كشفت محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا عن نموذج هجين من التعبئة الدينية ــ السياسية، يُعتبر الأكثر نجاحاً في تاريخ البلاد. وبفضل سعة نطاق النفاذ إلى وسائل الإعلام الرقمية، إلى جانب توفّر أدوات تحليلية جديدة، تمكّن كل من أكين يونفير (أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قادر هاس) وحسان الأسعد (أحد المتخصصين في مجال تحليل البيانات، في الوقت الفعلي) من إجراء دراسة نشرتها مجلة "فورين أفيرز"، في أيلول الماضي، عن آليات تعبئة الأتراك ضد الانقلاب، ودور المساجد وشبكات التواصل الاجتماعي في ذلك.


ومع وجود ملايين من الناس الذين وثّقوا الأحداث، واحتجّوا على الانقلاب عبر الإنترنت، أنتجت التظاهرات المناهضة للانقلاب طوفاناً من البيانات الرقمية. وهذا ما عمل يونفير والأسعد على تجميعه. وقام الباحثان برسم خريطة شبكة المساجد في اسطنبول، التي تمثّل قناة التعبئة الشعبية التقليدية، لتخلص الدراسة إلى أن المساجد، بالإضافة إلى وسائل الإعلام الرقميّة، لعبت دوراً مهماً في تعبئة الأتراك لإحباط انتشار قوات الجيش "المتمردة"، وذلك من خلال تعطيل حركتها جسدياً، وإحاطة مواقعها الدفاعية في المناطق الاستراتيجية في اسطنبول.
ولعلّ من اللافت، كما أظهرت الدراسة، أن الرئيس رجب طيب إردوغان، لعب دوراً متأخراً في تعبئة الأتراك للدفاع عنه. فوفق الإجماع العام، أنقذت شبكات التواصل الاجتماعي إردوغان، بعدما استخدم تطبيقَي "فايس تايم" و"تويتر"، لحثّ المواطنين على الالتحاق بالمقاومة، واستجاب له الملايين بالنزول إلى الشارع لإحباط محاولة الانقلاب. إلا أن تحليل البيانات بيّن مستويات عالية من التعبئة العضوية ضد الانقلاب، على الإنترنت أولاً، ثم عبر شبكات المساجد، وأخيراً على الأرض، وذلك قبل أن يطلق إردوغان نداءه مباشرة عبر التلفزيون.
ووفقاً لتحليل يونفير والأسعد، فمع بدء المقاتلات التركية بالطيران على علو منخفض في سماء أنقرة واسطنبول، مساء الخامس عشر من تموز 2016، بدأ الأتراك يغرّدون على موقع "تويتر" بشأن هذه المشاهد الغريبة، وبشأن الانتشار المفاجئ للدبابات على جسر البوسفور في اسطنبول. كذلك، نُشرت فيديوات على موقع "انستغرام" تسجّل انتشاراً غير اعتيادي لآليات نقل الجنود في أنحاء المدينة. في الوقت ذاته، بدأت شبكات حزب "العدالة والتنمية" الحاكم ومناصريه، وحتى مجموعات قريبة من أحزاب المعارضة، بالتجمع ضد التحرك غير المتوقع للقوات، والذي أثار شكوكاً عند الأتراك في أن انقلاباً بصدد الوقوع.
تزامناً، أطلقت المساجد في اسطنبول (ولاحقاً في بقية تركيا) مكبرات الصوت لإذاعة الأذان كشكل من أشكال التحدي والتعبئة والاحتجاج على محاولة الانقلاب.
وباستخدام تفاصيل تشمل أماكن السكن والتظاهر، تبيّن أنه بغض النظر عن الكثافة السكانية، فإن المناطق التي تتقارب فيها شبكات المساجد أكثر، وتنشط فيها المقاومة الإلكترونية، هي التي شاركت بفعالية في التظاهرات، خلال ليلة الخامس عشر من تموز وبعدها.
وفي السياق، وصف سونر جاغابتاي من "معهد واشنطن"، الحدث بأنه "انتصار العصر الرقمي على انقلاب تناظري"، بمعنى أن القوات "المتمردة" كانت تتبع أساليب التعبئة والسيطرة القديمة (كمثال على ذلك، اللجوء إلى السيطرة على مقر التلفزيون الحكومي)، مقارنة بالتكتيكات الهجينة والمبتكرة من قبل القوات المناهضة للانقلاب.
(الأخبار)