«... ثم تقبل الرايات السود من خراسان فيقتلونكم مقتلة لم تروا مثلها». هذا حديث شريف والمسألة التي تهمنا هنا التنويه إلى أهمية الراية في تعريف الهوية الفردية والجمعية، وهذا هو موضوع كتاب «يستحق الموت من أجله: قوة الأعلام وسياساته» المثير والشيق.

يذكّرنا الكاتب تيم مارشال، بقيام مسلحي تنظيم الدولة أو الخلافة أو داعش ـــ سمهم ما شئت ـــ باحتلال بلدة دابق في شمالي سوريا. رفعوا حينها المئات من راياتهم السود على أسطح الأبنية، في دلالة إلى اقتراب المعركة الحاسمة مع الروم الكفار، وفق فهمهم.
لكننا نعلم أن هذا لم يحصل، بل إنهم هزموا على يد القوات التركية «السنية» وفق تعريفاتهم التفريقية. سبق لنا التعريف بالكاتب عندما عرضنا مؤلفه «أسرى الجغرافية» على هذه الصفحات قبل أشهر، وليس ثمة من داع للتكرار.

من منا يشكك في أهمية العَلَم في منطقتنا خصوصاً في هذه الأيام التي تشهد صراعات دموية لا بداية ولا نهاية لها!؟. الجيوش النظامية والجماعات المسلحة، والتنظيمات والجمعيات ــــ أياً كان توجهها العَقِدِي أو السياسي ـــ تسير خلف الأعلام، ترفعها في مناطق تواجدها.
بل إنّ كثراً من هم على استعداد للموت في سبيل الدفاع عن ذلك الرمز الهوياتي الذي يوحد أو يفرق كما نعايشه في هذه الأيام. فالعلم ـــ وفق رأي الكاتب ـــ ليس قطعة قماش وإنما رمز وهوية، وهو أسلوب مرئي يلخص طريقة إشهار نقل ولاءاتنا وسلطتنا وأفكارنا وتواريخنا.


تقديس العلم
لا يقتصر على
دول العالم
الثالث فقط

يتابع الكاتب هذا الموضوع في تسعة فصول تغطي كيفية التعامل مع العلم في كل من الولايات الأميركية وبريطانيا وأوروبا وجنوب المتوسط وشرقه، وآسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية، إضافة إلى مغزى أعلام المنظمات الدولية والتنظيمات المسلحة والإرهابية. اختيار ألوان العلم وشكله لا يتم اعتباطياً وإنما وفق تعريف أو تأويل هوياتي محدد. فعلى سبيل المثال، فالعلم النمساوي ــ بشريطيه الأفقيين أحمري اللون يتوسطهما شريط أبيض اللون ـــ يشير إلى الدوق لِيُبُلْد الخامس قائد قوات الصليبيين في معركة احتلالهم عكا (1189 ــ1191). الرواية تقول إن بعدما انتهى الدوق من ذبح المسلمين في عكا، خلع حزامه كاشفاً عن شريط أبيض في سترته الملطخة بدماء ضحاياه! أما العلم البرتغالي فيُبرز خمس نقاط بيضاء على خمسة دروع زرقاء اللون، تشير إلى معركة أوريك عام 1139 التي خاضها الأمير البرتغالي ألفونسو الأول ضد قوات المرابطين بقيادة علي بن يوسف، وترتبط أيضاً بـ «علامات الجسد الخمس» في إشارة إلى الجراح التي خلفها صلب المسيح، على يديه وقدميه والجراح الناتجة عن طعنه في خاصرته.
تقديس العلم ليس سارياً في ما يسمى دول العالم الثالث فحسب، وإنما في الدول الغربية المصنعة أيضاً. فثمة العديد من الدول الأوروبية، ومنها ألمانيا، تعاقب بالسجن والغرامات المالية لكل من يسيء إلى العلم الوطني، والأمر كذلك في الولايات المتحدة حيث وضعت مسودة قانون يعاقب كل من يسيء إلى العلم الأميركي ضمن منطقة خاضعة للسيادة الأميركية بعقوبات مالية تصل إلى ربع مليون دولار وفترة سجن تصل إلى ثلاث سنوات.
الحادثة التالية تظهر مدى عصبية الغرب الداخلية: عندما اجتمعت قيادة الحلف المنوي تشكيله في ضاحية من ضواحي باريس، فضّل قائد القوات الأميركية الجنرال آيزنهاور ترتيب أعلام الدول المؤسسة الأربعة عشر دائرياً، مرتبة وفق الأبجدية الفرنسية، وهنا اندلعت المشاكل! أولاها كانت مع هولندا التي تعرف بالفرنسية باسم Pays Bas، أي «الأراضي المنخفضة» أو «تهامة»، وهي ترجمة حرفية للاسم الهولندي. لكن هؤلاء رفضوا التهجئة الفرنسية لاسم بلادهم وأصروا على وضع اسمها بلغتهم، أي Nederland، ولذلك استبدل موقعه في القائمة. وعندما اكتشف الإنكليز الإجحاف اللاحق بهم لأن اسم بلادهم بالفرنسية ليس ترجمة للاسم الإنكليزي، أي بريطانية العظمى Great Britain وإنما Royaume-Uni، أي «المملكة المتحدة» بالعربية احتجوا وتم تغيير موقعه في القائمة.
وعندما انضمت تركيا إلى الحلف في عام 1959، احتجت بأن اسمها هو الأخير في قائمة الدول الأعضاء. وعندما استعصى الأمر على الحل، تم الاتفاق على اعتماد التهجئة الإنكليزية لأسماء الدول الأعضاء، وهو أمر أغاظ الفرنسيين وصعب عليهم ابتلاعه!
هذه بعض الروايات الشيقة التي ترد في هذا المؤلف الطريف الثري بمجموعة من الصور الملونة للأعلام التي تناولها الكاتب. لكننا نأخذ عليه عدم شرح معنى الشريطين الأزرقين اللذين يشيران إلى نهري النيل والفرات، في إشارة توراتية واضحة «أرضك يا إسرئيل من النيل إلى الفرات».