اللاذقية | حين تحدثنا معه على الفايسبوك وأخبرناه أنّنا نرغب في إجراء مقابلة معه، كان لطيفاً للغاية، لكنه سأل على الفور: هل الأسئلة جاهزة؟ لم يكن السؤال مباغتاً بالنسبة إلينا، فلطالما سمعنا وقرأنا أنَّ المترجم أسامة منزلجي يقتضب كثيراً في حديثه، ولا وقت لديه للخروج أو الجلوس والحديث مع الأصدقاء. يعيش عزلته التي اختارها في منزله في اللاذقية مع الكتب والترجمة والموسيقى. لم يعرف كيف يدلّنا إلى منزله.


قال: «بيتي قبالة المحكمة القديمة». لكنها لم تعد محكمة، بل غدت مستوصفاً للهلال الأحمر. تغيرت المدينة كثيراً بالنسبة إلى رجل لا يبرح منزله... رجل يعيش خارج الزمان والمكان. استقبلنا على باب منزله، وأدخلنا إلى غرفته التي تكتظ بالكتب في حيطانها الأربعة، وقد علّق صور من يحبهم من كُتّاب وممثلين ومغنّين على واجهة المكتبة. ترى صوراً لفيرجينيا وولف وإديث بياف وماهيليا جاكسون، وجانيس غوبلن إلى جانب أورسن ويلز، ومعهم إدغار آلان بو، وأوزوالد سبينغلر. المترجم السوري الذي ولد في اللاذقية عام 1948، وحاز شهادة الليسانس في الأدب الإنكليزي عام 1975 من جامعة دمشق، ترجم إلى العربية ما ينوف على خمسة وأربعين عملاً منها: ثلاثية هنري ميللر («سيكوس»، «نيكسوس»، «بليكوس»)، و«مدار الجدي» و«مدار السرطان». كما ترجم كازنتزاكيس في «الإغواء الأخير للمسيح»، وأيضاً روايات هرمان هسه، وجان جينيه، وجيمس جويس في «أهالي دبلن»، ومذكرات تينسي وليامز، ومذكرات تيري إيغلتون «حارس البوابة». وانتهى للتو من ترجمة رواية هنري جيمس «رودريك هدسن». أما حالياً، فهو في صدد ترجمة السيرة الذاتية للممثل الإنكليزي المخضرم كريستوفر لي (1922 ــ 2015)، الذي اشتهر في الردح الأول من حياته في تجسيد شخصيات مصاصي الدماء وأفلام الرعب مثل دراكولا وفرانكشتاين، واشترك في دور مميز بسلسلة أفلام Lord of the Rings الشهيرة. وبعد شهر، سيقدم أسامة للمطبعة الرواية الثالثة للكاتبة الاسكتلندية آلي سميث «أن تكون كليهما» (2014). باختصار، أسامة ليس مترجماً، بل ورشة ترجمة

■ كيف أسَرَتْكَ اللغة الإنكليزية؟ وهل درست الأدب الإنكليزي كي تغدو مترجماً؟ ألم تفكِّر في خيارات أخرى؟
أسرتني اللغة الإنكليزية بأحرفها، وأشكالها. عندما كنت صغيراً، أذكر أنني كنتُ أفتح كتب المقررات المدرسية لإخوتي الخاصة باللغة الإنكليزية وأنظر ملياً إلى أشكال الأحرف التي كانت بالنسبة إلى عيني أشكالاً فنية مُثيرة للفضول، كأنَّ وراء كل منها حكاية أو أسطورة، أو كأنها ترمز إلى معان خاصة بها. كل منها كان يُثير فيَّ شعوراً مختلفاً، كأنها أشخاص... درستُ الأدب الإنكليزي ليس من أجل الترجمة، بل من أجل كشف أسرار ما يختبئ خلف تلك اللغة، من أجل قراءة المزيد والمزيد من الكتب التي كنت أسأل عنها في المكتبة العامة ولا أجد لها ترجمة إلى اللغة العربية. لم أكن أفهم هذا أبداً: لِمَ لا تُتَرجم الكتب كلها؟ ولو لم أدرس الأدب الإنكليزي، لدرستُ ربما شيئاً يتعلق بالموسيقى أو بالرسم. كنتُ صبياً لا يمكن أنْ يتلاءم إلا مع اختصاص يليق بكونه منعزلاً بامتياز، حواره الوحيد مع الكلام المكتوب والكلام الذي يدور في الرأس... لم أنجح مرة في إجراء حوار طويل مع أحد. ولدتُ لأكون مُصغياً.

