لمزيد من النقاش


لدى صدور كتابي الأوّل، لم أختبر الترقّب الذي يختبره الكتّاب، ولا الحبور لدى رؤيتي نسخته الأولى؛ إذ إنه كان أطروحتي التي نلتُ بها شهادة الدكتوراه. وباستثناء تنقية نصّ هذه الأطروحة من تعديلات اقترحها أساتذة اللجنة المعيّنة لنقاشها، وكتابة تقديم استعرتُ أكثره من مرافعتي لدى ذلك النقاش، نُشرت أطروحتي كاملة في كتاب تحت عنوان جديد «صحة النساء النفسية بين أهل العلم وأهل الدين» (دار الجديد، 1998).
في التقليد الشائع في «الجامعة اللبنانية»، تكاد مهمّة الأساتذة المحكِّمين/ المناقشين أن تقتصر على التربّص بالكاتب/ الطالب عند منعطف كل فقرة لالتقاط الأخطاء ولاقتراح تعديلات يرى لزاماً عليه تنفيذها. في حالتي تحديداً، كانت هذه التعديلات وتلك الأخطاء جزئية وشكلية. لم تُناقش منطلقاتي النسوية، ولا مقاربتي الجندرية للموضوع، ولا المنهج المتعدّد المداخل الذي توسّلته.

ولم يشِر أيٌّ من أعضاء لجنة المناقشة إلى النتائج التي تخالف ما هو شائع ومعروف في علم النفس الاجتماعي ـــ ميدان أطروحتي. لا أُخفي أنني سُررت بالتقييم الذي حظي به عملي البحثي، لكن بدا لي أنني محتاجة إلى توسيع دائرة المناقِشين له. وكان استعداد «دار الجديد» لنشر الأطروحة كاملة تعزيزاً لتقديري أن ما أكتبه يستحق أن يُقرأ... وأن يُناقش.
لم يبعث كتابي الأوّل القلق والترقّب الذي عرفتُه في كتبي اللاحقة، لأن قرّاء خبراء استحسنوا ما جاء فيه؛ وكان احتفال التوقيع الذي نظّمته الدار الناشرة في «المعرض الدولي للكتاب العربي في بيروت» مناسبة عبّر فيها أصدقائي وبعض أهلي وعدد من زملائي الأساتذة في «الجامعة اللبنانية» ومن زميلاتي في «تجمع الباحثات اللبنانيات» عن مودّتهم لي وعن سرورهم لصدور كتابي، فجعلَتْه كثرةُ أعدادهم الأكثر مبيعاً في فئة «العلوم الاجتماعية»، وفق إحصائيات القائمين على المعرض. كانت المناسبة احتفالاً بحق.

حيازة الكتب وقراءتها

اشترى أصدقائي الكُثُر الكتاب، لكن أكثرهم لم يقرأوه. شعرتُ بخيبة أخفيتُها بسرعة تناظرت مع إدراكي بأن توقعاتي مناقشة أفكاري ونتائجي البحثية مصدرها سذاجتي في إدراكي لمعنى شراء الكتاب وحيازته اللذَين لا يعبّران، بالضرورة، عن فضول لمعرفة ما جاء فيه، إنما جاءا تعبيراً عن الودّ تجاهي والرغبة في دعمي، شخصياً. كان عليّ أن أرضى باهتمام الإعلام بوسائله المتاحة حينها، ودعوات متفرّقة من باحثين وأساتذة لعرض الكتاب. إلى ذلك، فإن المعنيين المباشرين بالبحث المعروض في الكتاب، أي، زملائي وزميلاتي في القسم الذي كنتُ أدرّس فيه، و«أمانة» منهم لتقليد سائد بينهم، كان التجاهل نصيبه. سرعان ما تنبّهت إلى أن البحث العلمي في المسائل التي تشغلنا، نحن النسويات، لم يكن مطلوباً، ولا رائجاً بعد. وأن الطلب على نقاش أبحاث علمية حول هذه المسائل لا يأتي تلقائياً، بل محتاج إلى جهد أصبحتُ، لاحقاً، أكثر دراية باستدراجه وبخلق فسحاته.
لا يخفى من كلامي أن نشر كتابي الأوّل تضمّن رغبتي الأكيدة في أن يُقرأ؛ هي رغبة أعلنها وأعجب من قولٍ يدّعي غير ذلك. على أن هذه الرغبة كانت مستقلّة عن الرغبة بالبحث والكتابة. فالاهتمام القليل بنقاش كتابي الأول، لم يكن عائقاً أمام الاستمرار فيهما. الشغف بالبحث، لا في وقعه على الآخرين، كان وقود الرغبة في إجرائه.

الرغبة في البحث

جاءت رغبتي في البحث بنتيجة فضول لم يؤهّلني اختصاصي الأوّل - الرياضيات وتعليمها- لإشباعه، بل بدا لي أن اتساق بنيان هذا الميدان و«بساطته» بمثابة تجاهل مطمئن لتعقيد الحياة الحقيقية. وكان تحويل اهتمامي إلى علم النفس الاجتماعي تعبيراً عن خيار وجودي – نسوي يتمثل بقرار العمل على تركيز طاقتي في الموقع الأكثر إثارة لاهتماماتي الراشدة.


