يضع عنوان المؤلف بلغته الأصلية الألمانية، إشارة استفهام خلف العنوان الرئيس: «باسم الله؟ اضطهاد المسيحيين في العالم الإسلامي» (ترجمة: محمد كبيبو ــ «دار الوراق»/ لندن ــ بيروت ــ بغداد). أما الكاتبة ريتا بروير، فهي باحثة في العلوم السياسية والاقتصاد، عملت سنين طويلة في مجالات التعاون التنموي في المناطق ذات الثقافة الإسلامية[!] وصاحبة مؤلفات ومقالات عديدة عن الإسلام والإسلام المتطرف.

العرب والمسلمون الآن في حاجة إلى من يعرّفنا بالجنون، بل بالسعار الديني «الإسلامي»، وهو سعار مذهبي أعرابي صحراوي الجذور، يجتاح بلادنا وعالمنا، ويحارب المسلمين قبل غيرهم! لذلك، فإن عرضنا هذا المؤلف، المحزن فعلاً، الذي صدر في أكثر من طبعة بالألمانية، غايته إعلام القارئ العربي بنظرة الغرب المعاصر إلى الإسلام، خصوصاً بعد الجرائم الفظيعة التي ترتكبها قطعان الوهابية التكفيرية.

تقرّ الكاتبة بأن عنوان المؤلف تعبير «بالغ القسوة» لأنه يثير إيحاءات مخيفة كالترحيل والتهجير والافتراء والتعذيب والاعتداء الجسدي ونزع الملكية والقتل. نحن نعلم بأن القطعان الوهابية التكفيرية تمارس مختلف أشكال الاضطهاد آنفة الذكر بحق المسلمين في المقام الأول. إذ أن الوهابية قامت على اضطهاد المسلمين في جزيرة العرب ومحاربتهم وإبادة معارضي تعاليمها السقيمة، لكن بالتعاون مع «النصارى الكفار أعداء الإسلام»!. كلنا يعلم أن السعار الوهابي ما كان ليتمكن من السيطرة على أجزاء من جزيرة العرب من دون مساعدة بريطانية أولاً، ومن ثم أميركية.
أما جذور اضطهاد المسيحيين في دول العالم الإسلامي، فينطلق أصلاً من كيفية تشكل الدولة الوطنية. نحن نعلم أن تشكل الدول القومية في أوروبا ابتدع لوقف نزيف الحروب الدينية، الكاثوليكية ضد البروتستانية، وآخرها كان «حرب المئة عام» (1337-1453). المشكلة في تشكل الدول ذات الأغلبية الإسلامية، وكلها كانت مستعمرات، تكمن في أن أكثرها اعتمد التأويلات الدينية مرجعاً تشريعياً. عندما يقول الدستور إن الإسلام مصدر التشريع، وأنه دين الدولة الرسمي، يعني بالضرورة استبعاد من هو غير مسلم من وظائف الدولة الرئيسة.
المزج المزاجي بين الدين والقومية، يولد دولاً دينية لا دولاً قومية. وهنا لب المشكلة، كما ترى الكاتبة. فالدولة التي تعرف نفسها بأنها دينية وليست دولة المواطنين تعني أن الدين «الآخر» يقع في المرتبة الثانية، وبالتالي فثمة «هوة أخلاقية وحقوقية» بين المسلمين وغير المسلمين.
مع ذلك، ترى الكاتبة أنّ الاضطهاد ليس التعبير المناسب لوصف وضع جميع المسيحيين في العالم الإسلامي، «لكنه مناسب حقاً للتعبير عن منحى للتطور في هذا الاتجاه». فما جرى في العراق وسوريا ويجري فيهما، على يد قطعان السعار الوهابي، لا يمكن وصفه بتعبير آخر.


