ما بين كتابي الأول «خطوات في ليل الفجر» الذي صدر في 1970، وكتابي الأخير في 2015، مسافة زمنية شاسعة ومراحل متداخلة في التجربة يشدها خيط واحد ينعطف داخل مسارات تتفرع لتنتظم ثانية مع نهرها الأول: «الشعر»... المحرك الأقوى والدافع للارتقاء بالتجربة الأدبية.


أصدرت خمسة وعشرين كتاباً، ومع كل إصدار، تنتابي حالة قلق شديد وسؤال ملحّ: أتراه جديراً بالقراءة؟
كتبت الشعر في عمر مبكر من مراحل الدراسة. همهمات كانت تملأ رأسي نابعة، ربما، من عشقي للغناء والموسيقى، وجدتها تخرج بصيغة كلمات مموسقة زجتني في حيرة كبيرة. صرت أخفيها كما لو كانت نصوصاً سرية كنت أخشى أن تكون غير مجدية. وبعد سنوات من الممارسة، بدأت تظهر قصائدي في مجلة «الأديب» أولاً، ثم في «الآداب» اللبنانية في منتصف الستينيات، فشعرت بأنني امتلكت جواز مرور إلى دنيا الشعر. لكنني لم أصدر أي ديوان إلا بعد سنوات طويلة. لم يكن من اليسير يومها في العراق أن ينال الشاعر اعترافاً، بل المسألة تغدو أكثر تعقيداً حين تكون الكاتبة أنثى.


أثارت انتباهي العلاقات المتداخلة
بين الشعر والفنون البصرية والموسيقى


لذلك كان كتابي الأول مجموعة قصص ذات نفس شعري. حملني الشعر إلى القصة، كما زجني الاطلاع على التجارب الشعرية والفنية الحديثة في العالم ومواكبة النظريات الأدبية، في حبائل الفن والكتابة عن التجارب الفنية، والنقد التشكيلي التي أثارت انتباهي إلى العلاقات المتداخلة بين الشعر والفنون البصرية والموسيقى. فقد فتح أمامي ذلك التداخل باب المقارنة بين نصوص أدبية وأعمال فنية، وكتبت أولى محاولاتي في العلاقة بين الأدب والفن في مطلع السبعين. ومن هذا الباب، دخلت عالم الترجمة، وترجمت من الإنكليزية كتباً تدور في فلك هذا المدار.
حين وجدت أن تجربتي الشعرية لم تكن تتسع لاستيعاب كل ما كان يغلي في رأسي من أفكار وصور ومشاعر، سعيت إلى الانطلاق بحرية، وأخذت نصوصي تتمدد في فضاء أرحب. ولأن قصائدي اتسمت منذ بداياتها حتى اليوم، بامتلاك نفس قصصي تجلت في جميع دواويني التي أصدرتها تباعاً، فقد وجدت ملاذي في عالم القصة القصيرة المكثفة. إذ انبثقت القصة الأولى من حلم غريب حولته إلى نص سردي كي لا تفلت مني تفاصيله الغريبة. كان أشبه بواحد من أفلام جان لوك غودار. وظل الحلم، سواء أكان حلم يقظة أم مناماً، رافداً من روافد تجربتي الأدبية، مثلما كان فاتحة طريقي إلى التعبير الرمزي. بل ظلت الرمزية طابعاً يميز أجواء القصص التي تجلت في تلك المرحلة المبكرة... نصوص تموه المشهد الواقعي الذي تدور الأحداث في مداره لتنقله من الخاص إلى العام.

ظل الحلم رافداً من روافد تجربتي الأدبية، مثلما كان فاتحة طريقي إلى التعبير الرمزي


في نهاية الستينيات، وفي إحدى رحلاتي إلى بيروت، كان أنسي الحاج مسؤولاً عن ملحق «النهار» الأدبي، ونشر لي قصتين في عددين متتابعين من الملحق الأسبوعي، وكان ذلك فعلاً استثنائياً، كما أخبرني. وجدت، أينما سرت هناك، من يقول لي إنه قرأ القصة واستغرب بناءها ورموزها. أجريت معي مقابلات، ووجهت إلي أسئلة لم أكن أملك رداً واضحاً لها، فنبهتني إلى أمور كنت غافلة عنها. كما جعلتني أشعر بأن اسمي أصبح أكبر من حجمي. شعور لم يكن مريحاً دفعني إلى مضاعفة جهودي في القراءة والممارسة. وفي الوقت الذي كنت أكتب فيه الشعر وأشارك في الأمسيات التي يقيمها اتحاد الأدباء، كانت التجربة القصصية تمضي في خط مواز. أصبح لديّ كمّ من القصص، ورغبة في أن يصدر لي كتاب يحمل اسمي. اخترت أربع عشرة قصة ونشرتها في بغداد، في أول مجموعة لي عنوانها: «خطوات في ليل الفجر» بمساعدة من وزارة الإعلام.
كنت طوال مرحلة الإعداد والمتابعة والمراجعة، متلهفةً ومتحمسةً لصدور الكتاب الأول. غير أني حين تسلمته، وانفردت به، أشحت بوجهي عنه وأحجمت عن تصفحه وقراءته خشية أن أندم على شيء ما. ثم شعرت بغمامة سوداء تغمرني، ويد تعصر قلبي بشدة. انفجرت بالبكاء وأنا أقول لنفسي: «ماذا فعلتِ؟».