يرى الامين العام لحركة مواطنون ومواطنات، الوزير السابق شربل نحاس، أن من الأسلَم، نقدياً، تمويل السلسلة بالضرائب، لا من خلال خلق النقد. كلفة خلق النقد كبيرة على لبنان، لأنها تصبّ في النهاية طلباً على الدولار في بلد تمتزج فيه العملة المحلية بالدولار ولا يكاد ينتج شيئاً، بل لديه عجز في ميزانه التجاري يتجاوز 15 مليار دولار.


يعتقد نحاس أن التعليق على السياسات النقدية التي يتّبعها مصرف لبنان غير ممكن من دون تفكيك تاريخ نشوء السياسات النقدية في العالم ونشوء العملة الورقية والدفترية. فمنذ أن انتقلت الدول من النقد المعدني (ذهب وفضّة وغيرهما) إلى إصدار النقد الورقي والدفتري، تغيّرت حلقات أساسية من الحياة الاقتصادية. كان الذهب والفضّة سلعة للتبادل مقابل سلع أخرى، وبالتالي كان النقد مرتبطاً بالتبادل التجاري لكل دولة، ولم تكن هناك أي حاجة لمصرف مركزي يمسك الكتلة النقدية ويديرها، أي إنه لم تكن هناك أي حاجة لسياسات نقدية. وظلّ هذا الأمر سارياً عندما بدأ إصدار النقد على اعتبار أنه سندات ورقية (العملة الورقية) تستمدّ قيمتها ميكانيكياً من قيمة العملات المعدنية التي تحملها الدولة، إذ جاءت هذه الصيغة بهدف تسهيل التداول بين الناس، لا بل إن المصارف نشأت ربطاً بعملية تسهيل الدفع والتبادل التجاري، فيما باتت العملة الورقية مربوطة مباشرة بكمية من الذهب أو الفضّة تمثّلها، وبالتالي لم يكن هناك حاجة لمصرف مركزي ولا لسياسة نقدية.


خلق الليرات مواز لخلق المزيد من الطلب على الدولار الذي يضغط على احتياطات مصرف لبنان

