كافكا الروسي أخيراً بلغة الضاد: أندريه بلاتونوف... صوت الملعونين في الأرض

موسكو ــ ولد الكاتب الروسي أندريه بلاتونوف عام 1899 وتوفي عام 1951 بعد معاناة طويلة مع مرض السل الذي انتقل إليه من ولده نيقولاي. كان هذا الفتى الوحيد لأبيه، الذي قد دخل السجن بتهمة مختلقة، وبذل الوالد جهوداً طويلة من أجل الإفراج عنه.

عندما غادر السجن، كان مصاباً بالسل. وبعد فترة قصيرة، واراه والده التراب. ترك هذا الحادث أثراً عميقاً في إبداع بلاتونوف، لا سيما في الفترة التي اشتدّت فيها الحملة في الصحافة الرسمية ضده كونه لا يماشي نهج «الواقعية الاشتراكية» الذي أعلنه الحزب الشيوعي السوفياتي. اشتد النقد ضد بلاتونوف بصورة خاصة بعد رجوعه من الجبهة في الحرب العالمية الثانية ونشره قصة «عائلة ايفانوف» عام 1946، إذ اعتبرها الموظفون الحزبيون خطراً على النظام القائم.
ولم يحظ الكاتب باهتمام الأوساط الأدبية الروسية، إلا بعد وفاته، فنشرت أعماله الرئيسية في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين، كروايات «الحفرة» و«تشيفينغور» و«الأشباح» وغيرها.
بلاتونوف، الذي يعتبر من أكثر الكتّاب غموضاً في القرن العشرين، لم يمارس الكتابة للمسرح إلا مضطراً حين رفضت الرقابة السوفياتية نشر رواياته وقصصه في أواخر الثلاثينيات. أراد بذلك أن يكسب رزقه بشكل ما حين فقد عمله كمهندس وتفرّغ للعمل الأدبي حصراً. لكن جميع محاولاته المسرحية باءت بالفشل، إذ لم تخرج على خشبة المسرح ليس لأسباب أيديولوجية بل لأن المخرجين اعتبروها غير صالحة للمسرح من الناحية الفنية. زد على ذلك أن بلاتونوف لم يستطع أبداً مسايرة مطالب الموظفين الحزبيين لإيمانه بأن الكاتب يجب أن يكون صادقاً مع نفسه كي يبدع عملاً جيداً. ولهذا منعت حتى مسرحيته عن بوشكين «التيت» التي قدمها إلى مسرح الأطفال. موقفه من مفهوم الشيوعية التي اعتنقها في فترة مبكرة من حياته، وحتى انضم إلى «الحزب الشيوعي»، كان يختلف عن الموقف الرسمي منه. اعتبر بلاتونوف الشيوعية الهدف النير والمثالي للبشرية. لكنه أصيب بخيبة أمل كبيرة من تطبيقها على أرض الواقع في العهد الستاليني، ولهذا كتب رواياته التي تتضمن نقداً مبطناً لذلك الواقع. اليوم حين ازداد الاهتمام بأدب بلاتونوف – أو بالأحرى إعادة الاعتبار إليه - نجد المسارح تُقبل على إخراج مسرحياته ومسرحة رواياته. ظهرت على خشبة المسرح في موسكو وبطرسبورغ وغيرها من المدن الروسية وكذلك في بعض المسارح الأوروبية عروض عدة منها في موسكو: «تشيفنغور» في المسرح القريب من بيت ستانيسلافسكي، و«الأشباح» في «مسرح بوشكين»، و«البقرة» في «مركز الفن المسرحي في سريتينكا»، و«صوت الأب» في «مسرح تاغانكا» و«تلميذ المدرسة» في «مسرح سفيرا» و«شارمانكا» في «مسرح سوفريمينيك»، و«الحمقى في الريف» في «مسرح غوغول». ذاع صيت «مهرجان بلاتونوف المسرحي الدولي» في مدينة فورونيج التي عاش فيها الكاتب، مقدماً أعمال الكتاب الآخرين وليس أعمال بلاتونوف فقط. يميل المخرجون المسرحيون لدى تقديم أعمال بلاتونوف الساخرة إلى اعتماد أسلوب «مسرح اللامعقول» كما لدى إخراج أعمال يونيسكو وكافكا وغيرهما القريبة من أجواء بلاتونوف، التي أبدعها الكاتب الروسي الفذّ منذ العشرينيات أي قبل ظهور «مسرح اللامعقول». لكن مواضيع بلاتونوف ذات الطابع التاريخي في مختلف الأحيان لها ميزات خاصة تختلف عن أهداف كتاب «مسرح اللامعقول»، فهي تصوّر مراحل مختلفة من تطور الدولة السوفياتية الجديدة بعد ثورة أكتوبر 1917. إنها فترة «الشيوعية العسكرية»، والتصنيع وكهربة البلاد وفرض النظام التعاوني في الأرياف وإقامة نظام صارم في مجال الثقافة. تنعكس هذه المراحل في أعمال بلاتونوف الروائية والمسرحية. في مسرحية «غرباء» التي قدمت في «مسرح لينسوفيتا» في بطرسبرغ، يتجلى عمق وبساطة طرح بلاتونوف لكيفية إدراك مغزى الحياة، والأصالة في تصوير الأحداث بأسلوب أدب الخيال العلمي والحكايات. يظهر الكاتب الواقع المأساوي لأبطاله ممزوجاً بالسخرية والشاعرية في آن. إن أبطال بلاتونوف يبحثون بمرارة وألم عن أجوبة على الأسئلة التي تطرحها حياتهم اليومية. إنهم يبحثون عن المحبة والشفقة في عالم تسوده القسوة، ويريدون معرفة أسرار الوجود، ومستقبل البلاد. إن بلاتونوف يبرز هنا كفيلسوف أكثر من كاتب روائي ومسرحي.