الخلل في العلاقة يعود إلى إملاءات سياسية أو تحريض إعلامي

تحدد الكاتبة أن الهدف منذ نشرها المؤلف هو عرض مختلف المشاكل التي تواجه المسيحيين في العالم الإسلامي، أو لنقل في أغلبية دوله، من منظور الكاتبة طبعاً، بكل صراحة ومن دون محاباة أو مجاملة، ولا تقبل وصفه بأنه معاد للإسلام؛ بل سيكون معاداة للمسيحية إن لم تفعل ذلك.
تعرض الكاتبة مختلف المشاكل في الفصول الآتية: «المسيحيون في الإسلام»، و«الأسلمة في الأمس واليوم: كيف أصبح الشرق الأوسط والأدنى مسلماً؛ الجو يصبح أشد قسوة، الإسلام السياسي والمسيحيون؛ السلفية والجهادية تهديد وجودي للمسيحيين»، و«إمكانات وحدود الممارسات الدينية المسيحية»، و«الواقع الحياتي للمسيحيين في العالم الإسلامي: الشريعة بدلاً من الدوائر الحكومية... نهاية حرية الرأي!»، «محاربة الوجود المسيحي في العالم الإسلامي: الخطف والاستعباد والإكراه على اعتناق الإسلام، صيغ جديدة للتخويف، وأخيراً إعلان الحرب الشاملة على المسيحيين»، و«المسيحيون في العالم الإسلامي: مهمة تقع على عاتقنا جميعاً؟؛ المسيحيون كضحية لتحريم انتقاد الإسلام؛ ملاحقة المسيحيين في ألمانيا أيضاً؟ التضامن مع المسيحيين في العالم الإسلامي». وفي ما يخص النقطة الأخيرة، فإن الكاتبة ترى أن شعور المسلمين في ألمانيا بالتفوق واعتبار المسيحية أقل قدراً من الإسلام، قد جرى بتأثير من الأجواء السائدة في الدول الإسلامية، ومن ذلك توقع مسلمي ألمانيا تقيد غير المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية[!] «على الأقل بحضور المسلمين». تقرّ الكاتبة بأن تماهي المرء مع دينه وعدّه الأفضل من بين الأديان أو الدين الوحيد الصحيح ظاهرة واسعة الانتشار ولا تقتصر على الإسلام، بل من الصحيح عد ذلك بأنه أمر طبيعي إن أراد المرء عد نفسه مؤمناً. الإشكالية تقع عندما يؤدي ذلك التماهي إلى التقليل من قيمة أصحاب الفكر الآخر، بما يعني بالضرورة التفوق الأخلاقي والإنساني. في ألمانيا تتجلى هذه الظواهر الإشكالية، دوماً بحسب المؤلف، في استجابة بعض رياض الأطفال لضغوط تقديم وجبات طعام نباتية كي لا يتناول طفل مسلم عن طريق الخطأ بعضاً من طعام زميله غير المسلم! بل وصل الأمر بالبعض إلى تغيير أسماء بعض الأعياد المسيحية: «عيد القديس مارتين» استحال في لغتهم إلى «شمس وقمر ونجوم»، واسم «عيد العنصرة» استحال «عيد الربيع». ترى الكاتبة أن ّهذا التغيير تصرف معاد للمسيحية لأنه يصادر العيد المسيحي ويفرغه من مضمونه.
ترى الكاتبة أخيراً أن العيش الإسلامي ـــ المسيحي المشترك ممكن وقابل للنجاح. كثير من الأمثلة من الماضي والحاضر تشير إلى أن الخلل في العلاقة بين الأديان يعود غالباً إلى أسباب خارجية مردها إملاءات سياسية أو تحريض إعلامي أو تطورات دولية وكيفية إدراك الناس لها. فالناس عموماً، لا يرغبون في حدوث صراعات دينية، وهم يريدون عيشاً كريماً لهم ولجيرانهم. في الماضي ما كان يجمع أبناء الوطن الواحد كان يفوق بما لا يقاس ما يفرق. الموسيقى واللغة والوطن والثقافة والهموم الوطنية والقومية كانت تجمع أبناء البلاد الواحد. مع ذلك، فإن الكاتبة تنهي مؤلفها بالقول «إن مستقبل المسيحيين في العالم الإسلامي يبدو قاتماً، لكن الأمل لا يزول». إنه مؤلف مهم، لكننا افتقدنا فيه إلى رأي الكاتبة في سياسات حكومات بلادها التي لم تمنع انتشار الفكر الوهابي التكفيري عبر مساجد ألمانيا ودعاتها، حرصاً على مكاسب اقتصادية، لكن خسائرها الحالية تفوق بأضعاف عائدات سياساتها النفعية.