بدا لي أن معرفة «ماذا تريد النساء»،
لا يجري صوغُها خارج خطاب
نسوي يجعل من الصحة النفسية
من بعض همومه


السؤال الذي حاولتُ الإجابة عنه في كتابي الأوّل- أطروحة الدكتوراه الجامعية، كان حول ماهية الصحة النفسية في سياقاتها المجتمعية، وفي ما إذا كانت ذات صلة بالجندر. ولما كان تعريف الصحة النفسية يُنتج محلياً، في كل ثقافة اجتماعية، كان لي أن أتوجّه إلى من اعتبرتهم مؤتمنين على صحة النساء النفسية عندنا؛ أي الأشخاص الذين تلجأ النساء إليهم وتأتمِنَنَّهم على صحتهن النفسية. هم المهنيون النفسانيون- أطباء ومعالجين ومحلّلين ومرشدين، رجالاً ونساء، من جهة، ورجال الدين والمرشدات الدينيات من جهة ثانية. في مقدّمة الكتاب، وفي معرض شكري لهؤلاء جميعاً أقرأ: «... لعلّ لحظات اللقاء- التواصل مع هؤلاء جميعاً كانت أمتع حلقة من حلقات هذه الدراسة». هي لحظات استمدّت متعتها من دفء الاعتراف الضمني المتبادل بيني ـــ كباحثة ـــ وبينهم لكونهم مصدراً لمعرفة أتوق لاكتسابها، ومن شعوري بالامتنان لكَرَمِهم في إتاحة تجربتهم العلاجية/ الإرشادية لي.

متعة الكتابة

الكتابة عن البحث، أي التعريف بخلفيته وسياقه، طرح أسئلته وعرض تصميمه، استعراض طريقته ووسائله، نتائجه واستنتاجاته إلى ما هنالك من أمور يستتبعها تنفيذ أي بحث، ما لبثت أن استوت مزيداً من «البحث»، وحالة تكاد أن تكون مستقلة عنه؛ فالكتابة لم تكن تقريراً عن نتائج أفرزتها «معالجة المعطيات» في البحث الميداني، ولا عن «الاستنتاجات» التي تحيل إليها هذه النتائج، فحسب. كانت الكتابة حالة، تكاد أن تكون قائمة بذاتها؛ فهي، وإن أرسيت على نتائج البحث، لكنها ذهبت بعيداً مستدعية معلومات ووقائع من مخزوني المعرفي الكامن لتؤلّف مع «موجوداته» أفكاراً تتلاقح مع أخرى، على نحوٍ غير مقصود منّي، ولتقدّم مادة معرفية تذهب بغرض البحث إلى مواقع غير متوقّعة، ولتولّد أسئلة إضافية. هذه الحالة التي تكتنف فعلَ الكتابة، المتنبِّهة إلى غرضها والمتفاجئة من مسارها كانت، بالنسبة لي، مصدراً لمتعة الكتابة.
بإيجاز: لقد كان التحضير للكتاب، تنفيذ البحث ومسار الكتابة عنه، لا تبِعات إصداره، ما بقي منه في نفسي.

الأوّل هو الوحيد؟

على صعيد آخر، حين اخترتُ النظر في خبرات المؤتمنين على صحة النساء النفسية: المهنيين والمهنيات، من جهة، ورجال الدين والمرشدات الدينيات، من جهة أخرى، كان ذلك لافتراضي أنهم يتمتّعون بامتياز معرفي ناجم عن موقعهم في الوضعية العلاجية، حيث تتجلّى محاولات النساء الفاشلة للتأقلم مع المنظومة الجندرية الناظمة للعلاقات بين الرجال النساء؛ ولافتراضي، كذلك، أن ما يجري في إطار هذه الوضعية بمثابة تكثيف وتكثير لما يجري خارجها. لكن، في غياب ترسيمات إدراكية لدى المؤتمنين على صحة النساء النفسية عندنا يسعها التقاط ما هو خلف بوْح النساء، وما هو متغلغل في ثنايا أعراضهن ومتاعبهن النفسانية، بدا لي أن التوصّل إلى صوغ تعريف لرفاههن النفسي- قِبلة العلاج والإرشاد النفسيَين- أمر صعب. وبدا لي أن معرفة «ماذا تريد النساء»، لا يجري صوغُها خارج خطاب نسوي يجعل هذه المسألة -الصحة النفسية- من بعض همومه.

■ ■ ■


يحضرني قولٌ سمعته مراراً: أن الكاتب يكتب في حياته كتاباً وحيداً هو الكتاب الأوّل، أما الكتب الأخرى فلا تعدو كونها تطويراً للأفكار التي طرحها هذا الكتاب. في كتابي «صحة النساء النفسية بين أهل العلم وأهل الدين»، الذي كُتب منذ حوالى عشرين سنة، بذور اهتماماتي البحثية اللاحقة وتعويل صريح، لا زلتُ ملتزمة به، على شمل الحركة النسوية موضوع رفاه النساء النفسي، والبحث في شروط تحقيقه، في سياق تطوير هذه الحركة لخطابها السياسي الأشمل.