تنامي اليمين المتطرف في الغرب، مضافاً إليه معاداة الأجانب القادمين مما يسمى «العالم الثالث» أو «الدول النامية/ السائرة في طريق النمو» على نحو عام، ومعاداة المسلمين والإسلام، تستدعي الوقوف عند هذه الظاهرة التي تهدد كافة المجتمعات ذات الصلة بالمشكلة، و«ألمانيا في دائرة الخطر ــ نداء استغاثة من شرطية» هو أحد أهم ما كُتب عن الموضوع.

واقع الأمر أن العنصرية قائمة لدى مختلف شعوب العالم، مع إمكانية نموها أو تحولها إلى عنصرية مموهة.

لكن من المهم هنا التذكير بتحول 180 درجة في المزاج الشعبي المتعاطف مع طالبي اللجوء قبل أحداث رأس السنة الميلادية مساء نهاية شهر كانون الأول (يناير) عام 2014، حيث تجلت بأبشع صورها وأكثرها إثارة للخجل والخزي والاستنكار في الاعتداءات الجسدية/ الجنسية لبعض المهاجرين أو طالبي اللجوء العرب على النساء بل حتى الرجال والأطفال في محطة القطارات في مدينة كولونيا الألمانية وفي دول أوروبية أخرى منها هولندا والنمسا وسويسرا والسويد.
لذا، فإن إطلاق صفة العنصرية على كل من يحتج على أوضاع قسم من الجاليات المسلمة أمر غير مقبول إطلاقاً. الكل في ألمانيا، وفق مقدمة الكاتبة تانيا كمبوري، يعترفون بحقيقة أن القسم الأكبر من المسلمين ــ أتراكاً كانوا أم عرباً ـ اندمجوا في المجتمع ويمارسون حيواتهم على نحو عادي، يمارسون مهنهم ويدفعون الضرائب ويحترمون عادات الألمان وتقاليدهم. وهناك أيضاً من اندمج منهم في المجتمع الألماني على نحو كامل، وثمة أمثلة كثيرة على ذلك نراها في صعود «أجانب» أتراك وعرب مسلمين في حقل الفن على سبيل المثال. بل إنّ كثراً منهم يتنصرون وبعضهم استبدل الاسم اللاتيني بالعربي، وكثيراً منهم ظهر على شاشات التلفزة يعلنون انتماءاتهم الجديدة.
لكن في الوقت ذاته، ثمة فئة ــ أغلبها من «الغلمان» ـــ ترفض التماشي مع واجبات المواطنة واحترام المجتمع الذي رحب بها وقبل منحها إمكانية العيش بكرامة، وساوى قانونياً بينها وبين أهل البلاد. أما تلك الفئات من المسلمين العرب والأتراك، فأغلبها من الطبقات غير المتعلمة والريفية غير القادرة على التأقلم، آخذين في الاعتبار أنّ كثيراً من المهاجرين يأتون من قرى، متسلحين بعاداتهم وتقاليدهم القرونوسطية.