■ ثمّة مترجمون لم يدرسوا أدباً إنكليزياً أو فرنسياً في الجامعات. كان يكفيهم أن يجيدوا اللغتين المُترجَم منها والمُترجم إليها كي يترجموا. هل تعتقد أن الدراسة الأكاديمية ضرورية كي يغدو المرء مترجماً؟
من دون أدنى شك: الدراسة الأكاديمية تطلعك على أمور دقيقة لا يتوصل المرء إلى معرفتها وحده إلا بالدراسة الدقيقة للغة. قد لا يحفظ تلك الأمور لكنه يطَّلع عليها ويتذكرها في عمله لاحقاً. على أي حال، تعلُّم اللغة يعتمد في الأساس على ممارستها، على الجهد الفردي للمتعلِّم، والإلحاح والمثابرة. كيف يمكن لأحد أنْ يتعلَّم لغة وهو لا يطيق فتح القاموس، مثلاً، ليفتش عن معنى دقيق لكلمة ما؟

■ ما هي علاقتك باللغة العربية؟ هل تجدها قاصرة في مواكبة الإنكليزية أحياناً؟
أعتقد أنَّ مشكلتنا مع لغتنا هي أننا لا نستعملها. ليس من الضروري حفظ الأشعار والمعلقات، وقواعد اللغة وقواعد القواعد. في اعتقادي أنَّ الأهم هو تذوُّق اللغة كأداة للتواصُل والتعبير. طبعاً لغتنا ليست قاصرة، لكنَّ إهمالنا لها ولتطويرها لتتلاءم مع العصر هو المشكلة. نحن في حاجة إلى قاموس للمترادفات، لجمع أكبر عدد ممكن من الكلمات المترادفة بغية المحافظة عليها واستعمالها وإبقائها في الذاكرة.

■ ما الذي خطر في بالك حين ترجمتَ كتابك الأول لهنري ميللر؟ لماذا اخترتَ ميللر كبداية؟ وكيف كان شعورك حين قرأتَ اسمكَ على أول كتاب مطبوع؟
عندما بدأت الترجمة، كنتُ أصبو إلى تقديم كتاب مختلف في أسلوبه وأفكاره وطريقة عرضه، إلى شيء يجعل الناس ينتبهون ويلتفتون ويُبدون اهتماماً: باختصار، أحببتُ أنْ أُعيد إلى القراءة جاذبيتها، ورونقها كأرقى وسيلة للتعلُّم، والتحضُّر والتثقيف. لا شيء يجعلك إنساناً سامياً أكثر من قراءة كتاب حسن التأليف والصياغة، واضح المعالم والمعاني، يجذب الاهتمام وتستمد منه أسرار الأعماق الإنسانية. ميللر كان في ذلك الوقت اختياراً معقولاً، فهو أبعد ما يمكن عن كتب المقررات المدرسية التي تنفّرك من القراءة بدل أنْ تجذبك إليها. ميللر هو المتمرد الصعلوك الذي أراد أنْ يُعيد تعريف كل شيء حسب ملاحظاته وتجربته في الحياة، أراد أنْ يُنهي الجملة التقليدية للتعبير عما يريد، والمفهوم التقليدي للعيب، أراد أنْ يستمد تجربته من التماس المباشر بالحياة وبالإنسان. عندما رأيتُ اسمي مكتوباً على ترجمتي الأولى، شعرت بالمسؤولية، بأنني لا أريد أنْ يقترن اسمي بما يمكن أنْ يُسيء إليه: أردته أنْ يجذب الاهتمام والانتباه بوصفه جالباً لكلام يهتم بالإنسان ويبقى في الذاكرة.

