كنتُ أقرأ في الحديقة العامة وكانت تمشي، وهكذا كنا نلتقي، تحزّرني عن شيءٍ يأكلُ ولا يشبع أبداً، شيءٍ كلما وضعت أصابعكَ في عينيه، يفتحُ فمه. أهدتني لعبة أرقام من الباغ تدعى تسلية رمضان، وعلّمتني الاستغماية فيما بعد: سنحبُّ بعضنا وسيكون هناك ملكٌ أهوج، سينادي: أحضروهما.


وحين يقترب منا الجنود،ُ سأتحولُ إلى قلعة وستتحول أنتَ إلى بابها، وبعدها سيصل الحمقى ليعودوا خائبين إلى ملكهم: سيدي لم نرَ إلا قلعةً ببابٍ ضخم، لم نرَ أحداً. ولكن دون إرادتي، في الليل، كنتُ أخون براءتها، دون إرادتي، أقبّل شحاطتها الصفراء، وبيدي الآثمة أصعد ساقها الطويلة لأنامَ مُحتلماً في عرقِ إبطها، في ملوحةِ أركانها الحميمة، في ملمس بطني لبطنها، في ختامِ خيالاتٍ تختلطُ مع الشيء الوحيد الذي أعرفه. كانت تمشي، كانت في مطبخٍ ما، ترتدي شلحةً خضراءَ قصيرة وكيلوتاً أسود، سكرانةً ترقص على «ربّيتك صغيرون حسن». وكان اليوتيوب مصنفاً تحت رقص منزلي خطير لمومسات حلب. لا أعرف متى بدأتُ أراها، ولا أعرف متى لم أعد، لكن وأنا أشاهده،ُ مدمناً، أعيدُ وأكرُّ الفيديو المصوّر بكاميرة موبايل ذات دقة سيئة 3 بيكسل لا أكثر، والمؤلف من ثلاث دقائق وأربع وثلاثين ثانية، انتبهتُ أنها كانت قد اختفت منذ فترة ليست قصيرة، قبل الحرب أو فيها وأنني لم أكن قادراً أن أحدد بالدقة تماماً. أقرب مسافة بيننا كانت في اليوم الأخير من السنة القديمة. وقفت بجانبي أمام تسجيلات إشبيليا في باب الفرج، كنتُ ذئباً بشرياً، خارجاً من سينما القاهرة، منهكاً من الجوع متعرّقاً من الإثارة في تشمم الجنس في ثلاثة أفلام متتابعة. كانت تقفُ تحت مضخّمات الصوت وبروجوكتورات الديسكو الصغيرة، غارقةً في بوسترات ذكي موران وبولنت آرسوي وإبراهيم تاتلسيس، تربّتُ على صدرها تربيتاً خفيفاً، تردد مع جيلان لازمةَ أغنيتها التي كانت قد نزلت للتو:
«غريب آنم جانم آنم»، ثم مشت، لا بيتاً في طابق، كما كانت تمشي قبلها، لا غرفة نوم، ودائماً، لا دببة بأنوف حمراء ولا رسائل معطّرة، وأحياناً كانت تظهر مع شبانٍ صغار يعملون صابغي أحذية في المنشية، أحياناً مع صغيرات يبعن الشيكلس في شارع القوتلي، حنّت شعرها لفترة قصيرة وضفّرته. في تلك الأيام، أخذتُ أحلم بها وأحتلمُ عليها لأستيقظ، مثلما الآن، على نومٍ لطالما أفسدته رائحةُ المني وكآبة غامضة تالية، كانت تستريحُ في الجهة الشمالية من الحديقة العامة، خلف التمثال النصفي للبحتري، تجلسُ لتفتحُ فألاً بالورق أو تمجّ سيجارة لفّ، ويصدفُ أن تستريح بجانبي على المقعد، فأتوقف، ويصدفُ أن تتكلم كأنها تكلّم نفسها، فأكمل، أو أصبح لا أحد، تقول بأنها ترى عظاماً في الليل، في الليل نعرفُ كم العظام بيضاء، وأنها تستيقظ يكاد يُغشى عليها، تقول بأنهم يفتحون الباب الذي أُغلِقَ على ميّتٍ كان ينظرُ نحوها، وهو يشبكُ أصابع اليدين على شكل قبةٍ، هون وهون وهون، تقول مشيرةً هنا وهناك إلى السرّة، إلى الزغب على البطن، إلى ظلامِ الركبةِ، كانت تمشي بين مقابر الأرمن وجامع التوحيد، بين ساحة الطب البشري والميريديان، بين دوار السبع بحرات وساحة الحطب، غمغمت مرةً أنها لا تحبّ أحداً لكنها تشفق على من يحبّها، وأنه كان أستاذ موسيقى، محبوساً، تلقّى ضرباً شديداً أمام عينيها من قاتلٍ أزعر، وأنه قبل أن يضاجعها في المرحاض ليلة الخميس، أقنعها بكلمتين كيف أنها تشبه سمر سامي لتنجب منه بعد سبعة أشهر طفلاً نصفه بشر، أشقر بجناحين بين منكبيه وأنها كانت تخاف أن يطير منها إن غفت، ولم تكن تغفو. كانت تمشي نحو بابٍ نسيته ولا تتذكر منه سوى أنه، كان عالياً، من الزان. وبقبضةٍ من الحديد في الأعلى تهتزّ كلما غدت الريحُ وكلما أقبل الضيوف، وأنه كان صغيراً، يمدّ يده الصغيرة نحوها ويبكي بوجه من الشمندر، كانت حلب تتبدل من الخريف إلى الشتاء، من الصيف إلى الخريف، وكانت ما تزال بساقين رفيعتين ووجهٍ واحد شاحبٍ شحوب من يصبرُ على ألمٍ مزمن يتبدّلُ ولا يزول. كانت تتكلمُ بصوتٍ عالٍ كي تطرد الكوابيس وتقولُ بأنهم أخذوه في الفجر ولم يعد بعدها، ثم تصبح لا هي تبكي ولا هي تضحك، بل معاً وهي تعيد القول بأن
الأستاذ كان مضحكاً وجميلاً ومؤلماً حين نا.... في الثلاثين، كانت تفرّق شعرها من المنتصف وترتدي فستاناً منقّطاً وشحاطاتٍ بلاستيكية صفراء وتمشي دون أن تنتبه لشيء، وفي التاسعة عشرة كنتُ، أستمني وأستسلمُ لقصص حب من طرفٍ واحد تؤججها الأغاني، كانت تمشي دون أن تنتبه لأحد، وكنتُ أدخلُ السينما وأقرأ لأؤمن بشيء ما، لن يكون أبداً، أحلم معها وأحتلم بوحدها، مثلما الآن، في الحرب وقبلها، ودون أن أعرف كيف بدأتُ وأين سأنتهي.
* كاتب سوري