، كما كل محبيه، له الشفاء العاجل والاستمرار في إبداعه وإثراء معارفنا بالقضايا التي تقض مضاجع كل عربي يسعى إلى الحرية الحقيقية والعدالة الاجتماعية.