■ يُقال: إنَّ الترجمة هي إعادة خلق العمل مرة ثانية أو بعبارة أخرى كتابة أخرى للعمل، هل تتدخل أحياناً في ترجمة العمل الذي تترجمه؟
على العكس تماماً. أعمل جاهداً كي أنقل صوت الكاتب وأفكاره وأحاسيسه ونبرة صوته بأكبر دقة ممكنة، ليس بالترجمة الحرفية طبعاً، بل بالترجمة المتأنية الحسّاسة: إنني أحترم الكلمة كثيراً ولا أحب أنْ أتعامل معها باستخفاف وعُجالة، وأحبُّ أنْ أعتقد أنَّ كل كلمة كُتِبَتْ بانتقاء وصبر ومعاناة وينبغي التعامل معها بحب واحترام وإخلاص.

■ اقتصرت ترجماتك، في أغلبها، على الروايات. لماذا لم تهتم بترجمة الدراسات النقدية في الأدب، أو الكتب الفلسفية والسياسية؟ ما الذي يغريك في ترجمة الروايات؟
لأنَّ الروايات هي عوالم متكاملة، وخاصة، وكل الكتابات المتعلقة بالأدب تنبع منها. لا يمكن وضع نظرية في الأدب أو تحليل شخصية أو حالة أو فترة زمنية أو تطوُّر إلا بعد قراءة كمٍّ كبير من الأدب. إنَّ الأدب هو الخلق، هو الأصل، وكل النظريات والتحليلات والتيارات تأتي بعد ذلك.

■ كيف تختار الكتب التي تريد ترجمتها؟ هل يهمّك أن يكون الكاتب ذا شهرة عالمية على سبيل المثال؟ أو أنها من قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في العالم؟ أم أنّك معنيٌّ بالكتب التي يمكنها أن تشكّل إضافة للمكتبة العربية؟
يهمّني بالدرجة الأولى الكتّاب الإنسانيون، المهتمون بالمصير الإنساني والمعاناة الإنسانية في هذا العالم، الكتّاب الذين يذهبون إلى الأسئلة الكبرى مباشرة، الذين لا يعترفون بالحواجز والموانع، الذين يسعون إلى الحرية الداخلية قبل الخارجية. أما عن الاختيار، فللأسف لا يوجد لدينا في سوريا أي خيار؛ المكتبات في تقلُّص مستمر ومرعب. أما المكتبات الأجنبية، فغير موجودة أصلاً، وأنا أعتمد على ما يرسله إليّ الأصدقاء القادمون من البلدان العربية المجاورة. أما قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، فهذا شأن يخص البلدان التي تصدر عنها ولا صِلة لها بجودة تلك الكتب أو تميُّزها: إنها تتعلق بالذوق العام للقراءة في تلك البلدان ولا تهمني كثيراً. كلما ازدادت شهرة الكتاب قلَّ اهتمامي به؛ أنا لا أقرأ الكتب التي تحظى بشهرة واسعة؛ إنَّ لها سمعة مُريبة.

■ هل الترجمة شغف؟ أم أنك تترجم أحياناً تحت ضغط الحاجة المادية؟ هل حدث أن ترجمت أعمالاً لم تكن مقتنعاً بها؟
أي مترجم متواضع يعلم أنَّ الترجمة لا يمكن أنْ تكون مصدراً مادياً يعتمد عليه. على العكس إنها عمل شاق ويتطلّب في الدرجة الأولى التضحية والتكريس. الترجمة بالنسبة إليّ خيار والتزام وحب للتعبير بالكلمة. نعم، حدث مرة أو اثنتين أنْ ترجمت كتباً لستُ مُقتنعاً بها، وأيضاً كنتُ أتمنى ألا أُضطر إلى الترجمة عن لغة وسيطة.


