عدتُ، أمس، إلى منزلي في وقتٍ متأخر ولم تكن بي رغبة في العودة. في الشارع المؤدي إلى البيت، كان كل شيء نائماً، فيما عدا جندي صغير يبدو مراهقاً بنحافته وعينيه الكبيرتين، يحتضن نفسه، سلاحه معلق إلى كتفه وعيناه تدوران في اللاشيء.

كان الجندي جالساً على رف خشبي في نقطة مراقبة أمام بيت دبلوماسي أفريقي، وبضع شجرات على جانبي الطريق ما زالت صاحية، ساهرة لثرثرة لا يقطعها ضجيج مارة ولا سيارات. مشيتُ في هدوء، محاذرة أن أُحدث ضجيجاً، ثم تخيلتُ أن الأشجار لم يعجبها ذلك. ظَنَّت تمهلي رغبة في إغاظتها، فمرقتُ بسرعة، حتى أن الحلزون النائم في قلادة مستديرة أضعها حول رقبتي خرج من قوقعته، ومد رقبة طويلة بقرنين إلى أعلى وقال: «اهدئي، لست مستعجلاً على العودة، لم أكتفِ بعد»، فابتسمت، وطمأنته أننا سنكمل ما بدأناه في البيت.

على غير العادة أيضاً في تلك الساعة، كان الرجل الذي يجلس في الكشك الصغير المقابل لمنزلي صاحياً، واقفاً ولمبة السقف تتدلَّى فوق رأسه وتخفيها. بدا كأنه جسم برأس لمبة، كان معتاداً بعد الثانية عشرة أن يتوسَّد يده على الخشبة التي أمامه وينام. وإذا اقترب أحدهم من الكشك، يصحو محوقلاً مُبسملاً في ارتباك يفزع القادم لشراء بيضتين وزوجَي «حجارة قلم» لزوم الإضاءة الليلية. لم أكن أرغب في شراء أي شيء الآن.
على الناصية قبل صعودي، وقفت فتاتان تتبادلان العدسات اللاصقة، ولما اقتربتُ منهما أكثر، كانت واحدة تفتح عين الأخرى، وعلى سبّابتها عدسة بنفسجية مقلوبة، وعلى وشك أن تلبسها عين زميلتها البُنيَّة، وهي تضحك في دلال والبخار يتصاعد من فمها «هتبقي شبه إليزابيث تايلور الخالق الناطق، بس ماتقفليش عينك». وعندما انتهت من مهمَّتها، مدت يداً خبيرة وعدلت وضع صدر زميلتها الأيمن في حمالة صدر من الدانتيل، والتفتت إليَّ وسألتني والبخار يتصاعد من فمها: «بذمِّتك مش كده أحلى؟». هززتُ رأسي بالموافقة، وأنا أبتسم ابتسامة لا تعبِّر عن أي شيء؛ لم تكن بي رغبة في الابتسام.
صعدتُ سلالم البناية القديمة، وأنا أعدها، وأغني بصوت مرتفعwhen you›re smiling، أكرر الغناء، ولا تريد السلالم أن تنتهي، ولم أرغب في تجريب غناء أغنية أخرى. في المرة الثالثة، قطع الظهور المفاجئ للبوَّاب عليَّ غنائي، وقبل أن أقول the whole world smile…، كان أمامي، مريباً، وهو خارج من شقة تسكنها امرأة يعمل زوجها في شركة للتنقيب عن البترول في الصحراء الشرقية. حيَّاني وهو ينظر في عيني، ولاحظت أنه يرتدي «جينز» مستورداً، ونبَّهني حلزوني أنه يرتدي أيضاً قميصاً جديداً، لم تُقطع علامته التجارية بعد، وأنه منتصب من تحت الجينز.
اعتدتُ أن يتفوَّه الحلزون بكلمات نابية، وإشارات وقحة أمام الغرباء. حاولت الاستمرار في الصعود، لم تعد بي رغبة للغناء، ولا تكملة الصعود، فجلست على بسطة السلم قبل شقتي بدور واحد، شعرت ببرد الرخام من تحتي، فحاولت تجاهله، وأخرجت هاتفاً محمولاً قديماً، واتصلت بأصدقاء كثيرين وأخبرتهم في اقتضاب أنه لم تعد لديَّ الرغبة في تكملة الصعود، فردُّوا عليَّ بردود متشابهة غير مُحفِّزة، ولم يستغربوا.
