تأتي عملية الإنزال الأميركية في البيضاء، وسط اليمن، ضمن استراتيجية واشنطن الجديدة في تفعيل الدور الإماراتي، الذي بدا أكثر استجابة ورشاقة في الانسجام مع المصالح الأميركية. وظهر في الشهور الأخيرة أن أبو ظبي تتقدم على ما سواها من دول الخليج، وأنها أكثر التصاقاً بواشنطن، كذلك أظهرت الولايات المتحدة مؤشرات على انقلاب سياستها في مقاربة العلاقة مع «جماعة الإخوان المسلمين» نحو العداء والميل إلى وضعهم على لائحة الإرهاب الأميركية، الأمر الذي يتوافق مع سياسة الإمارات التي ترى «الإخوان» عدواً تاريخياً وتعمل على استئصالهم.


في هذا السياق، جاءت عملية الإنزال فجر الأحد الماضي، التي أدت إلى مقتل ثلاثة من تنظيم «القاعدة»، أبرزهم الشيخ القبلي الموالي للتنظيم عبد الرؤوف الذهب، بالإضافة إلى سقوط عدد آخر من الضحايا المدنيين، لكنّ سلطة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، وأطرافها المتعددة، وقعت في الإرباك والعشوائية في كيفية التعاطي مع الإنزال، على خلفية أن قادة «القاعدة» المستهدفين كانوا قبل يومين في زيارة لقادة ما يسمى «الجيش الوطني» الموالي لهادي في مأرب، المحسوبين على نائبه علي محسن الأحمر وحزب «الإصلاح» الإخواني، وتسلموا دعماً مالياً وعسكرياً وفق مصادر إعلامية، بل كان هناك مشروع يعد لتوسعة عمل «القاعدة» في البيضاء تحت مسمى «المقاومة المحسوبة على الشرعية».


سلطة هادي وقعت في الإرباك في كيفية التعاطي مع الإنزال


هذا ما أكده تصريح اللواء محسن خصروف، وهو مدير «دائرة التوجيه المعنوي» في جيش ما يسمى الشرعية، وذلك في تعليقه على عملية الإنزال الأميركي في البيضاء، لإحدى القنوات الخليجية (سعودية)، قائلاً إن الذهب «كان أحد قادة المقاومة الجنوبية»، ومعترفاً بأنه كان «يرتب مع الشرعية» في الآونة الأخيرة.
تجدر الإشارة إلى أنه في بداية الحرب على اليمن، قاتلت «القاعدة» إلى جانب قوات التحالف في عدد من الجبهات تحت اسم «القاعدة» أو «أنصار الشريعة»، وآنذاك توقفت الطائرات الأميركية عن ملاحقة قياديي التنظيم. كذلك صدر عدد من التقارير الغربية تُظهر «القاعدة» إلى جانب قوات هادي يُقاتل العدوّ المشترك (الجيش و«اللجان الشعبية»)، إلى أن صارت قوته وتمدده يشكلان عبئاً على قوى التحالف، بالإضافة إلى دخول تنظيم «داعش» على الساحة، مستفيداً من الجغرافيا والبيئة ليشكل تهديداً غير متوقع.
جراء ذلك كله، اضطرت قوى تحالف العدوان إلى عقد صفقة مع «القاعدة» تترك بموجبها الجغرافيا والمناطق السكنية، وتحديداً (المدن والأحياء)، وفي أيام قليلة اختفى التنظيم عن السيطرة العلنية عن المناطق الجغرافية والسكانية التي كان يسيطر عليها في عدن ولحج وأبين وحضرموت، وانتقل إلى الجبال والمديريات النائية، مع العلم بأن إخراج تلك الصفقة كان علنياً ومكشوفاً وفاضحاً. منذ ذلك اليوم (منتصف آيار الماضي)، بدأ التنظيم مرحلة العمل السري وبناء البنية التحتية، مدركاً طبيعة الظروف المستجدة.
في غضون ذلك، يثبت التباين في كيفية مقاربة عملية الإنزال الأميركي أن الأطراف اليمنية التي تتعاون مع التحالف وعمدت إلى تسليمه كل أوراقها، حتى صار يتدلل في اختيار ما يراه مناسباً لمصلحة القوات الخليجية، وبالتحديد السعودية والإمارات، من دون أي انتباه إلى مصلحة الجنوب اليمني.
تعرف الأطراف الجنوبية المتعاونة ذلك أو لا تعرفه، لأن علمها بالأمر من عدمه ليس من أهمية في مكان، خاصة أن تبعيتها تلك هي تبعية غير مباشرة للوكيل الحصري والأصيل (الأميركي)، الذي يتحاشى التعامل المباشر مع تلك الجهات اليمنية، ويوكل المهمة إلى تابعين أكثر التصاقاً وولاءً.
وهؤلاء هم من الصنف الأول، يقدمون خدماتهم إليه بالمجان، بل يتحملون مسؤولية التكلفة المادية والمعنوية للتابع الثاني أي (الأطراف اليمنية الجنوبية المتعاونة مع التحالف)، مع الإشارة إلى أن تلك الأكلاف والأثمان التي يوزعها الخليج على هذه الأطراف لا يعود فيئها إلى تنمية البلاد والعباد، ولم يعد خافياً على كل ذي نظر أن الجنوب اليمني يعيش اليوم أسوأ الظروف الاقتصادية والأمنية منذ عقود.

الصراع على حيازة التصنيف الأول أميركياً في أوج قوته

تقديم الخدمات على حساب اليمن لا يتوقف على الأطراف اليمنية الجنوبية المتعاونة مع التحالف، بل إن الصراع على الوكالة الحصرية وحيازة التصنيف الأول أميركياً في الجزيرة العربية هو في أوج قوته بين أطراف «التحالف». ورغم أن السعودية تجهد للبقاء في المصنف الأول وإبقاء الحصرية للمصالح الأميركية في الخليج عموماً والجزيرة العربية خصوصاً، وهذا الجهد أكده أمس عمدة نيويورك السابق رودي جولياني، بقوله في تغريدة على «تويتر»، إن «السعودية أقرب إلينا اليوم ولإسرائيل من أي وقت مضى».
رغم ذلك، تحاول واشنطن إيجاد وكيل خليجي بديل يعفيها من الإحراجات التي سبّبتها الرياض أمام الرأي العام العالمي في مسألتي المجازر بحق المدنيين اليمنيين وتهمة دعم الإرهاب، وإن كان السبب الأساسي هو الضعف والفشل في إدارة المملكة معارك أميركا في سوريا والعراق واليمن، ومن ثم عجزها عن أداء الدور المطلوب، وهنا صار على واشنطن التفاعل أكثر مع أبو ظبي.