هنري ميللر هو المتمرد الصعلوك الذي أراد أنْ يُعيد تعريف كل شيء حسب تجربته في الحياة


■ لكنك قمتَ بترجمات لبعض الكتَّاب عبر لغة وسيطة (هرمان هسه، جان جينيه، كازانتزاكيس). لم تكن أعمالهم مكتوبة باللغة الإنكليزية في الأصل. هل يمكن المحافظة على روح النص الأصلي حين تتم الترجمة عبر لغة وسيطة؟ هل يصل بالأمانة ذاتها؟
كما قلت سابقاً، كنت أتمنى ألا أُضطر إلى الترجمة عن لغة وسيطة. أنا أترجم عن اللغة الإنكليزية، ولذلك أنا مسؤول فقط أمام النص الإنكليزي فقط. أما ترجمة النص الأصلي إلى الإنكليزية، فمن مسؤولية المترجم إلى الإنكليزية، اللهم إلا إذا كان المترجم يُتقن لغات عدة، ويستطيع أنْ يُقيم مقارنة بين الترجمات المختلفة.

■ ثمة مترجمون يقرؤون مكتبة كاملة حتى يحيطوا بعالم الكتاب وكتابه الذي يقومون بترجمته. هل أنت من هذا النوع؟ أم أنك تكتفي بقراءة العمل الذي تقوم بترجمته؟
لا شك في أنَّ معرفة الكاتب وعالمه أمر مفيد، لكن كل كتاب في رأيي هو عالم قائم بذاته، وتجربة منفصلة عن غيرها. ولذلك بالنسبة إليّ ولوج ذلك العالم والتعرُّف إلى خفاياه ولغته الخاصة هو الأهم، وهو السبيل إلى بلوغ ترجمة راقية ودقيقة، والتعرُّف إلى حياة الكاتب يمكن أنْ تكون رافداً لفهم جوانب من ذلك العالم. عندما قرأت «الأخوة كارامازوف» لدوستويفسكي وأنا في العشرين من عمري، لم أكن أعرف شيئاً عن حياة الكاتب، وهذا لم يمنعني من التآلُف مع أجواء الرواية الرائعة. وكذلك الأمر مع قصص تشيخوف؛ إنَّ حبي لقصصه لا صِلة له بمعرفتي لحياته؛ لم أعرف عن حياته إلا لاحقاً.

■ كيف تترجم؟ هل تكتب على الورق أولاً؟ ثم تعيد طباعة ما كتبته على الكومبيوتر! هل تغيرت آليات الترجمة لديك منذ كتابك الأول إلى الآن؟
قبل الكومبيوتر، كنتُ أترجم على دفاتر، دفاتر ضخمة وكثيرة وبالقلم الرصاص. لم أكنْ أرتاح إلا بالكتابة بقلم الرصاص، لأنني أحبّ أنْ أمحو الأخطاء بالممحاة لا أنْ أشطبها وأشوِّه شكل الصفحة، ثم أطبعها على الآلة الكاتبة. ثم انتقلت إلى الكتابة على الكومبيوتر، وكان الأمر أسهل كثيراً، خاصة من ناحية إجراء التغييرات والتصحيحات. في أول الأمر، كنت أكتب الترجمة كالمعتاد على الدفتر ثم أنقلها إلى الكومبيوتر، ثم وجدتُ أنَّ ذلك مضيعة للوقت، وأنَّ في استطاعتي أنْ أترجم مباشرة على الكومبيوتر وأنْ أُجري كل التغييرات والتصحيحات دون توقف، وهذا هو الحال الآن.