وقبل أن يدخل الحلزون في قوقعته، قال إنه بدأ يشعر بالبرد هو الآخر، وإنه قلق على مؤخِّرتي التي يأكلها الرخام الآن، وإن البواب نزل كقط على درابزين السلالم، واختفى في ثوانٍ، فتحمست، وشعرت بالخجل من نفسي، قمت وأنا أتمتم بكلامٍ كبير عن الإرادة، وعدم الاستسلام و... و... أخرجت سلسلة مفاتيحي، وأدخلت المفتاح الكبير في القفل النحاسي، فتأوه الكالون، وتكتك، وانفتح الباب، وسمعت المرأة التي تسكن قبالتي مرتابة تقول لعشيقها من خلف الباب: «ليست امرأة بريئة حتماً تلك التي تحمل حلزوناً على صدرها». لم تكن لديَّ رغبة في الحركة، لكنني اضطررت إلى العودة خمس خطوات ثقيلة، واقتربت من بابها، ونظرت في العين السحرية، ثم رفعت في وجهها الذي لا أراه إصبعي الأوسط.
عدت، خمس خطوات ثقيلة أخرى، دخلت وأغلقت الباب في هدوء، رميت حقيبة يدي على الكنبة، فشممت على الفور رائحة الغاز التي تكتم هواء الشقة. فكرت أن أتصل بشركة الغاز لترسل من يصلح الأنابيب التي تسرِّب غازاً طبيعياً لم تكن لديه القدرة على قتلي طوال هذه المدة. ربما هو مغشوش أو مضاف إليه غاز آخر ليس طبيعياً، ثم تذكرت أننا في الليل، وأنه لم تعد عندي الرغبة في الاتصال بأحد مهما كانت أهميته، وفي الليل لا أحد يعمل إلا بنات الليل وأبناؤه والساهرون على أمن الوطن، فاكتفيت بفتح النوافذ.
خلعت ملابسي قطعةً قطعة، تناثرت الملابس في كل مكان، دخلت إلى الدش، وحاولت ضبط المياه لتناسب الجو، أدرت مقبض المياه الساخنة ذا البقعة الحمراء، نزلت مياه تقترب من درجة الغليان، أدرت مقبض المياه الباردة ذا البقعة الزرقاء، نزلت مياه باردة، تبادلت إدارة المقابض ومرات، حتى أصبح لديَّ مياه تصلح لدش ليست لي رغبة فيه، ولا مبرر له أصلاً في مثل هذا الجو. غسلت شعري وجسمي بشامبو الشعر، وخرجت في دقائق، لففت نفسي بفوطة كبيرة، لا أذكر من نسيها هنا، لكنها هنا منذ زمن. تعثَّرت في ثعبان مرقَّط يمتد بطول الممر، فأُحكمت لف الفوطة الكبيرة عليَّ جيداً، وانحنيت أمسكه من منتصف جسده الطري، رفعته لأرى إن كان من الأنواع السامة. في كل الأحوال سآخذه وأضعه على أُكرة باب جارتي التي تصلني تأوهاتها الحارة. قبلها وشوشتُ الثعبان، فأخبرني أنه يعرف جيداً ما عليه فعله، لا تحب الثعابين الصوت المرتفع، لكن الليلة سيغفر لي المرقَّط، وسيقدم لي هذه الخدمة رغم أني كنت أرفع صوتي بالغناء على السلالم لأنني رفاعية وعِشرة قديمة. وبعدما لبست ملابس ثقيلة جلست وحلزوني يحدِّق فيَّ، قال: «حمّام العافية»، وطلب أن نكمل ما بدأناه فأكملنا، ثم وضعت له بضع قطرات في طبق صغير، وجلس ليأكل، تأملته وهو يأكل حتى غفوت غفوة قصيرة لا رغبة لي بها.
* كاتبة مصرية