تصور أعماله مراحل مختلفة
من تطور الدولة السوفياتية
الجديدة بعد ثورة 1917

كتب بلاتونوف مسرحيته «صوت إبن» عام 1938 في محاولة للتقرب من السلطات. تجري أحداثها في مقبرة يراد تحويلها إلى متنزه. الابن يقف عند قبر أبيه ويخاطبه قائلاً: «أنت حياتي وأملي، وبدونك أنا أكثر عدمية من التراب تحت شاهد القبر هذا، وبدونك أنا ميت... وإذا ما وجب أن أصارع العالم بأسره، وإذا ما أصاب الناس الوهن وتوحشوا وصاروا يتقاتلون بسبب الحقد، وإذا ما نسوا مغزى حياتهم، فسأقف وحيداً ضدّهم جميعاً، وسأدافع لوحدي عنك، وعن ستالين، وعن نفسي». ويجيبه الأب من تحت القبر: «إذن ستهلك عندئذ يا بني». تظهر هذه المسرحية التناقض بين أفعال الإنسان وتطلعاته. سعى الأب لتحذير ابنه من ارتكاب الأخطاء التي اقترفها نفسه، ومن أن «الوحش يمسك بيده المعدات الحديثة التي ستكون سلاحاً ضد الإنسان فقط». ويذكره بأنّ العالم كلّه يتطوّر بفضل الصبر والعذاب. ولا بد من أن يتوحدّ الناس لبناء الحياة الجديدة. وفي الواقع، إنّ هذه تعتبر فلسفة بلاتونوف في تكريس الرغبة في الحياة رغم كل المصاعب. ويبدو أن بلاتونوف حشر اسم ستالين في هذه المسرحية لإرضاء الرقابة. لكن المسؤولين منعوا المسرحية رغم كل شيء لأن موضوعها لا يتماشى مع النهج الرسمي في إظهار حياة العمال والفلاحين السعداء في ظل النظام السوفياتي.
وفي مسرحية «سفينة نوح» التي كتبها في آخر أيامه، يسخر الكاتب من العالم الرأسمالي الذي يريد القضاء على الدولة السوفياتية بإلقاء القنابل الذرية عليها بعدما كانت حليفة في أيام الحرب ضد النازية. ويقول تشرتشل أحد أبطال المسرحية: «يجب تدمير البلاشفة ثلاثاً. يجب أن يهلكوا، وأنا أعرف كيف يتم ذلك!». ويحشر الكاتب اسم ستالين أيضاً في المسرحية حيث يبعث أبطالها المحاصرون فوق جبل أرارات ببرقية إلى ستالين طالبين إنقاذهم من الفيضان الكبير. يظهر بلاتونوف في أحداث المسرحية الطبيعة البشرية النفعية، فصاحب المقهى التركي يطلب مبلغ 100 ألف دولار مقابل الزورق ومبلغ دولار واحد لقاء التابوت للميت، بينما يشتري اليهودي الأبدي حاجيات الهاربين من الطوفان بغية بيعها لاحقاً بأضعاف سعرها. وتقول الممثلة مارتا عن ستالين: «يعيش في الأرض إنسان يمكن محبته إلى الأبد». بينما يبرز الكاتب شخصية الأميركي الجشع الذي يربي القمل لكي يلقيه لاحقاً في معسكرات العدو.