■ هل أصبحت الترجمة أسهل في عصر الانترنت بوجود كثير من الكتب والمراجع وإمكانية الاطلاع عليها وتحميلها مباشرة من المكتبات الالكترونية من دون الغوص والتنقيب في الكتب الورقية والبحث عن المصطلحات؟
إنَّ الترجمة إبداع، ولا صِلة لها بجمع المعلومات والكتب والمراجع، هذه كلها عناصر مُساعِدة، لكنّها لا تساعد في الترجمة: الترجمة إبداع فردي، ولكن أعترف بأنَّ المترجم المُبدِع هو في الأصل قارئ نهم وذواقة في هذا المجال، والمدمن على القراءة هو الأجدر بأنْ يصبح مترجماً في المستقبل. القراءة أيضاً عمل إبداعي.

■ هل تتلبّسكَ حالة كاتب العمل حين تترجمه؟ وهل تنتهي علاقتك بالعمل المترجَم حالما يخرج إلى المطبعة؟ أم أنه يستمر معك زمناً أطولَ؟
نعم، بعد خروج الكتاب من المطبعة، يخرج من حياتي، استعداداً لدخول كتاب جديد، وعالم جديد. الكتاب الوحيد الذي تلبّسني كالكابوس كان رواية «1984» لجورج أورويل، بأجوائه المغلقة والخانقة. كانت ترجمة كل حرف منه معاناة وعذاب. وعند نقطة معيّنة شعرتُ بأنني لن أستطيع أنْ أُكمل ترجمته. لحسن الحظ هذه الترجمة ضاعت، وكنتُ سعيداً بذلك.
■ بعد انتهائك من ترجمة الكتاب الذي بين يديك، هل ثمة من تستشيره قبل ذهاب الكتاب إلى المطبعة؟
كلا. هذا أمر غير وارد؛ لا أحد يراجع ترجمتي غيري، وأفضِّل أنْ أتحمّل بنفسي أي أخطاء قد تنتج لقصد أو بغير قصد. مراجعة الترجمة أمر يتعلَّق بمعرفة النصّين الإنكليزي والعربي، وغالباً مَنْ يُراجع، يراجع فقط النص العربي، وقد يخرج ببعض الأخطاء الصغيرة، لكنه لا يستطيع أنْ يُجري مقارنة بين النصين لمعرفة مستوى الترجمة. ثم إنَّ أسلوب الترجمة يختلف من شخص إلى آخر؛ فمثلاً عندما طلبت مني إحدى دور النشر أنْ أراجع ترجمة أحد الكتب، وجدتُ حسب إحساسي بالنص أنَّ الترجمة ضعيفة إلى درجة أنها كانت في حاجة إلى إعادة ترجمة، ولم أفعل هذا طبعاً. ربما كان المترجم الأصلي مقتنعاً بترجمته، ولديه قناعته الخاصة، ولذلك يجب أنْ يتحمّل نتيجة عمله.
■ يُقال: إنك لا تخرج كثيراً من المنزل، بل تعيش في عزلة الترجمة والكتب. ألا تغريك الحياة والشوارع والمقاهي؟ ألا ترغب في التسكّع قليلاً بعيداً عن الكتب؟
هذا صحيح، القريبون مني يعلمون هذا جيداً. وعندما يتصادف أنْ أخرج، يعلمون أنَّ مشواري لن يستغرق أكثر من بضع دقائق. لكنني هكذا كنتُ دائماً؛ أنا شخص غير اجتماعي، ولا أفهم ولا أرغب في اتباع الرسميات في العلاقات الاجتماعية. وأنا لستُ متحدثاً جيداً. «كلمة وردّ غطاها» كما يُقال، لذلك عندما يتصادف أنْ أكون في جلسة ما، أكون مُصغياً أكثر مني متكلّماً. كثرة الكلام ضجيج
مزعج.
■ كيف هي علاقتك بوسائل التواصل الاجتماعي كـالفايسبوك؟ هل أضاف لوناً ما على حياتك؟ هل تتابع الأخبار السياسية؟ هل أنت معنيٌّ بهذا العالم الافتراضي؟
إنَّ عهدي مع الفايسبوك قصير نسبياً؛ قبل سنتين لم أكن أعرف الكثير عنه؛ وكلمة «أصدقاء» على الفايسبوك لا تحمل معناها الحقيقي؛ فالناس الذين يتعرفون على بعضهم على الفايسبوك لا يعرفون إلا أقلّ القليل عن بعضهم البعض، وتواصلهم لا يتعدى بعض التعليقات المُقتضبة. ولكن يجب الاعتراف بأنَّ هناك بعض المواقع التي تمد بمعلومات ثرية ومفيدة وسريعة، ثم إنَّ انتقال الأخبار عبره سريع جداً، وكلما استطاع المرء أنْ يتعرَّف على تلك المواقع استفاد أكثر.

