لعل أحد أكبر أخطاء المراقبين و«الخبراء» في أمور جنوب المتوسط وشرقه، يتمثّل في وضع إجابات جاهزة عن أسئلة تتعلق بأمور متحركة بسرعة مدهشة. هناك كثير من «أنبياء» السياسة والخبراء وغيرهم أخفقوا في تنبؤاتهم فارتدّ كثير منهم! لسنا هنا في حاجة إلى سردها، إذ أن المتابع يدرك حجم الخداع والتضليل والكذب والوهم والتمنيات التي استحالت «حقائق»، وأن فقط قلة قليلة من المحللين، لا يتعدى عددهم أصابع اليد، نظرت إلى موضوع هذا المؤلف أي المأساة السورية، بالعمق المطلوب.


الكاتب كريستوفر فيليبس، هو أستاذ العلاقات الدولية في الشرق الأوسط في «جامعة كوين ماري» اللندنية، وعضو في برنامج «تشتم هاوس» (The Royal Institute of International Affairs, Chatham House المعهد الملكي للعلاقات الخارجية) للشرق الأوسط وشمالي أفريقيا. في مؤلفه «معركة السيطرة على سوريا - الصراع الدولي في الشرق الأوسط الجديد»، حاول النظر إلى المادة من منظور أكثر شمولية من غيره من «الخبراء». نقول حاول لأنه أفلح في كشف خفايا وحقائق كثيرة لها علاقة بالمأساة السورية، لكنه أهمل بعض العوامل المهمة. يحوي المؤلف معلومات كثيرة لا يعثر المرء عليها في وسائل التضليل/الإعلام، ما يعكس موقع الكاتب الذي يمنحه فرصة الاطلاع على تفاصيل مهمة ذات صلة، نترك للقارئ فرصة الاطلاع عليها بنفسه في صفحات المؤلف.
ثمة رسائل كثيرة في المؤلف، لكننا نرى أنّ الرسالة الأساس التي وجب التشديد عليها في هذا العرض قناعة الكاتب بأن «الأزمة» السورية ليست محلية وإنما نتاج صراع قوى عديدة حاولت الدخول في مغامرة وراثة جنوب المتوسط وشرقه، بعد انحسار فعالية واشنطن في المنطقة بسبب خسارتها في العدوان على العراق وتوجه الإدارة الجديدة إلى ترك أمور حل مشاكل المنطقة للاعبين المحليين، دوماً من منظور الكاتب.


يبالغ الكاتب في استقلالية قرار مشيخات الخليج وتركيا عن واشنطن

من الأمور الأخرى التي يشدد عليها الكاتب عدم إدراك القوى المحلية، وهي تركيا وقطر والسعودية، التي انخرطت في الصراع في سوريا وعليها وأججت الحرب فيها، معنى انسحاب واشنطن التدريجي من المنطقة والتوجه شرقاً لمواجهة التحالف الجديد بين الصين وروسيا وإيران. فتلك القوى ـــ في ظن الكاتب ـــ تصرفت على أساس أن واشنطن لم تتغير ولذا عملوا على تحويل ما رآه من «ربيع عربي مسالم»، إلى نزاع مسلح، فارتكبوا أخطاءً مكلفة للغاية. وهذا ما قاده بالضرورة إلى تأكيد أن الصراع في سوريا لم يكن محلياً منذ البداية، وأن لاعبين عديدين انخرطوا فيه وأوصلوا الأحوال في المنطقة إلى ما هي عليه. في ظني أن الكاتب هنا يبالغ في استقلالية قرار مشيخات الخليج وتركيا عن واشنطن في هكذا أمور ذات أبعاد استراتيجية تؤثر في موقع الولايات المتحدة العالمي، وأن الحقيقة هي أن الأخيرة وجهت أوامرها لهم بالتحرك! وعندما تأمرهم بالتوقف فسينصاعون فوراً.
أما الادعاء بأن واشنطن لم تنخرط مباشرة في ذلك الصراع، فينفي الكاتب صحته مشيراً إلى مطالبة الرئيس أوباما «على بشار الأسد أن يرحل».
الحرب في سوريا وعليها لا تزال مستمرة، وستبقى كذلك في المستقبل المنظور وإن بحدة متفاوتة، لكن الأطراف المنخرطة في الصراع، من منظور الكاتب، وهي قطر والسعودية وتركيا وإيران وحزب الله وروسيا والأردن، إلى حد ما، كلها خسرت. الخسارة الأكبر كانت تركيا التي وصلت الأحوال فيها إلى ما هي عليه، وقطر التي دمرت سمعتها وفقدت صراعها (المفترض) مع السعودية على دور القيادة في المنطقة. أما السعودية فكانت خسارتها، بحسب رأي الكاتب، أقل لأنها تمكنت من تقييد ما رآه من تأثير إيران في سوريا.
رغم التفاصيل المهمة التي يوردها الكاتب عن تطورات الصراع في سوريا وعليها، إلا أنه تجنب الحديث في مخططات المؤسسات الحاكمة في واشنطن للمنطقة بعد إخفاقات سياسات بوش الابن. الإتيان إلى البيت الأبيض برئيس «مسلم» واندلاع أكثر من «ربيع» عربي حققت فيه الحركات والأحزاب الإسلامية انتصارات مهمة في البداية (مصر وتونس) واستمرار تقدم «حزب الإخوان المسلمين» في تركيا المتمثل بحزب العدالة والتنمية، ليست من المصادفات. إذ أن نهوض الفكر الوهابي في المنطقة لم يتم فجأة. واشنطن ضالعة حتى النخاع في مخطط واضح المعالم، هو بناء تحالف إسلامي «سني» رجعي لمواجهة الإسلام «الشيعي» المعادي لها.
كل ما نخشاه فعلاً أنّ هذه «حرب المئة عام» (1337-1453) بنسختها المشرقية. الانقسام الحاد عَقِديّاً في القواعد سيجعل من ردم الهوة التي فتحها الفكر الوهابي التكفيري في عقول أجيال عديدة، غاية في الصعوبة. وإعادة تثقيف أجيال جديدة على المحبة والوئام والتعايش المشترك وتأسيس الأوطان على أسس قومية ليس بالأمر السهل، لكنه الحل الوحيد.