وفي عرض المسرحية المستوحاة من رواية «تشيفينغور»، تبرز صورة القاطرة بصفتها رمزاً للأمل في حياة جديدة بهيجة ومتجددة وكذلك انهيار العقيدة. هذه القاطرة ستحمل أبطال الرواية الممسرحة إلى مكان أفضل. ويقول ساشا دفانوف بطل الرواية: «سابقاً، كنت أعتقد أن القاطرة هي الثورة ــ لكن تبين أنها ليست كذلك». علماً أن القاطرة تظهر في مسرحية «الضغط العالي» بهذا الرمز أيضاً. ويقول البطل المهندس جمياكوف «إن قاطرتنا تنطلق إلى الأمام... وستتوقف في محطة الكومونة... لا توجد غيرها... والبندقية بأيدينا».
ويظهر في العرض المسرحي لرواية «الأشباح» على خشبة «مسرح بوشكين» في موسكو اتجاه آخر لإبداع بلاتونوف. فقد ركز المخرج رومان كوزاك على مأساة الفرد لا مجموعة من الناس (الرواية كانت حول مصير شعب كامل يبحث عن السعادة في الصحراء القاحلة). ويشارك في هذه الملحمة المسرحية، ثلاثة أفراد فقط ويتمثل الشعب في شخص واحد فقط، بينما تمثل راقصة الباليه ألا سيجالوفا دور حبيبة البطل نزار، ودور فيرا زوجته، وابنته كسينيا التي تتحول في العرض إلى الفتاة الراقصة فوق كرة كبيرة، وكذلك دور الأم التي تموت من الجوع والجمل الذي يرتوي البطل من دمه، وكذلك الطائر المفترس وجميع الكائنات الحية الأخرى. والعرض كله يبدو كحوار بين رجل وامرأة، ويتميز باختصار النص وكثرة المشاهد الراقصة والتمثيل الصامت، وفق الصيغة المسرحية التي أرادها المخرج لرواية «الأشباح».
واضح أن الاتجاه العام لأعمال بلاتونوف المسرحية وكذلك الروائية هو إبداء الألم لوضع الناس الذين «شوههم» النظام البيروقراطي وحلم الاشتراكية المزيفة. يقول بلاتونوف في مقالة بعنوان «تشي ــ تشي ــ أو»: «لقد أصبحت البيروقراطية علامة على نشوء نوع خاص من البشر. إنها تسلبنا الأصدقاء ورفاق الدرب. وأصبحت رمزاً لآلامنا بلا حساب...». لا ريب في أنّ بلاتونوف، سيجد تجسيداً لأعماله على خشبة المسرح في الأيام القادمة حيث انبثقت حاجة لمراجعة أفكاره الإنسانية العميقة التي لم يتسن سابقاً عرضها على خشبة المسرح. نحن بأمس الحاجة الآن إلى إظهار أنّ الإنسان لا يمكن أن يحيا في أجواء الحقد والكراهية والقسوة واستغلال الغير في عصر الذرة وغزو الفضاء.

* مترجم عراقي وكاتب مقدمة النسخة العربية من «الحفرة» (دار سؤال ـ بيروت)