يجب الاعتماد على الترجمة،
لأنَّ الوعي الثقافي العربي لم ينضج بعد ليُعطي نتاجه

■ لكنَّ من يتابع صفحتك على الفايسبوك يرى مشاركات لمقاطع فيديو عن الحيوانات، وأحياناً مقاطع فيديو لتشارلي شابلن، وصور لأحدث السيارات في العالم. لا تكتب أي بوست على صفحتك، ومن الصعب أن يعرف المرء ما هو عملك أو موقفك من أي شيء بخلاف كثير من المثقفين السوريين، لماذا؟
ربما لإحساسي الطاغي بسوء استخدام الكلام عند الناس جميعاً. أصبح كل من له لسان يريد أن يتكلم فيما يعلم وفيما لا يعلم، بحجة أن هذا حقّه وأنه يمارس حريته، حتى أصبحت الكلمة أرخص سلعة على الإطلاق، وأقلّها قيمة ووزناً. أعتقد أن الصورة والفيديو في عصر الفايسبوك هي الأبلغ والأشدّ تأثيراً في النفس وتثير الخيال والفكر، وهذا هو الأفضل.

■ سمعنا أنك شغوف بالموسيقى أيضاً؟ ما الذي تسمعه هذه الأيام؟ وهل يمكنك أن تترجم وأنت تسمع الموسيقى؟
لطالما شكّلت الموسيقى جزءاً من حياتي، وأحياناً كانت طوق نجاة في أوقات الهمِّ والعُسر لتحقيق التوازن النفسي. الموسيقى من أهم عناصر البقاء على قيد الحياة في رأيي. أعتقد أنني ولدت مع ما يُسمَّى «الأذن الموسيقية».
منذ سنوات طفولتي الأولى وأذني تنجذب للأنغام الموسيقية الأصيلة، ليس فقط لأصوات عبد الوهاب وأم كلثوم واسمهان وفايزة أحمد، بل أسماء ربما أقل شهرة مثل عبد المطلب وكارم محمود وابراهيم حمودة. وأنا محب للموسيقى المجردة عن الغناء، كموسيقى عبد الوهاب، وفريد الأطرش، وعطية شرارة، وغيرهم. وحين بدأت أصغي إلى الموسيقى الغربية، استقرت في نفسي مباشرة، ولكن على مستويات أعمق، لديَّ ولع خاص بالموسيقى الغربية الكنسيَّة والكورالية
القديمة.
ثم بدأت أستمع إلى موسيقى البوب والجاز منذ ستينيات القرن الماضي وانجذبت إليها فطرياً أيضاً. ومع مرور الوقت، أصبحت أستمع إلى أنواع الموسيقى كلها لأن هناك فقط موسيقى جيدة أو لا موسيقى. وأعوِّدُ أذني على سماعها لأترك لها الخيار الغريزي الفطري لانتقاء الأفضل دون أحكام مسبقة. وهذا ما أفعله دائماً في سماعي للموسيقى. استمعت اليوم إلى فرقة Jethro Tull والآن أستمع إلى Schubert. وليس بالضرورة أنْ أصغي إلى الموسيقى وأنا أعمل؛ الصمت التام والسكون هما أفضل جو للكتابة.