التحوّل جرى في مطلع الثلاثينيات، مع الأزمة الاقتصادية الكبرى. في تلك الفترة التي تصل إلى الحرب العالمية الثانية، فُصلت العملة الورقية عن التماثل الميكانيكي مع العملة المعدنية من ذهب وفضّة، فبدت هناك حاجة لدى الدول إلى جهة تمسك الكتلة النقدية حتى تتمكّن من إيجاد التوازن بين صادراتها ووارداتها. في السابق لم يكن ممكناً التحكّم في هذه الكتلة، لأنها كانت بمثابة سلعة من بين سلع متبادلة، أما بعد فكّ الربط مع العملة المعدنية، فقد أصبحت الكتلة النقدية أمراً قابلاً للتحكّم استناداً إلى الآتي:
ــ عندما اندلعت أزمة الثلاثينيات، برز التيار الرأسمالي بمقولاته التقليدية إلى الواجهة: عندما يكون لدينا عجز (العجز يعني خروج المزيد من الذهب مقابل دخول المزيد من السلع، والفائض يعني العكس) يجب أن نتقشف لإيجاد التوازن، إذ إن العجز سيؤدي إلى التقليل من مخزون الذهب وسيؤثّر سلباً على القدرة الشرائية، ما يؤدّي إلى زيادة البطالة ويخفض الأسعار. والمشكلة بالنسبة إلى هذا التيار متصلة بالتقلبات التي تشكّل طبيعة دورية للحلقات الاقتصادية، وبالتالي فإن معالجتها تتمّ من خلال زيادة الطلب (ضخّ الأموال في السوق)، أي زيادة القدرة الشرائية، وعندما نصرّف البضائع المنتجة نعود إلى الاقتطاع الضريبي لاستعادة ما ضخّ من أموال.
ــ في المقابل، برز التيار الماركسي الذي تحدّث عن أزمة الثلاثينيات بوصفها مشكلة عضوية في الاقتصاد الرأسمالي، حيث يحاول المنتج مراكمة رأس المال من خلال زيادة إنتاجه وزيادة أرباحه، إلا أنه، فيما يفعل ذلك، تقلّ القدرة الشرائية لدى الناس، ما ينعكس على قدرته في تصريف إنتاجه، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى إفلاس المنتج والمزيد من الفقر للناس.
إذاً، كان خلق النقد أو طباعته بهدف زيادة الطلب، يليها امتصاص الأموال بالضرائب. هذه المعادلة التي نشأت سمّيت: السياسة النقدية مقابل السياسة المالية ــ الضريبية. الهدف كان التحكّم في الكتلة النقدية من خلال العديد من الأدوات، أبرزها الفائدة. رفع الفوائد يعني التخفيف من كمية النقد في السوق، وخفضها يعني ضخّ المزيد من كميات النقد القابل للإنفاق.
وإلى جانب الأهداف هناك قيود. فعلى سبيل المثال، إن اتفاقية ماستريخت التي أنشأت الاتحاد الأوروبي، منعت البنك المركزي الأوروبي من أن يقرض الدول حتى لا يكون هذا الأمر بمثابة زيادة على الطلب تؤدي إلى التضخّم. هذه الأدوات لديها أهداف واضحة ضمن النظام الرأسمالي: الفورة الاقتصادية تؤدي إلى تضخّم الأسعار وتتطلب التخفيف من النقد المتداول وامتصاصه بالفوائد المرتفعة، فيما التقشف يعني البطالة التي تتطلب خفض الفائدة لإطلاق كميات أكبر من النقد في السوق.
في الواقع، استمرّ هذا الأمر في أوروبا حتى كسروا القاعدة من سنتين حين لجأوا إلى سياسة التيسير الكمّي. أما في لبنان، فالقواعد المطبقة هي نسخة مختلفة عن القواعد الرأسمالية. بمجرد قولنا إن الليرة اللبنانية لها قيمة ثابتة تجاه الدولار، فهذا يعني عملياً أن الدولار أصبح مثل الذهب نسبة إلى القواعد القديمة في السوق. في النتيجة، صار لدينا مزيج متداول في السوق: العملة المحلية المربوطة بالعملة الأجنبية، والعملة الأجنبية. هذا الأمر ينطبق على أبسط التعاملات التجارية في الدكان والسوبرماركت وصولاً إلى التعاملات الأهمّ.
الدمج هو حالة خصوصية، إلا أنه لا يعني أنه يمكن التصرّف بحرية في السوق. خلق الليرات هو مواز لخلق المزيد من الطلب على الدولار الذي يشكل ضغطاً على احتياطات مصرف لبنان في ظل عدم توافر إمكانية استقطاب الدولارات بواسطة التصدير. لذا، يستعمل مصرف لبنان الفائدة للإبقاء على الدولارات في السوق المحلية ولاستقطاب المزيد منها من الخارج (النظام بكامله يعتمد مصدراً ثانياً يتعلق بالتهجير بحثاً عن العمل ما يعود عليه بإيرادات تحويلات المغتربين). هكذا، لم يعد الأمر يتعلق بما قاله كينز عن السياسة النقدية التي تستهدف تعديل كتلة النقد المتوافر للاستهلاك، فاللعبة المحلية قيّدت السياسة النقدية في لبنان التي لم تعد وسيلة لضبط التقلبات في الحركة الاقتصادية ومواجهة التضخم أو البطالة، بل أصبحت محكومة بضرورة البحث عن الدولارات لتمويل عجز تبادلنا الخارجي.
هنا لبّ المشكلة. إسقاط هذا الوضع على موضوع السلسلة، يعني أن الدولة بإمكانها طباعة النقد لتمويل السلسلة، لكن ضخّ هذه الأموال في السوق يتحوّل، بعد فترة زمنية، إلى طلب على الدولار. ضخّ الأموال يعني زيادة الطلب أيضاً، أي تضخّم الأسعار، وبما أن لبنان يستورد غالبية منتجاته الاستهلاكية، فإن الأموال الإضافية في السوق ستتحوّل، في غالبيتها، إلى الدولار. عملياً، إن تمويل السلسلة بهذه الطريقة يعني زيادة الكتلة النقدية في جيب الموظفين الذين سينفقونها على استهلاكهم المستورد في غالبيته.
في المقابل، إن قرار الدولة أن تقتطع تمويل السلسلة من الضرائب، لا يعني أبداً زيادة الكتلة النقدية، بل استعملنا الكتلة النقدية نفسها المتوافرة في السوق، وعندها يصبح النقاش متصلاً بمفاعيل النظام الضريبي. وفي حالة الهندسات المالية، فإن اقتطاع جزء من الأرباح التي حققتها الهندسات بواسطة طباعة النقد أمر متاح أيضاً لتمويل السلسلة.