تدرك أن بعض العنصريين قد يستخدمون مؤلفها لدعم أحكامهم المسبقة


من تلك التقاليد، التي نرفضها، كما مختلف المجتمعات الأوروبية، إجبار المرأة في كثير من المجتمعات على الخضوع للرجل، في مجتمع أوروبي لا يقبل ذلك، بل إنه يقبل أن تقوده امرأة كما هي الحال في ألمانيا والمملكة المتحدة. لكن على الجميع تذكر أن الدكتور نجاح العطار هي نائب رئيس الجمهورية في الجمهورية العربية السورية وأنّ السيدة هدية عباس هي رئيسة مجلس الشعب السوري، وأن العراقية نزيهة الدليمي كانت أول وزيرة عربية، وكان ذلك إبان عهد الرئيس المغدور عبد الكريم قاسم، وأن هناك نساء عربيات مسلمات يتسلمن مناصب وزارية في دول أوروبية عدّة، بل إن المسلمة سيفيل شهيدة رشحت لرئاسة وزارة دولة رومانيا.
هذا الوضع المعادي للمرأة الذي عانته الكاتبة، اليونانية الأصل، بالارتباط مع بعض الغلمان الصغار والبالغين، استدعى قيامها بنشر مؤلفها الذي يحوي قصص معاناتها كشرطية امرأة مع فئات محددة من المهاجرين «المسلمين» الذين لا يقبلون حتى الحديث مع امرأة، فكيف بضرورة الخضوع لأوامرها كونها تمثل القانون المدني في البلاد؟!
الكاتبة من أصول يونانية، هاجر والداها إلى ألمانيا وولدت هناك، لكن اسمها بقي يونانياً، مع أنها اندمجت في المجتمع الألماني، رغم الاختلاف الديني بين المجتمعين. وهي تشدد هنا على أصولها تفادياً لاتهامها بالعنصرية.
السبب وراء إصدار الكاتبة هذا المؤلف هو شعورها بأنها غير قادرة على تحمل المزيد من إهانات أفراد، عرباً كانوا أم أتراكاً، يشتبه بأنهم خارجون عن القانون. كما أنها ليست مستعدّة لصرف النظر عن أعمالهم تهيباً من اتهامها بالعنصرية. وفيما تعمل تانيا كمبوري في منطقة بوخوم التي تحوي العدد الأكبر من المهاجرين الأتراك، فإنها عمدت إلى كتابة رسالة نشرتها في صحيفة «نقابة الشرطة» عام 2013، أوضحت فيها معاناتها. أدركت الكاتبة أن مؤلفها قد يشجع بعض العنصريين الذين قد يستخدمونه برهاناً على صحة أحكامهم المسبقة، لذا فإنها شددت على أنها لن تخضع لأي محاولة استغلال حركات اليمين المتطرف له.
وتأكيداً على كون سردها لتفاصيل معاناتها هو إطلاقها لناقوس الخطر، فإنها تشدد على أنّ القسم الأكبر من المهاجرين أو من خلفية مهاجرة، كادحون يعملون بجدية وأمانة ويخضعون للقوانين والأعراف في ألمانيا. كما أنّها تشدد على تمسكها بخلفيتها اليونانية، لكنها في الوقت نفسه تشدد بأنها ألمانية أيضاً، وأن ألمانيا وطنها كما اليونان.
المشكلة التي تراها الكاتبة تكمن في أن قسماً ليس صغيراً من المهاجرين «المسلمين»، يرفضون قبول ضرورة الالتزام بقوانين البلاد، وتسرد أحداثاً تعرضت لها هي وزملاؤها من رجال الشرطة، من قبل من يرفضون الانصياع لقوانين الدولة الألمانية ولعادات الألمان وتقاليدهم. هذه الفئة، أقامت ــ كما ترى الكاتبة، وأوافقها تماماً انطلاقاً من تجربتي الطويلة في تلك البلاد ــ مجتمعات موازية، تفرض فيها أقلية من صغار الغلمان وكبارهم، عاداتها وتقاليدها البالية المعادية للفهم الحضاري، على الغير وعلى الدولة، وفي المقدمة من ذلك الموقف من المرأة. أما الحلول التي تراها الكاتبة، فهي في اتباع سياسة حكيمة تهدف إلى دمج المهاجرين من خلفية حضارية مختلفة، لأنه من غير الممكن ترك حلول المشكلة للشرطة في الشارع. تعترف الكاتبة بأن مؤلفها نتاج غضبها وإحساسها باليأس، لكنها عملت على تحويل غضبها إلى مقترحات إيجابية على قاعدة احترام قوانين الدولة وعادات الشعب وتقاليده. ننهي عرضنا هذا بتأكيد قناعتنا وقناعة الكاتبة بأن من لا تعجبه قوانين الدولة ودستورها وعادات شعبها وتقاليده أو ليس بقادر على الالتزام بها، فليغادرها إلى مكان مناسب له ولعقليته.