■ هل لديك وقت لقراءة أعمال لروائيين عرب؟ وإن حدث وقرأت، من يعجبك من الروائيين العرب وتعتقد أنه يستحق أن يُترْجَم إلى اللغة الإنكليزية ويشكّل إضافة إلى الإرث الأدبي العالمي؟
أعترف بأنَّ هذه أكبر عيوبي: إنني لا أقرأ خارج نطاق ما أترجم. آخر ما قرأت من مؤلفات بالعربية كانت مجموعة من روايات نجيب محفوظ قبل أكثر من ثلاثين عاماً. وبعد ذلك كل ما حاولت أنْ أقرأه كان من النوع الخالي من أي حياة وإبداع. مجرد ثرثرة أيديولوجية أو سياسية أو بربرة ذاتيّة، وقد فات الأوان لاستدراك هذا النقص.

■ في عصر المأمون، كان يعطي المترجم وزن ما يترجمه ذهباً. كما أن محمد علي باشا أولى اهتماماً كبيراً بالترجمة والمترجمين، هل تعتقد أن المترجمين يأخذون حقوقهم المادية والمعنوية الآن؟ إذ غالباً ما ننسى اسم المترجم، لكننا لا ننسى اسم الكاتب.
آخر ما أريده في هذا الحوار الشكوى والتذمُّر، ولكن من المعروف تماماً أنَّ المترجمين لا يأخذون إلا جزءاً يسيراً من حقهم، وإبداعهم ليس مُعتَرَفاً به. ما زال الناشر يعتبر المترجم «أجيراً» عنده، ويُتوقَّع منه أنْ يرضى بأي شيء يمنحه إياه. وإحدى دور النشر اللبنانية منَّنتني لأنها ستضع اسمي على ترجمتي، كأنَّ الطبيعي ألا يظهر اسم المترجم على ترجمته. وفي عُرفي أنَّ ترجمة كتابٍ ما صاحبها هو المترجم، وليس المؤلِّف ويجب أنْ يظهر اسم المترجم أولاً، أما النص الأصلي فكاتبه هو صاحبه.

■ كيف ترى المشهد الثقافي في سوريا على وجه الخصوص، وفي العالم العربي عموماً؟ هل «الترجمة هي أهمّ ما يحدث في الثقافة الآن في العالم العربي» كما عبّر أحد المترجمين؟
سبق أنْ أجبت عن هذا السؤال، فأنا لا أتابع المشهد الثقافي العربي، بسبب تجربتي المريرة مع ما حاولت أنْ أتابعه. نعم ، هذا صحيح، وهذا ما ينبغي أنْ يحدث منذ زمن بعيد. أعني الاعتماد على الترجمة، لأنَّ الوعي الثقافي العربي لم ينضج بعد ليُعطي نتاجه، ولكي يحدث هذا يجب أنْ تتوافر الأجواء الصحيّة والصحيحة لهذا المثقف، يجب أنْ يتفاعل مع كل ما يحدث على أرض الواقع، السياسي، والاجتماعي، والفكري – وهذا بالضبط ما لا يحدث، ويبقى يتخبط في عزلته وانعزاله، وفي شطحاته الوهمية.

■ ماذا لو خذلك جسدك، ولم تعد تستطيع أن تترجم، ماذا ستفعل حينها؟
لا أعتقد أنني سوف أتوقف عن الترجمة، قد يتغيَّر الإيقاع فقط ويُصبح أبطأ، وسوف أحلم دائماً بالكتب الأخرى التي يجب أنْ تُترجَم.